منذ الإعلان عن القرار الصادر عن مجلس الوزراء ، القاضي بزيادة 300 ألف ليرة على سعر صفيحة البنزين و1 بالمئة على ضريبة القيمة المضافة، بهدف تمويل زيادة رواتب الموظفين والمتقاعدين في القطاع العام، تُطرح الكثير من علامات الإستفهام حول الأسباب التي دفعت المجلس للذهاب إلى هذه الخطوة، خصوصاً أن هناك العديد من الخيارات الأخرى التي كان من الممكن الذهاب إليها.
في هذا السياق، تشدد مصادر نقابية، عبر "النشرة"، على أن الزيادة على البنزين ستكون لها تداعيات سلبية كبيرة، نظراً إلى أنها ستؤدي إلى إرتفاع أسعار مختلف السلع والخدمات، لكنها في المقابل تلمح إلى أن هناك إتفاقاً كان قد حصل على هذا التوجه، حيث تكشف عن إتصالات حصلت، أول من أمس، مع العديد من الهيئات النقابية، من قبل مسؤولين كبار في الدولة، لعدم الذهاب إلى تحركات تصعيدية.
بالنسبة إلى المصادر، المعالجة كان من المفترض أن تكون من ضمن حلقة متكاملة، بدل الذهاب إلى الإجراءات الأسهل بالنسبة إلى الدولة، حيث تشير إلى الأملاك البحرية والنهرية والمقالع والكسارات، بالإضافة إلى ضبط التهرب الجمركي والاقتصاد غير الشرعي، والأهم إعادة هيكلة القطاع العام.
هنا، من الطبيعي السؤال، طالما أن مجلس الوزراء فضل الذهاب إلى الخيارات الأسهل بالنسبة إلى الدولة، عن الأسباب التي حالت دون أن يكون ذلك على الدخان، على سبيل المثال، خصوصاً أن النتائج من المرجّح أن تكون أهم. حيث تفيد مصادر "النشرة" بأن عدد السجائر التي تباع سنوياً في لبنان يبلغ نحو 13 مليار، منها 60% وطنية والباقي أجنبي، والطلب ارتفع في العام الماضي حوالي 10%، أي أنه عبر عملية حسابية بسيطة، تقوم على أساس أن كل علبة سجائر تحتوي على 20 سيجارة، يمكن القول إن عدد العلب الذي يباع سنوياً هو 650 مليون.
ما تقدم، يقود إلى أن فرض رسم إضافي، يبلغ دولاراً واحداً على كل علبة، قادر على تأمين 650 مليون دولار سنوياً، مع العلم أن قيمة الرسم يجب أن تختلف بين المنتج الوطني والأجنبي، على قاعدة أن مستهلك الثاني قادر على دفع رسم أعلى، من دون تجاهل أن الأمر يجب أن يشمل باقي أنواع التبغ .
على الرغم من ذلك، تشير المصادر نفسها إلى أن هذه العملية تحتاج إلى دراسة دقيقة، نظراً إلى أن رفع الأسعار قد يقود إلى زيادة نسبة التهريب في السوق المحلي، ما سيؤدي إلى نتائج عكسية في حال لم يترافق الأمر مع خطوات عملية جدية لمنع ذلك، خصوصاً إذا لم يتم الأخذ بعين الإعتبار الأسعار الموجودة في البلدان المجاورة.
في الإطار نفسه، لا ينبغي التعامل مع هذه المسألة من منطلق الفوائد المالية فقط، نظراً إلى أن الفوائد الصحية أهم، خصوصاً أن عدد المدخنين في لبنان يتخطى المليون و200 ألف، بحسب دراسة أطلقتها منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي برعاية وزارة الصحة ، في شهر آذار الماضي، بعنوان "الجدوى الاقتصادية للاستثمار في مكافحة التبغ في لبنان"، أشارت أيضاً إلى أن عدد الوفيات، في السنوات الماضية، قارب الـ9200 وفاة سنوياً.
بالنسبة إلى العبء الإقتصادي الذي يتسبب به المرض، بلغت نسبة الإنفاق، تقديرياً، على الرعاية الصحية، عام 2020 نحو 1.2 تريليون ليرة، أي ما يعادل 31 مليون دولار، دفع منها المرضى 410 مليارات ليرة، فيما أنفقت الدولة 576 مليار ليرة، و233 مليار ليرة القطاع الخاص، في حين هناك أيضاً خسائر الإنتاجية التي يتسبب بها غياب العامل عن عمله، التي قدرت بحدود 38 مليون دولار، وإذا ما أضيف إلى تلك الخسائر ما ينجم عن الوفيات وتأثيرات التدخين على البيئة والمؤسسات، فإن لبنان يتكبد من جراء المنتجات التبغية ما يقارب 140 مليون دولار سنوياً، أو ما يعادل 1.9% من إجمالي الناتج المحلي السنوي.
وفي حين أظهرت الدراسة نفسها أن الخسائر الاقتصادية المنسوبة إلى التبغ تتخطى بـ13 مرة الإيرادات التي تجمعها الحكومة من فرض الضرائب على منتجات التبغ، وأكثر من 48 ألف مرة من الإنفاق الحكومي على مكافحة التبغ، تكشف مصادر وزارة الصحة، عبر "النشرة"، عن معادلة بالغة الخطورة، حيث تشير إلى أن كل دولار يُدفع على التدخين في لبنان يكلف نحو 38 دولارا كعلاج في المقابل، وبالتالي هناك كلفة مرتفعة جداً، ما يعني أن رفع أسعار التبغ لا سيّما المستورد سيقود حكماً إلى خفض الكلفة التي تتكبدها الدولة على الإنفاق، نظراً إلى أن هذا الأمر قد يدفع بالكثيرين إلى الإقلاع عن هذه الآفة أو الحد منها على الأقل.
المصدر:
النشرة