في الانتخابات الماضية كرّست النتائج في دائرة بعبدا توازناً هشّاً بين قوى تقليدية تمتلك ماكينات انتخابية منضبطة وقواعد جماهيريّة ثابتة، وبين معارضة مشتّتة لم تنجح في تحويل غضب الحراك في الشارع والأزمة الاقتصادية إلى مقعد نيابي، فخرجت بعبدا بمشهد يعكس طبيعة النظام نفسه فبقي الثنائي الشيعي متماسكاً، تمثيل مسيحي موزّع بين قطبي الشارع المسيحي، وحضور درزي محكوم باعتبارات اشتراكية بالدرجة الأولى. اليوم قد يكون المشهد مختلفاً، وقد لا يكون.
تتوزع المقاعد الستة في بعبدا على ثلاثة مقاعد مارونية، مقعد درزي ومقعدين شيعيين. عملياً، المقعدان الشيعيان محكومان بميزان قوى ثابت تمسك به ماكينة حزب الله وحركة أمل، ما يجعل أي محاولة خرق فيهما أقرب إلى معركة رمزية منها إلى معركة واقعية، إلا إذا اقترنت بمتغيرات كبرى في البيئة نفسها، وهو أمر لم تظهر مؤشراته بعد، أو بروز نوايا لدى الأحزاب المسيحية والدرزية أن تتبنى مرشحا شيعيا فتعطيه من حصتها بعد التخلي عن مقعد، درزي او ماروني.
في الاستحقاقات الأخيرة، معركة التغيير في الدائرة دائماً ما تُخاض على احد المقاعد الشيعية، وهو ما سيتكرر اليوم بتواجد مرشحين اثنين يحاولان تجربة حظّهما، أحدهما على لائحة القوات اللبنانيّة وهو هادي مراد ، والثاني هو المحامي واصف الحركة .
بالنسبة إلى مرشحي الثنائي الشيعي فبحسب المعلومات لا يبدو أن التغيير سيطال مرشح حركة أمل فادي علامة ، بينما حال النائب علي عمار ليست كذلك، حيث يتوقع أن يكون ضمن الأسماء المنوي تغييرها في الاستحقاق النيابي المقبل.
المفارقة اليوم أن معارضي الثنائي الشيعي في المقعد الشيعي قرروا خوض المعركة بأسوأ استراتيجيّة ممكنة، فترشح الناشط هادي مراد، القادم من البقاع وكان لديه طموح بالترشح في بعلبك الهرمل، عبر لائحة القوات اللبنانية، في مواجهة المحامي واصف الحركة، على لائحة أخرى، يعني أن الرجلين سيتقاسمان الأصوات الاعتراضيّة بينهما وهو ما يخدم حكماً من يملكون الكتلة الصلبة، وسيؤدي إلى ارتفاع نسبة احتمال خسارة الاثنين.
على المستوى المسيحي يبرز مصير تحالف الثنائي الشيعي والتيار الوطني الحر، خصوصا بعد خروج النائب آلان عون من التيار واحتمال ان يكون عون في تحالف مع الثنائي، وأيضاً مصير تبني القوات اللبنانية لمرشح الاحرار كميل شمعون.
بعد خروج آلان عون من عباءة التيار الوطني الحر وما رافق ذلك من تصدع داخل البيت العوني، تبدو حسابات الرجل أكثر براغماتية، بينما الثنائي، من جهته، لم يعط وعداً لأحد بأنه لن يتحالف مع الخارجين من التيار، وهو ما حاول النائب جبران باسيل الحصول عليه خلال لقائه بالوزير السابق محمد فنيش منذ أيام، لذلك تبقى كل الاحتمالات مفتوحة أمام الثنائي للتحالف مع عون أو مع التيار بحسب المصلحة الانتخابيّة.
أما على الضفة الأخرى، فإن خطاب "التغيير" يبدو مأزوماً بتناقضه الداخلي، فالقوى التي ترفع لواء التغيير لم تنجح في صياغة جبهة موحّدة، والنتيجة أن احتمال الخرق يتراجع فتبقى دائرة بعبدا بعيدة عن المفاجآت الكبرى.
المصدر:
النشرة