فوجئ الكثير من ال لبنان يّين فجر يوم الاثنين الماضي بإعلان " حزب الله " استهداف موقع " مشمار الكرمل " جنوب مدينة حيفا ، لترد إسرائيل بشكل فوري بإطلاق ما وصفته "خطة هجومية" ضد "الحزب". ثم تدهور الوضع أكثر فأكثر بعد ذلك، ليُفتح الباب أمام مواجهة شاملة، على غرار ما حصل في خريف العام 2024 قبل أن تنتهي المواجهة آنذاك باتفاق "وقف الأعمال العدائية" في 27 تشرين الثاني. فما هي الأسباب الحقيقية لهذا الانخراط في خضم الحرب القائمة على إيران، وما الذي سيحدث في الأيام المقبلة؟.
لم ينخرط "حزب الله" لأنّ الهجوم الأميركي-الإسرائيلي إغتال الوليّ الفقيه الإمام علي خامنئي ، بل لأنّ الحرب التي تخوضها إيران حاليًا، هي حرب وُجودية بالنسبة إلى النظام الحاكم فيها منذ نحو نصف قرن، وتحديدًا منذ قيام " الجمهورية الإسلامية الإيرانية " في العام 1979، بعد "الثورة" التي أطاحت بحكم الشاه محمد رضا بهلوي ، وبالنظام الملكي الذي كان قائمًا آنذاك، والذي كان مدعومًا من الولايات المتحدة الأميركية. وبالتالي إنّ طي صفحة النظام الإيراني الحاكم ككلّ، بغض النظر عن تصفية عشرات مسؤوليه وقياديّيه حاليًا، يعني طيّ صفحة كاملة من تاريخ الشرق الأوسط والمنطقة. فالجمهورية الإسلامية في إيران، التي عملت على مدى عشرات السنوات على تصدير عقائد وأفكار "الثورة" إلى الكثير من الدول الإقليمية، وواجهت بشراسة وعنف الكثير من السياسات التي كانت تُحاك للمنطقة، مُهدَّدة حاليًا بالسُقوط الفعليوالنهائي. وهذا السُقوط-إن حصل، سيكون له ارتدادات سلبيّة جدًا على كل الجماعات التي استثمرت إيران مليارات الدولارات في تأسيسها وتطويرها وانتشارها، وسيقلب الواقع السياسي بكامله في المنطقة بأكملها.
بمعنى آخر، لا خيار أمام "حزب الله" في لبنان، أو أمام " الحشد الشعبي " في العراق، أو أمام أي جماعة أخرى مَدعومة من إيران في المنطقة، سوى الانخراط في معركة "يا قاتل يا مقتول"، لأن سُقوط النظام الإيراني-إن حصل، لا يعني فقط سُقوط العقائد والأفكار والسياسات التي طبعت ممارسات إيران في العقود الخمسة الأخيرة فحسب، بل يعني سُقوط هذه الجماعات أيضًا، أو إضعافها بشكل كبير جدًا بأقلّ تقدير. فاحتمال سقوط النظام في إيران، لا يعني تحوّل كل العقيدة القائمة على إزالة إسرائيل من الوجود، وتحوّل كل وعود إفشال التطبيع و اتفاقات السلام في الشرق الأوسط وتغيير سياسات دولها، إلى أحلام بعيدة المنال فحسب، بل يعني أيضًا وضع مصير الجماعات التي كانت "رأس حربة" في تنفيذ السياسات الإيرانية بشكل بالغ الخطورة.
وفي ما يخصّ "حزب الله" بالتحديد، الأسئلة صعبة وثقيلة، وأبرزها:
أوّلًا: كيف يُمكن للحزب أن يشرح لمؤيديه ولبيئته الحاضنة أنّ كل التضحيات الجسام التي تمّت منذ بداية ثمانينات القرن الماضي حتى اليوم، من سُقوط آلاف الضحايا ومن تهجير ودمار شاسعين، ذهبت سُدى مع الريح-في حالوقف موقف المتفرّج على السعي الحالي لإسقاط النظام الإيراني؟!.
