يقدِّم لنا يوحنَّا الإنجيليُّ اللاهوتيُّ عرس قانا الجليل كبداية الآيات الَّتي فعلها الربُّ يسوع المسيح. يُدخلنا في إنجيله في عرس يجري على الأرض ليعود ويقدِّم لنا في سفر الرؤيا (19) عرسًا سماويًّا آخر في الملكوت. متمِّم المعجزة في كلا العرسين هو يسوع المخلِّص الَّذي سبق وأخبرنا يوحنَّا الإنجيليُّ أيضًا أنَّ القدِّيس يوحنَّا المعمدان قال إنَّ يسوع هو حمل الله الَّذي يرفع خطايا العالم (يوحنَّا 1: 29) وشهد بأنَّه ابن الله (يوحنَّا 1: 34).
يسير الإنجيليُّ يوحنَّا بإنجيله منذ البداية إلى الصليب، إلى الرفع والمجد (هما كلمتان تشيران إلى الصلب)، ليخبرنا أنَّ الخلاص القياميَّ يمرُّ، لا محالة، بالصليب الَّذي به نتنقَّى من الخطايا ونصبح أنقياء ونلبس اللباس الأبيض، لباس الطهارة والنقاوة، لباس التوبة والتواضع، لباس النعمة، لباس الفرح الأبديِّ، لباس الحياة الجديدة بالمسيح القائم أبدًا، اللباس النورانيَّ النقيَّ الخالي من كلِّ ظلمة والَّذي لا يعروه مساء.
هذا تمامًا ما نقرأه في الرؤيا، عن المتسربلين بالثياب البيضاء، الَّذين أتوا من الضيقة العظيمة[1]. هذا هو ثمرة الجهاد الدؤوب والصبر والثبات في حمل صليبنا الَّذي هو العبور إلى القيامة المجيدة والحياة الأبديَّة مع الربِّ القدُّوس. فنحن وإيَّاه نسير معًا هنا وفي الملكوت السماوي ِّ، مسيرة عرس مكلَّلة بالظفر، لنُعطى في النهاية أن نلبس بزًّا نقيًّا بهيًّا (رؤيا 19: 8).
النقطة المحوريَّة هي أنَّه لا يمكن أن يتمَّ العرس ولا اللباس الأبيض خارج الذبيحة الإلهيَّة الَّتي أتمَّها يسوع بنفسه. وقد أخبرنا يسوع أيضًا أنَّه لا يمكن أن نتَّكئ معه إن لم نكن لابسين لباس العرس (متَّى 22: 1-14).
بالعودة إلى عرس قانا الجليل، نجد أنَّه في عمقه صورة استباقيَّة عن عرس الحمل، عرس ولادتنا الجديدة المغسولة بدم الربِّ الكريم المحيي.
من الجيِّد أن نعرف بأنَّ العرس آنذاك كان يمرُّ بمراحل ثلاث. الأولى هي الخطبة، وتتمُّ بموافقة الأهل وتوقيعهم على وثيقة الزواج، ودفع المهر من قبل والدَي العريس أو من العريس نفسه.
المرحلة الثانية، وتأتي عادة بعد سنة، ويُحتفَل بها بمجيء العريس ومن يخصُّه بـ «همروجة» إلى منزل العروس عند منتصف الليل حاملين المشاعل. والعروس بدورها تكون بانتظار عريسها، وتتوجَّه مع من يخصُّها إلى منزل رجُلها.
أمَّا المرحلة الثالثة فهي العشاء الاحتفاليُّ، ويستمرُّ الفرح لعدَّة أيَّام. فما كتبه يوحنَّا الإنجيليُّ أنَّ عرس قانا كان في «اليوم الثالث» ليس كلامًا عابرًا، بل كلام «لقاء وعبور»، لقاء مع الربِّ الفادي والعبور الفصحيّ الاستباقيّ معه لندخل إلى منزل عريسنا.
ولكي يتمَّ ذلك يجب أن نقبل خلاصه المجَّانيَّ معه، ولا حاجة لندفع مهرًا لأنَّ يسوع دفع عنَّا كلَّ شيء مسبقًا. يكفي أن نشعل مشاعل قلوبنا بالروح القدس ونحافظ على زيت الابتهاج لندخل مع العريس كما فعلت العذارى العاقلات الحكيمات.
في عرس قانا ينفذ الخمر فتأتي والدة الإله متشفِّعةً وتخبر الربَّ بذلك. الأمر ليس غافلًا عنه إطلاقًا، ولكنَّ دور العذراء مهمٌّ جدًّا فهي «المرأة» الَّتي تحقَّقت بها النبوءة الخلاصيَّة الأولى الَّتي أعطاها الربُّ للإنسان بمجيئه وانتصاره على الصليب وسحق رأس الحيَّة، أي الشيطان[2]. لهذا خاطبها الربُّ بكلمة «المرأة».
جواب يسوع لوالدته مهمٌّ جدًّا ويجب فهمه بالمنطق الإلهيِّ: «ما لي ولكِ يا امرأة؟ لم تأت ساعتي بعد» (يوحنَّا 2: 4). فالساعة هي ساعة الصليب والخلاص والفداء، وهذا أمر إلهيٌّ ضمن التدبير الإلهيِّ ويحدِّده الربُّ بالمشيئة الثالوثيَّة الواحدة، ومع ذلك أتمَّ يسوع معجزته، وبدأت ألوهيَّته تظهر علنًا.
وهناك أمر آخر لا يقلُّ أهمِّيَّة وهو الأجران الحجرية الستَّة اليهوديَّة الَّتي كانت مُعَدَّة للطقوس وكانت شبه فارغة لأنَّها استُخدمت سابقًا للتطهير. فهي لم تعطِ الخلاص وبقيت ناقصة دون نعمة يسوع. فكما حوَّل يسوع المياه إلى خمرة جديدة هكذا يجب أن نفتح قلوبنا له لكي يلدنا ولادة جديدة.
فالخمر صورة لدمه الَّذي سفك على الصليب، ومن جنبه الطاهر خرج دم وماء. إنَّه دم الإفخارستيَّة الَّذي يملأنا، وماء المعموديَّة الَّذي نموت فيه عن إنساننا القديم ونقوم مع المسيح ونعبر من العهد القديم إلى العهد الجديد.
حذار من أن نصبح مثلها حجريَّة ونكتفي بالخدم دون تبييض نفوسنا وغسلها بالدم الإلهيِّ. والدة الإله تقول لنا جميعًا كما قالت للخدَّام: «مهما قال لكم فافعلوه».
المسيح عريس البشريَّة كما يقول القدِّيس إفرام السريانيُّ، وها هو الصوت الإلهيُّ ينادينا: «لنفرح ونتهلَّل ونُعطِه المجد! لأنَّ عرس الخروف قد جاء، وامرأتُه هيَّأت نفسها» (رؤيا 19: 7). المرأة الكنيسة، هي جماعة المؤمنين، فهل نصغي ونفرح؟
إلى الربِّ نطلب.
[1]. «غسَّلوا ثيابهم وبيَّضوا ثيابهم في دم الخروف» (رؤيا 7: 13-14)
[2]. "وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ" (تكوين 3: 15).
المصدر:
النشرة