تتواصل الهجمات الأميركية-ال إسرائيل ية على إيران ، من قصف وغارات وسلسلة اغتيالات لا تتوقّف. وتتواصل كذلك مُحاولات إيران إغراق دول الخليج والعالم أجمع معها، في ظلّ ارتفاع مُستمرّ لأسعار المُشتقّات النفطية، وموجة غلاء مُستشر بدأت تضرب الكرة الأرضية بأكملها. والسؤال المَطروح حاليًا على كل شفّة ولسان في مختلف مناطق العالم: متى تنتهي الحرب في إيران ، وكيف ستكون النهاية؟
من اليوم الأوّل للهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران، صباح السبت 28 شباط، جرى تعميم تقارير إعلامية مبنيّة على تقديرات أمنية بأنّ الحرب يمكن أن تمتد لنحو أربعة أو خمسة أسابيع، لكن ليس أكثر، بموازاة حديث بعض المُحلّلين عن معركة لأيّام محدودة فقط، وحديث مُحلّلين آخرين عن حرب تستمرّ حتى سقوط النظام الإيراني ولوّ استغرق الأمر أشهرًا عدّة. واليوم، وبحسب المعطيات العسكرية الميدانية معطوفة على تحليلات ذات مصداقية، يبدو أنّ التكهّنات الأكثر واقعيّة هي تلك التي توقّعت انتهاء الحرب بحلول نهاية آذار الحالي، مع فارق من بضعة أيّام فقط، أكثر أو أقل! ويوجد نوع من الإجماع بأن تتوقّف الحرب بعد نحو أسبوعين من اليوم، أو ثلاثة أسابيع بالحد الأقصى.
وتوقّف هذه الهجمات الأميركية-الإسرائيلية في الوقت المرتقب، سيتمّ بناء على النتائج التي تحقّقت حتى تاريخه، والتي يُفترض أن تُستكمل في الأيّام المقبلة، وأبرزها:
أوّلًا: تدمير الجزء الأكبر من ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية البعيدة المدى، ومنصّات إطلاقها أيضًا، واقتصار ما تبقى منها على عدد محدود جدًا لا يُشكّل أيَ خطر على المستوى الإستراتيجي.
ثانيًا: تدمير الجزء الأكبر من معامل ومصانع الأسلحة الإيرانية، بما فيها مواقع إنتاج الصواريخ وتجميعها، ومواقع إنتاج الطائرات من دون طيّار وتجميعها.
ثالثًا: تدمير الجزء الأكبر من أبرز المقرّات العائدة إلى الحرس الثوري الإيراني ، بما فيها الثكنات والمخازن ومراكز القيادة ومراكز الاتصال.
رابعًا: تدمير الجزء الأكبر من قطع سلاحي الجوّ (مقاتلات حربية وطوّافات) والبحريّة (فرقاطات وزوارق قتالية) في إيران، وإلحاق أضرار ضخمة بالمطارات والموانئ التي تشغلها.
خامسًا: تدمير الجزء الأكبر من الرادارات ومن الدفاعات الإيرانية أرض-جوّ، وجعل السماء الإيرانية مفتوحة للمراقبة الجويّة على مدار الساعة، مع قدرة على تنفيذ غارات إضافية متى ما دعت الحاجة.
سادسًا: تدمير الجزء الأكبر من البنية التحتية الأساسية لنظام الحكم في إيران، من مقرّات رسمية ووزارات ومواقع رئيسية، ومن مراكز خدمات.
سابعًا: تصفية قادة الحرس الثوري وغيره من الأجهزة الحاكمة، وقتل وجرح آلاف المقاتلين الإيرانيّين، وضرب جزء كبير من الأسلحة التقليدية للجيش، مثل دبابات ومدفعية، الخ.
