آخر الأخبار

المُشكلة ليست بالمفاوضات بل بالخطر بعدها!

شارك

بغضّ النظر عن حدّة الخلاف السياسي بشأن مُشاركة لبنان في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل ، وبغضّ النظر عن طبيعة الاعتراض الميداني الذي قد يحصل، من تظاهرات احتجاجية وحملات إعلامية وما شابه، فإنّ المُشكلة الحقيقية ليست في هذه المفاوضات بحدّ عينها، بل بما سيجري من بعدها. فالخطر الفعلي يتأتّى ممّا سينتج من هذه المفاوضات من انعاكاسات أمنية وسياسية على الساحة اللبنانية. ماذا في التفاصيل؟

كل التحليلات الاستباقية تُجمع على أنّ الوفدين اللبناني والإسرائيلي سيصطدمان بلائحتي مطالب مُتناقضتين تمامًا، مهما حاول الراعي الأميركي تقريب وجهات النظر. ومن الواضح أنّ الجانب اللبناني الذي يُنتظر أن يرفع شروطه إلى أقصى حدّ ممكن، لجهة تثبيت وقف النار بشكل تام ونهائي، لن يكون مُستعدًا لتلبية أي مطلب إسرائيلي قبل حُصول ذلك. وليس بسرّ أنّ المطالب اللبنانية تشمل وقف الإعتداءات الإسرائيلية كليًا على اختلاف أنواعها، إضافة إلى المطالبة بانسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق المُحتلّة، والإفراج عن الأسرى، وتثبيت ترسيم الحدود واحترام هذا الخط برعاية دَولية. في المقابل، من المُرتقب أن يضغط الجانب الإسرائيلي من جانبه لتقديم مطلب سحب سلاح " حزب الله " من كل الأراضي اللبنانية، على سواه من مطالب. وبالتالي، فإنّه من المُنتظر أن يصطدم أعضاء الوفدين اللبناني والإسرائيلي بخلاف مُستحكم، وفق المعضلة الجدليّة المشهورة: "البيضة قبل الدجاجة أم الدجاجة قبل البيضة"؟! بمعنى آخر، ستُصرّ إسرائيل على عدم تلبية المطالب اللبنانية قبل أن يُباشر الجانب اللبناني تطبيق مهمة حصر السلاح، بينما سيُصرّ لبنان في المقابل على ضرورة استجابة إسرائيل للمطالب اللبنانية المتعددة قبل الشروع في مهمة سحب السلاح.

وبالتالي، إنّ المخرج المُمكن ولو أنّه غير محسوم حتى تاريخه - بحسب مصادر مُطلعة، سيتمثّل في محاولة تسويق سياسة الخطوة خطوة ، أي تقوم إسرائيل بإخلاء أحد القطاعات الجغرافية الثلاثة المحتلة في الجنوب (الغربي أو الأوسط أو الشرقي)، فيعمد الجيش اللبناني إلى الانتشار فيه، وحفظ الأمن، وتمهيد عودة الأهالي إلى بيوتهم، وتطبيق حصريّة السلاح بشكل حازم هذه المرّة في كل منطقة يدخلها في الجنوب. ثم تُخلي قوّات الاحتلال قطاعًا ثانيًا، فيعمد الجيش إلى دخوله وتنفيذ المهمّات نفسها فيه، وهكذا دواليك. وسياسة الخطوة خطوة لن تقتصر على تدابير إخلاء المساحات الجغرافية فحسب، بل ستشمل كل البنود الأخرى، بحيث ما أن تقوم إسرائيل بالإفراج عن الأسرى على سبيل المثال لا الحصر، يقوم الجيش بتوسيع خطة انتشاره الأمني، وما أن تلتزم بخط ترسيم الحدود مثلًا، يوسّع الجيش مهمّاته إلى مناطق جديدة. ومن الضروري الإشارة إلى أنّ كل ما سبق، لن يُصبح موضع التنفيذ، ما لم يسبقه أوّلًا تثبيت وقف النار بشكل تام ونهائي.

وبالتالي إنّ الخطر المُرجّح أن يلي جولات التفاوض يتمثّل في الضغط الذي سيُمارس على لبنان من الولايات المتحدة الأميركية ، ومن خلفها إسرائيل، لدفعه لتنفيذ التعهّدات التي من المُفترض أن يعطيها. وفي هذا السياق، تتمثّل المخاطر بما يلي:

أوّلًا: أن ترفض تل ابيب البدء بخطوات حسن النيّة، أو أن تقوم مثلًا بخطوة شكليّة لا تُقدّم ولا تؤخّر، بحيث سترمي الكرة عندها في الملعب اللبناني، فإمّا بقاء الأمور على ما هي عليه من تدهور، وإمّا يبدأ لبنان بتطبيق ما عليه من متطلّبات، الأمر الذي من شأنه إحراج السُلطة السياسية.

ثانيًا: أن تقوم إسرائيل بخطوة ميدانية مقبولة، على غرار الانسحاب من مجموعة من القرى والبلدات التي تحتلّها مثلًا، وألاّ يتمكّن لبنان من البدء من جهته بتطبيق ما عليه، ولوّ بشكل جزئي، في حال رفض "حزب الله" التعاون، بحجّة أنّه من الخطر إخلاء أي منطقة حدودية من مقاتليه، لأنّ في ذلك احتمالًا بكشفها أمام الجيش الإسرائيلي في حال تعرقل تنفيذ الاتفاق في المُستقبل لأي سبب كان. وعندها سينتقل التوتّر إلى الساحة الداخلية بينما تكتفي إسرائيل بدور المُتفرّج.

ثالثًا: أن يعمد "حزب الله" إلى إسقاط أي تسوية مُحتملة، ليس عبر خيار التظاهرات والاحتجاجات والتحركات الشعبية والضغوط السياسية والإعلامية فحسب، بل عبر التحرّك العسكري الميداني في جبهة الجنوب، لجهة تسعير وتيرة القتال، وتوسيع المعارك بشكل كبير، بغرض جعل الاتفاق بحُكم الساقط عملانيًا. وعندها سيتمّ تجريد السُلطة من مصداقيّتها التفاوضية، بحيث ستبدو بمظهر العاجزة عن الوفاء بأي تعهّد، وفاقدة تمامًا لورقة الحرب والسلم، وبأن لا قيمة عملانية لأي اتفاق معها.

رابعًا: في حال التوصّل إلى تسوية مع إسرائيل، إنّ أيّ تعثّر من قبل السُلطة اللبنانية، في تنفيذ ما سيترتّب عليها من واجبات، لأي سبب كان، سيستجلب المزيد من الضغوط السياسية والاقتصادية والمالية، في المستقبل القريب، بحيث لا يعود لبنان قادرًا على الصمود لفترة أطول أمام الأزمات الحادة المتتالية.

في الختام، الآمال ليست كبيرة على جولة التفاوض المرتقبة نهاية الأسبوع الحالي – ما لم يطرأ أي تغيير، لكن قد لا يكون من ضَير في المُحاولة لتبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود من هذه المفاوضات، مع ضرورة أخذ الحيطة لما يُحاك خلف الكواليس للبنان من مشروعات يُمكن أن تضعه في ورطة أكبر من التي هو فيها حاليًا!

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا