آخر الأخبار

المبادرة الفرنسية بين طموح ماكرون وواقع الحرب ومفتاح ترامب

شارك

المبادرة الفرنسية في لبنان اليوم أمام اختبار جدّي، ليس لأنها ضعيفة من حيث الفكرة، بل لأن الواقع على الأرض أكثر تعقيداً مما تفترضه هذه المبادرات. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يطرح رؤية تقوم على استغلال الظرف الإقليمي لإعادة ترتيب الوضع في لبنان، بحيث تصبح الدولة هي الجهة التي تتحكم بقرار الحرب والسلم، بدل بقاء البلد ساحة مفتوحة للصراعات، وهي قريبة جداً من المبادرة التي طرحها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ، وهي من دون شك متقدمة جداً، حتى ان البعض رأى فيها تسرعاً في طرح مسائل تصل الى حد "التنازلات المبكرة".

لكن هذه الفكرة تصطدم بمشكلة أساسية: ميزان القوى الفعلي. فالمواجهات الأخيرة أظهرت أن حزب الله ، رغم الضربات التي تلقاها، لا يزال يحتفظ بقدرات ميدانية مهمة، وهذا يعني أن الحديث عن إضعافه لفرض تسوية لا يعكس الواقع الحالي، مع تعمّد الحزب على تكثيف هجماته بما يوحي بأن مخزونه من الأسلحة لم يتأثر بالتحولات في سوريا والمنطقة والضربات ال إسرائيل ية المكثفة التي ادّعت انها تستهدف مخازن الأسلحة والمسيّرات في كل المناطق اللبنانية. بالتالي، أي طرح يقوم على نزع سلاح الحزب أو تقليصه بشكل جذري، يبدو متقدماً على الظروف الفعلية، لأنه يفترض إما هزيمة عسكرية واضحة أو تغييراً داخلياً كبيراً، وهو ما لم يحصل حتى الآن، رغم وجود بعض التحولات في هذا السياق لا يمكن إنكارها، واولها اعتبار الحكومة كل نشاط عسكري للحزب خارج اطار الشرعية.

في المقابل، الموقف الإسرائيلي نفسه غير موحّد. هناك من يميل إلى التفاوض، مثل المسؤول عن هذا الملف رون دريمر ، في حين يتخذ رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو موقفاً أكثر تشدداً، ويربط أي حل سياسي بتغيير ملموس على الأرض، خاصة فيما يتعلق بقدرات حزب الله. هذا التناقض لا يمكن النظر اليه فقط على انه خلل، بل يعكس مرحلة لم تحسم فيها العلاقة بين العمل العسكري والسياسة.

أما الولايات المتحدة ، فحضورها يبدو خجولاً في هذه المرحلة، وهذا يضعف المبادرة الفرنسية بشكل واضح. ففرنسا، رغم دورها التاريخي، لا تملك وحدها القدرة على فرض حل، خاصة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل أو بالتوازنات الإقليمية المرتبطة بإيران. لذلك، تبدو المبادرة وكأنها فكرة جاهزة تنتظر ظروفاً أفضل لتطبيقها، وتحديداً موافقة أميركية لا تزال غامضة. المفارقة أن العامل الذي يعرقل الحل، أي قوة حزب الله، هو نفسه الذي يمنع الانهيار الكامل. فعدم قدرة إسرائيل على الحسم السريع، مقابل استمرار قوة الحزب، يخلق نوعاً من التوازن الهش: لا حرب طويلة (الحديث يتناول فترة اشهر وليس سنوات)، ولا حل نهائياً. وهذا الوضع، رغم سلبياته، يمنع الفوضى الشاملة والتدمير التام للبلد، لكنه في المقابل يكلّف لبنان خسائر فادحة في البشر والحجر.

من هنا، يظهر ان المشكلة في الطرح الفرنسي ليست في الهدف، بل التوقيت وطريقة التنفيذ. فبدلاً من القفز مباشرة إلى حلول نهائية، قد يكون من الواقعي اعتماد خطوات تدريجية، مثل الحد من التوتر، وتنظيم قواعد الاشتباك، وتوسيع دور الدولة بشكل بطيء، وربما إعادة الحديث عن "احتواء" سلاح الحزب بدل الاصرار على نزعه.

بناءً على ذلك، من غير المتوقع أن تسقط المبادرة الفرنسية، لكنها قد تشهد "عمليات تجميل" واسعة، وقد تتحول من مشروع حل شامل إلى محاولة لإدارة النزاع بشكل أفضل، بانتظار ظروف إقليمية تسمح بتسويات أكبر.

وفي النهاية، يبقى القرار الحقيقي مرتبطاً بالولايات المتحدة، وتحديداً بالرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يملك وحده المفتاح، وهذا بحد ذاته يقلل فرص النجاح، خصوصاً وان العلاقة الحالية بينه وبين ماكرون يسودها توتر كبير، ومن يتابع كيفية تفكير ترامب، يدرك الصعوبة التي تقف في وجه المبادرة الفرنسية.

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا