يبدو أن العالم اليوم بحاجة إلى "قرار مجلس أمن" لإنقاذ مجلس الأمن نفسه. أمين عام الأمم المتحدة ، أنطونيو غوتيريش ، أطلق مؤخرًا إنذارًا حزينًا ، محذرًا من إفلاس المنظمة الأمميّة بسبب عزوف الدول، العظمى خاصة، عن سداد اشتراكاتها. مشهد مثير للتساؤل... المنظمة التي تعظ الجميع بالالتزام والانضباط المالي، لا تجد من يلتزم بتسديد فاتورتها !
وحدهم المترجمون شهودٌ على بيانات تعِبوا من ترجمتها دون تنفيذ، خاصة في مجلس الأمن والجمعية العامة.
في عام 2010، أطلقت الأمم المتحدة واحدًا من أكثر مشاريعها الأكثر التباسًا وهو مشروع تجديد المقر الرئيسي في نيويورك، آنذاك، وعد الأمين العام بان كي مون العالم بمبنى حديث يعكس قيم الشفافية والحداثة. والنتيجة؟ 2 مليار دولار لاحقًا، ولا أحد متأكد إن كان المبنى تجدّد أم بقي على حاله. عرض الرئيس الأميركي آنذاك دونالد ترامب لترميم المقر مقابل نصف مليار دولار فقط. لكن بعض القوى الاقتصادية والعقارية في نيويورك رفضت أن يسرق "رجل العقارات الشهير" فرصتها الذهبية. فأُسندت الحكاية إلى شركات أخرى، وغابت الشفافية خلف ستارة "الدبلوماسية". الملياران لتغيير النوافذ… لكن النافذة الكبرى التي تطل على "المساءلة" ما تزال مغلقة بإحكام.
اليوم، وعلى عتبة مغادرته المنظمة، يتحدث الأمين العام عن أزمة مالية خانقة تهدد رواتب الموظفين وأعمال الإغاثة ومؤتمرات المناخ التي تكلف أكثر مما تُنقذ. لكن قبل أن نفتح أو ننشئ صندوق تبرع عالمي لإنقاذ الأمم المتحدة من الإفلاس، ربما يجدر بالأمين العام أن يبدأ بإنقاذ المنظمة من تخمة الموظّفين الذين جرى توظيفهم أو نقلهم من مناصب سكرتارية في البعثات إلى مواقع عمل تفوق كفاءاتهم بأشواط، وفقاً للمراقبين.
تتأخر الدول في دفع مستحقاتها للأمم المتحدة بسبب ضغوط اقتصادية، ديون متراكمة، وخلافات سياسية-خاصة الدول الفقيرة التي ترى في الاشتراكات عبئًا إضافيًا، بينما الدول الكبرى تستخدم التأخير كورقة ضغط للإصلاحات.
في بداية هذا العام أطلق الرئيس الاميركي دونالد ترامب " مجلس السلام " كمبادرة جريئة أميركية لإعادة إعمار غزة، لكنه لن يحل محل الأمم المتحدة قريباً؛ يستمد قوته من حلفاء عرب وإسرائيليين، بينما يرفضه الأوروبيون كالفرنسيين ويتردد الروس والصينيون في الإنضمام إليه.
سياسياً، يلحظ هذا المجلس تحولاً نحو "عصر أميركي" يُحجّم البيروقراطية الدولية، مع ذلك ينقصه الإجماع العالمي الذي يحميه ميثاق الأمم المتحدة. أما المنظمة، فميزانيتها 3.5 مليار دولار (عجز 2 مليار حالياً) مدعومة بـ193 دولة، وأزمتها المالية موقتة مع وعود واشنطن بالدفع الجزئي، هو ضغط للإصلاح ليس إلا.
يواجه أنطونيو غوتيريش الإفلاس المحدق بسيف تقشّف حاد، خفض الميزانية بـ700 مليون دولار، واستبعد 3000 وظيفة، مع إعادة هيكلة جذرية للبرامج الأساسية. يطالب الدول الأعضاء بتسديد فوري لمستحقاتها، محذراً من "انهيار مالي وشيك"، ويَعِد بكشف برنامج للإصلاح شامل في أيلول 2026.
اميركا أولاً، شعار تبناه ترامب في الولايات المتحدة. فمساهمتها في المنظمة التي أسستها بنفسها عام 1945، تضمن استمراريتها مدى الزمن. وترامب يرى الأمم المتحدة كـ"هيكل بيروقراطي مُفْرِط" يُغرِق الأموال في قضايا منحازة، كدعم وكالات فلسطينية، فيُفَضِّلُ تمويلاً "ذكياً" مشروطاً بإصلاحات جذرية، كما في عهده الرئاسي الأول. هذا التكتيك أوقف المدفوعات الإلزامية ليضغط على غوتيريش، مع ومضة وُعُود بسداد جزئي لاحق.
يصف الموظفون الوضع بـ"غرفة انتظار الإعدام المالي"، حيث يتردد صدى إنذار الأمين العام حول الإفلاس المحتمل. اجتماعات طارئة يوميًّا، وبريد إلكتروني يتدفق بإشعارات "تجميد التوظيف الجديد" و"مراجعة الأداء الإجبارية"، مما يجعل الجميع يشعر بأن كرسيه مهدد.
التقارير تشير إلى تجميد الترقيات وتسريح محتمل لآلاف الموظفين غير الأساسيين، مع تركيز على برامج الإغاثة والمناخ كأولويات.
المنظمة التي تُنظِّم العالم، تترنّح على حافة الإفلاس، فهل حان وقت "قرار ترامبي" يُعيد ترميمها قبل الانهيار؟.
الأمم المتحدة- نيويورك
المصدر:
النشرة