ثانيًا: كيف سيستمرّ "الحزب" في دفع رواتب كوادره و"مقاتليه" وفي تغطية مصاريف كل المؤسّسات والهيئات التابعة له، في حال توقّف التمويل الإيراني الدَوري والمنتظمله، في حال سُقوط النظام؟!.
ثالثًا: أي عقيدة سيروّج لها "الحزب" في حال سقوط النظام الإيراني، وذهاب المنطقة برمّتها إلى التطبيع مع إسرائيل وتوقيع ما يُسمّى "الاتفاقات الإبراهيمية"، وتحوّل حلم "الصلاة في القدس" إلى وهم، وفي أفضل الأحوال إلى رحلة سياحية متاحة تحت أنظار الأمن الإسرائيلي ولصالح شركات سياحية إسرائيلية؟!.
رابعًا: كيف سيُعيد "الحزب" في حال فقد الدعم المالي الإقليمي من إعادة إعمار منازل وبيوت البيئة الحاضنة لهالمُهدّمة، وهو الذي بالكاد حاليًا يتمكّن من دفع بدلات إيجار وإيواء لبضعة أشهر فقط؟.
انطلاقًا مّمّا سبق، لا يجب التعجّب كثيرًا من انخراط "الحزب" كما غيره من الجماعات المدعومة والمُموّلة من طهران في القتال إلى جانب النظام الإيراني، بغضّ النظر عن عدم تكافؤ القدرات العسكرية. فالبقاء في موقف المُتفرّج يعني انتظار المصير المشؤوم الآتي لا محالة، بينما الانخراط بالقتال يُمثّل مُحاولة لتقوية موقف إيران، ومحاولة لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه. لكنّ قرار "الحزب" هذا، والذي يُعطي الأولويّة لإيران، ولمصيره الشخصي، هو بالتأكيد على حساب أمن لبنان واستقراره، وهو بالتأكيد على حساب مفهوم الدولة اللبنانية وهيبتها ومصداقية السُلطة فيها، وعلى حساب الحياة الكريمة في لبنان ورفاهية الشعب اللبناني!.
ونظرة سريعة على تعليقات المواطنين اللبنانيّين، وبعضهامن داخل البيئة الحاضنة للحزب، كفيلة بإعطاء فكرة عن رأي اللبنانيّين الرافض لقرار القتال. وهي تُختصر بعبارة لافتة كتبها مُعلّق اسمه اٍلأوّل "علي"، حيث سأل في بداية المواجهة: "محرزي تموت العالم، وتتدمّر بيوتا من جديد، وتتهجّر وتتبهدل على الطرقات ختايرة وأطفال، مشين ست صواريخ؟!" وحتى لوّ أنّ "الحزب" زاد في الساعات الماضية من وتيرة الهجمات على إسرائيل، ودخل المعركة جديًا، فإنّ التفاوت في القدرة على المواجهة والردع يبقى شاسعًا جدًا، والخسائر في لبنان هائلة على كلّ الصُعد، بينما هي محدودة جدًا في إسرائيل! أكثر من ذلك، النتائج الكارثية لن تقتصر على سقوط المزيد من الضحايا، والمزيد من الدمار والخراب، والمزيد من الانهيار الاقتصادي والمالي والفقر في لبنان، بل سيشمل اقتطاع المزيد من الأجزاء في الجنوب من السيادة اللبنانية، علمًا أنّه في في حال نجحت إسرائيل في توسيع احتلالها، سيكون من الصعب جدًا استرجاع هذه القرى الحدودية في المستقبل!.
في الختام، الحروب ليست عبارة عن تسجيل موقف! الحروب تُقاس بنتائجها الميدانية! فأي فائدة سيجنيهالبنان واللبنانيّون بتكرار التجربة نفسها التي أظهرت فشلها في حرب خريف العام 2024 أي منذ أقل من سنتين فقط؟!.
المصدر:
النشرة