لطالما كان الأمين العام الراحل ل حزب الله السيد حسن نصر الله ، حريصاً على المعادلة الثلاثية التي أطلقها: الشعب والجيش و المقاومة ، حتى انه وقف في وجه اطراف محلية ودولية للحفاظ عليها، ولم يشأ التخلي عنها في أي ظرف من الظروف. في حينه، كانت المعطيات والأمور مغايرة تماماً، وكان الحزب في كامل قوته وتحسب له اسرائيل الف حساب، وكان ايضاً لاعباً اقليمياً بارزاً لا يمكن تجاهله على أي طاولة للمفاوضات.
اليوم، اصبح الوضع مغايراً، يقول الحزب انه يحافظ على هذه المعادلة لكنه في الواقع يمعن في اغراقها الى حد انه قد يضطر الى ان "يغليها ويشرب ميّتها"، لاسباب كثيرة يرفض الحزب رؤيتها او الاعتراف بها، علماً انها واضحة وضوح الشمس. اليوم، يمكن القول ايضاً وفق المثل الشعبي انه "حفر قبرو بإيدو"، أي انه انهى المقاومة بنفسه، من دون الحاجة الى احد للقيام بهذه المهمة. فقد كانت هناك شريحة من اللبنانيين بعيدة عن الشماتة بالحزب، لا بل تتعاطف معه في مواقفه، الا انها اليوم باتت بعيدة عنه بأشواط، بعد ان عمد الى ادخال لبنان مجدداً في دوامة الحرب التي لا قدرة له على احتمالها، ومن نافل القول انه اذا فقدت المقاومة احتضانها الشعبي، فستكون ضعيفة وستشهد بداية نهايتها. هذا الامر ليس مجرد نظرية او حقد على الحزب، بل من منطلق منطقي بحت، لا يمكن نكرانه، فيما يمكن لمن يشاء تحويل النظر عنه إرضاء لغرور معين وتمسكاً بأمجاد سابقة لم تعد قابلة للتحقيق حالياً.
الانطلاق من ان إسرائيل دولة عدوة، ولا تضمر الخير للبنان، امر لا يمكن مناقشته او التشكيك فيه، على الأقل بالنسبة الى غالبية اللبنانيين كي لا نشمل الجميع، ولكن اشاحة النظر عن المعطيات الواقعية هو ضرب من الجنون حتماً. بتدخله الأخير في الحرب لـ"اسناد ايران"، قضى الحزب على المعادلة الثلاثية، فلا الشعب ولا الجيش يقفان معه، وبالتالي اذا فقدت معادلة ثلاثية ركنان منها، فلا قابلية لها للاستمرار. واذا فقد الحزب ميزة المقاومة وميزة الاحتضان الشعبي، ووقوفه الى جانب الجيش، فهو سيتحول حكماً الى "عبء" على لبنان، ويكون قد قدّم لإسرائيل "خدمة العمر"، واطاح بإرث السيد نصر الله الذي كان يدرك تماماً أهمية تحصين الداخل قبل مواجهة الخارج، وهو امر ردده في كل مقابلة وكلمة له.
قد يخرج من يقول: حسناً، ولكن لا يمكننا الوقوف متفرجين إزاء ما يحصل، وحتى لو لم يتحرك الحزب، كان لينتهي بفعل التدابير المتخذة التي تستهدفه في الداخل والخارج. هنا، يجب العودةايضاً الى المنطق الذي يقول بأن على الحزب الاعتراف بأنه خسر المواجهة العسكرية، على عكس انتصاره في العام 2006، وكان عليه الانطلاق من هذا الواقع وتقبّله والتعاطي معه بموضوعية ووعي، أي ان يكسب سياسياً ما خسره عسكرياً، وتعزيز وترسيخ وجوده في الداخل وتحيّن الفرصة لاستعادة المبادرة وتحقيق ما يريده، حتى ولو استغرق الامر سنوات، لكنه سيحافظ على وجوده وقد يتنامى التعاطف معه.
ان الحالة الأقرب لمقارنة ما يعيشه الحزب في لبنان اليوم من الناحية العسكرية، هو حزب القوات اللبنانية مع فارق أساسي وهو ان القوات تم حلّها رسمياً في العام 1994، وكانت قوة عسكرية لا يمكن الاستهانة بها، الا انها خسرت المواجهة. ومع حلّها رسمياً، خسرت سياسياً ايضاً، ولكنها عادت الى الظهور في العام 2005. المقارنة هنا من الناحية العملية فقط، لان الحزب عقائدي وهو ما يعزز فرضية عودته بشكل اسرع الى الساحة السياسية، إضافة الى ان الحكومة لم تحلّ الحزب بل قررت منع نشاطاته الأمنية والعسكرية، أي انه يحظى بأفضلية في هذا المجال من حيث المحافظة على وجوده السياسي. من هنا، يمكن القول انّه اختار الطريق الأسوأ، وتبنّى قراءة كان يعتمد عليها وتنجح في السابق، لكنها اليوم باتت غير واقعية، ان لم نقل انها تدفعه ولبنان الى مصيبة.
يتحدى الحزب اليوم الدولة والشعب (لا يمكنه الاعتماد فقط على مناصريه ومحازبيه، فهم قسم صغير من الشعب اللبناني)، فيما الأخطر بالنسبة اليه تسببه بشرخ داخل الطائفة الشيعية نفسها، التي لم يعد يتمتع بتأييدها الشامل، وربما يكون تأجيل الانتخابات النيابيّة خشبة خلاص له من "احراج" كبير له.
يراهن الحزب على الوقت، وهو يعتقد انه هذه المرة ايضاً، سيعمل الى جانبه لتضميد كل الجراح، ولكن فاته ان الجرح اعمق من أيّوقت، ولن يندمل بسهولة، خصوصاً وان النظرة الى "المقاومة"(للمرة الأولى ربما) هي انها السبب في معاناة لبنان اتّسعت بشكل كبير، وبذلك يكون قد وقع في المحظور الذي عمل على تجنبه لعقود من الزمن.
بعض الصواريخ والمسيّرات العديمة الفائدة، لن تفيده في اثبات وجوده وإعادة هيبته على الساحة اللبنانية قبل الساحة الإقليميّة والدوليّة، بل على العكس هي تمعن في ابعاده عن الناس وعن أهدافه وتقرّبه بشكل اسرع الى... الهاوية.
المصدر:
النشرة