وبالتالي، يمكن في أي وقت، اعتبارًا من نهاية الشهر الحالي، أن يخرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتصريح يُعلن فيه انتهاء الحملة على إيران بالانتصار عليها، بمعنى تدميرها بشكل واسع، وتحويلها إلى سُلطة ضعيفة جدًا، وجعلها بحاجة لسنوات طويلة لإعادة إعمار ما تهدّم، ولإعادة بناء جزء قليل ممّا كانت تملكه من أسلحة هُجومية، قبل انطلاق الحملة العسكرية الشرسة ضدّها. والأرقام تتحدّث عن نفسها، حيث جرى حتى تاريخ إعداد هذا المقال إسقاط أكثر من سبعة آلاف وخمسمئة صاروخ على إيران، والرقم مُرشّح لأنّ يبلغ نهاية الشهر الحالي نحو عشرة آلاف صاروخ، علمًا أنّ كلّ صاروخ منها أصاب هدفًا مُحدّدًا بدقّة. وفي حال رفضت إيران–لأي سب كان، الإلتزام بوقف القصف المُضاد الذي تقوم به، فإنّ الغارات الأميركية–الإسرائيلية عليها ستتجدّد بشكل فوري إلى حين انتزاع موافقتها بالقوة.
ولن تكتفي كل من واشنطن وتل أبيب بما تحقّق، بل هما ستُحفّزان الشعب الإيراني على التحرّك مُجدّدًا على الأرض، بهدف جعل القيادة الإيرانية مشغولة بأعمال الشغب ومحاولات التمرّد التي ستحصل بُعيد الإعلان عن انتهاء الحرب. ويُنتظر أن تجري مساعٍ حثيثة لمدّ الانتفاضة الشعبية المرتقبة في إيران بُعيد توقّف الغارات، بالسلاح والمعدّات، لتمكينها من التحرّك بفعاليّة، علمًا أنّه جرى تمهيد الأرضيّة لذلك، عبر توجيه ضربات أميركية–إسرائيلية لقوى الأمن الداخلي ولقوّات "الباسيج" وقياداتها في إيران، لإضعاف سيطرتها الميدانية.
إذًا، إيران ما بعد توقف الحرب عليها، لن تكون إيران ما قبل الحرب، حتى لو بقي النظام. فالعدد المحدود من الصواريخ الذي سيتبقّى في حوزتها لا يُشكّل أي أهمية إستراتيجية في التوازنات الإقليمية، والأموال التي ستعود إلى تحصيلها من مبيعات نفطها ستكون بالكاد كافية لإعادة إعمار ما تهدّم، حيث تُقدّر الخسائر في إيران حتى اليوم بأكثر من عشرين مليار دولار أميركي، والرقم يتصاعد بوتيرة سريعة. وهذه الأموال لن تعود بالتالي كافية لتمويل وتسليح الجماعات الإقليمية الموالية ل طهران بالشكل الذي كانت تتمّ فيه قبل الحرب. وبالموازاة، ستعمل الدول الخليجية التي عانت الأمرين من صواريخ ومُحلّقات إيران خلال الحرب، على إعداد الأرضية للانتقام وردّ الصاع صاعين للنظام الإيراني، على كل المستويات المتاحة، ناهيك عن ضخ مئات ملايين الدولارات في شركات تصنيع الأسلحة الأميركية، لإعادة تعبئة مخزونها من الصواريخ الإعتراضية، ولتعزيز قدراتها العسكريّة.
لكن بموازاة كل هذه التوقعات، يوجد رأي مُغاير يقول إنّه في اللحظة التي تتوقف فيها الهجمات على إيران، ستباشر فيها طهران ليس عملية إعادة الإعمار، بل عملية بناء الصواريخ الباليستية والمُحلّقات الهجومية، ما يعني العودة إلى نقطة الصفر بعد سنة أو سنتين، الأمر الذي يستوجب عدم وقف الضربات، قبل إسقاط النظام نهائيًا، أو على الأقل قبل تمكين المعارضة الداخلية من بدء مواجهة عسكرية مسلّحة ضُده تمهيدًا لقلبه. وهذا الرأي بات مطروحًا جديًا على الإدارة الأميركية، بتحريض إسرائيلي، فهل يأخذ الرئيس ترامب به، ويُواصل الهجمات حتى الوُصول إلى إسقاط النظام، مهما كانت الكوارث الاقتصادية والمالية التي ستحلّ بالعالم أجمع نتيجة استمرار الحرب؟!
المصدر:
النشرة