حمل الخطاب الأخير لرئيس الحكومة ال لبنان ية الأسبق سعد الحريري دلالات سياسية تتجاوز البعد التعبوي لجمهوره، ليؤشر إلى محاولة إعادة تثبيت حضوره السياسي ضمن معادلة لبنانية وإقليمية شديدة التعقيد. فالخطاب، وإن جاء بلغة وجدانية عالية، تضمن رسائل متعددة الاتجاهات تعكس إعادة تموضع محسوبة أكثر منها إعلان عودة فوريّة إلى العمل السياسي التقليدي.
وفي سياق تثبيت الشرعية الشعبية وإعادة شدّ العصب السياسي، افتتح الحريري كلمته بتكرار عبارة “لستم قلّة”، في رسالة واضحة هدفها نفي السرديّة التي سادت خلال فترة ابتعاده عن الحياة السياسية، والتي تحدثت عن تراجع حضور التيار الذي يمثله. وهذا التأكيد المتكرر يعكس محاولة إعادة إنتاج الشرعيّة الشعبيّة ل تيار المستقبل ، وتوجيه رسالة للخصوم والحلفاء على حد سواء بأن القاعدة الشعبية ما زالت قائمة وقابلة لإعادة التعبئة.
كما أن الربط المستمر بين الجمهور ونهج والده رفيق الحريري يندرج ضمن استراتيجية إعادة إحياء الإرث السياسي والعاطفي الذي شكل الركيزة الأساسية للحريرية السياسية الّتي بدأت مع الأب وامتدّت الى الابن، خصوصاً في ظل الفراغ الذي خلّفه غياب القيادة السنّية المركزيّة في السنوات الماضية.
الحريري وفي معرض خطابه الّذي ألقاه في حشد الرابع عشر من شباط الجاري في تذكار اغتيال والده، برّر في كلمته الانسحاب السياسي وحوّلها إلى خيار أخلاقي، فحاول تقديم ابتعاده السابق عن العمل السياسي كقرار مبدئي وليس نتيجة ضغوط أو خسائر سياسية. وما إشارته إلى رفض “تغطية الفشل والمساومة على الدولة” الا كوحي بأنه يسعى إلى إعادة صياغة مرحلة الانكفاء كـ"استراحة محارب"، وهي عبارة استخدمها صراحة، بما يحافظ على صورته كزعيم لم يُهزم سياسياً بل اختار الانسحاب احتجاجاً على الواقع السياسي.
وهذه المقاربة تخدم هدفين أساسيين: الحفاظ على هيبته داخل الشارع السني، وفتح الباب أمام عودة مستقبلية دون الاعتراف بخسارة سياسية مباشرة.
وفي خطاب سيادي موجّه ضمنياً إلى سلاح القوى غير الرسمية أتى الجزء المتعلق بضرورة وجود “دستور واحد وجيش واحد وسلاح واحد” ليحمل بعداً سياسياً واضحاً، ويُقرأ كإعادة تموضع ضمن الخطاب السيادي التقليدي، الذي كان يشكل أحد أعمدة مشروع الحريرية السياسية. ورغم أن الحريري الابن تجنّب تسمية أي جهة مباشرة، إلا أن هذا الطرح يعيد رسم حدود مشروع الدولة المركزية في مواجهة واقع تعددية مراكز القوة في لبنان.
كما أن تأكيده على تطبيق اتفاق الطائف كاملاً يعكس محاولة إعادة إحياء المرجعيّة الدستورية التي يستند إليها التوازن السياسي اللبناني، مع توسيع الطرح ليشمل ملفّات حسّاسة مثل اللامركزيّة الإداريّة وإلغاء الطائفيّة السياسية وحصر السلاح بيد الدولة.
ولم يغب كلامه عن إعادة التموضع الإقليمي وإشارات الانفتاح العربي ، فحملت كلمته أيضاً بعداً إقليمياً واضحاً، خصوصاً في حديثه عن ضرورة المحافظة على أفضل العلاقات العربية، وهو ما يعكس محاولة إعادة تثبيت موقعه ضمن المحور العربي التقليدي للبنان. وكان لافتًا إشادته بما اعتبره “ سوريا الجديدة ” بقيادة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، وهو موقف يحمل مؤشّرات على مقاربة براغماتيّة جديدة تجاه الملفّ السوري، ويعكس استعداداً للتكيّف مع التحولات الإقليمية ومحاولة استعادة دور الوسيط بين لبنان والعمق العربي.
وبالرغم ممّا يُثار من جدل داخلي عقيم حول الانتخابات النيابية المزمع حصولها في شهر أيار من العام الجاري، برز الغموض المقصود حول هذه الانتخابات حيث تعمّد الحريري إبقاء موقفه من المشاركة في الانتخابات النيابية ضبابيًّا، مكتفياً بالقول إن القرار مرتبط بموعد الاستحقاق. وبدا الامر تكتيكياً، لأنّه يمنحه هامش مناورة يسمح له بقياس التوازنات السياسية والشعبية قبل اتخاذ قرار نهائي، كما يتيح له إبقاء جمهوره في حالة ترقب تعبوي دائم.
وفي محاولة لاستعادة الدور الوطني العابر للطوائف حرص الحريري على توسيع خطابه ليشمل قضايا وطنية جامعة، مثل دعم الجنوب والتضامن مع طرابلس، في محاولة لإعادة تقديم نفسه كزعيم وطني وليس ممثلاً لطائفة بعينها. كما استحضر إرث جبران تويني وشهداء لبنان لتأكيد البعد السيادي والوطني لخطابه، في محاولة لاستعادة خطاب 14 آذار بصيغة محدثة.
في الخلاصة كان الخطاب إعادة تموضع لا إعلان عودة كما تحدّث الكثير من المحلّلين، لذلك يمكن القول إنه لا يشكل إعلان عودة سياسية مباشرة بقدر ما هو تمهيد مدروس لإعادة تثبيت حضوره في المعادلة اللبنانية. فقد جمع بين إعادة شد العصب الشعبي، وتبرير الانسحاب السابق، وطرح رؤية سياسية تقوم على استعادة الدولة المركزية والانفتاح العربي.
أمّا الرسالة الأبرز تمثلت في أن الحريريّة السياسية لم تغب، بل أعادت ترتيب أوراقها، وأن قرار العودة إلى السلطة لن يكون متسرّعاً بل مرتبطاً بتبدل التوازنات الداخليّة والإقليميّة. وبذلك، يبدو الحريري وكأنه يرسل إشارة واضحة مفادها أن زمن الغياب قد انتهى، لكن زمن العودة الكاملة لم يحن بعد.
المصدر:
النشرة