لا تبدو رحلة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى الولايات المتحدة مجرّد محطة تعاونٍ أمنيٍّ معتاد، ولا "مكافأة" سياسية لمؤسسة تُعدّ، تقليديًا، نقطة ارتكاز للاستقرار. هي زيارة تتجاوز الإطار العسكري، حتى لو بدأت من بوابة عسكرية صِرفة. وتُدار بمنطق الامتحان: ماذا يستطيع الجيش أن يفعل، وماذا يُمنَع عليه أن يفعل، وأين تُرسَم حدود دوره بين ضغطٍ خارجي يطلب نتائج قابلة للقياس، وداخلٍ هشّ يخشى أن تتحوّل أي خطوة إلى شرارة.
يكشف مسار الزيارة عن هذا المعنى بوضوح، من بوابة القيادة المركزية الأميركية في تامبا ، حيث تتقدّم لغة الخرائط والقدرات والجاهزية، إلى أبواب العاصمة الأميركية واشنطن، حيث تختلط الاجتماعات الأمنية بالسياسية، ويجلس قائد الجيش أمام أسئلة الكونغرس قبل أسئلة الميدان. هنا تُخرَج الزيارة من منطق "الملف الأمني" إلى منطق "الاختبار السياسي"، ربطًا بوظيفة الجيش في المرحلة المقبلة، وحدود ما يمكن أن تُنتجه الدولة عبره.
ويُضاعِف التوقيت من ثقل الامتحان. فالزيارة تتزامن مع تصعيد إسرائيلي يتكثّف جنوبًا ويضع كل الترتيبات تحت الضغط، في لحظة يُعاد فيها فتح ملف "المرحلة الثانية" من خطة حصر السلاح شمال الليطاني بما تحمله من ثِقَل سياسي. وفي الخلفية، تُعيد إدارة دونالد ترامب تعريف المساعدة الخارجية بمنطق العائد السياسي والأمني، لا بمنطق الدعم المفتوح. لذلك، تبدو زيارة قائد الجيش كأنها تقاطع بين ثلاث خرائط: الحدود، والتوازنات الداخلية، والشروط الأميركية.
في هذه الزاوية تحديدًا، تبدو واشنطن وكأنها تُعيد تعريف معنى دعم الجيش، فكلما ارتفع مستوى "السخونة" على الحدود، ارتفعت تلقائيًا قيمة الجيش في الحسابات الدولية بوصفه "صمّام الأمان"، لكن ارتفعت أيضًا "كلفة" الدور المطلوب منه، بين تثبيت الاستقرار، وتوسيع الانتشار، ومنع الانفلات، والبقاء في الوقت نفسه خارج الاستقطاب الداخلي.. في معادلة شديدة القسوة في بلد يختلط فيه الأمن بالسياسة، كما يختلط "المطلوب دوليًا" بـ"الممكن محليًا".
من تامبا يبدأ الاختبار الحقيقي. ليس لأنها محطة عسكرية فحسب، بل لأنها مساحة يُعاد فيها تعريف "المهمة" بأدوات عملياتية: أين ينتشر الجيش؟ كيف يستدام الانتشار؟ ما آليات المتابعة؟ وما الذي يمكن أن يتحوّل إلى نتائج ملموسة بدل أن يبقى التزامًا عامًا؟
لهذا تبدو الزيارة أقرب إلى عرض خرائط لا عرض نوايا، خصوصًا مع الحديث المتداول عن ملفات تفصيلية تُناقَش خلال الاجتماعات، مرتبطة بمقاربة أكثر دقة لما يُسمّى المرحلة الثانية شمال الليطاني. فالسؤال الأميركي الحقيقي لم يعد حول ما إذا كان الجيش يحتاج إلى تسليح أو تدريب، بل حول وظيفته في المرحلة المقبلة.
وبحسب ما يقول العارفون، فإنّ واشنطن تريد من الجيش أن يكون عنصر تثبيت لوقف إطلاق النار ومنع اتساع المواجهة مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه رافعة لمسار حصر السلاح وتعزيز احتكار الدولة للقوة. وهذه وظيفة سياسية بغطاء عسكري، لا مهمة عسكرية صرفة. هنا بالضبط يظهر التوتر: كيف يُطلب من مؤسسةٍ تنفيذية أن تعوّض غياب القرار السياسي الواحد؟
تدرك واشنطن، كما يدرك الجيش، أن نجاح أي خطة لا يُقاس بعدد النقاط العسكرية التي تُملأ، بل بقدرتها على تجنّب الاحتكاك الداخلي. أي انتشار لا يحمي نفسه سياسيًا قد يتحوّل إلى نقطة توتر مع البيئة المحلية، أو إلى اشتباك غير مقصود مع " حزب الله "، أو إلى استنزافٍ يُضعف المؤسسة بدل أن يُقوّيها.
لذلك، ليست الولايات المتحدة في وارد دفع الجيش إلى معركة داخلية، لكنها في الوقت نفسه تريد نتائج. تريد مؤسسة تمسك بمساحات حساسة من دون أن تتحول إلى طرف في النزاع. من هنا، يدخل قائد الجيش إلى واشنطن وهو يعرف أن “الدفاع عن المؤسسة” لا يكفي. عليه أن يقنع صانعي القرار بأن المؤسسة ليست فقط ضامنة للسلم الأهلي، بل قادرة على ترجمة استراتيجية الدولة.. حتى حين تكون الدولة نفسها عاجزة عن الاتفاق على تعريف تلك الاستراتيجية.
في المقابل، يحمل الجانب اللبناني منطقًا مختلفًا: المشكلة ليست في الإرادة، بل في التناقض بين المطلوب والقدرة. كيف يُطلب من الجيش أن يوسّع انتشاره ويثبت السيطرة ويمنع الانفلات، فيما الاقتصاد يحدّ من قدرته على التمويل، والسياسة تضع أمامه خطوطًا حمراء، والتصعيد الإسرائيلي يجعل الجنوب مفتوحًا على الاحتمالات؟
بهذا المعنى، لا يذهب لبنان إلى واشنطن فقط ليطلب دعمًا، بل ليطلب "شبكة أمان" تمنع تحويل المؤسسة إلى ضحية شروط سياسية متبدّلة. فالجيش يريد تثبيت المساعدة لأن ذلك شرط بقائه مؤسسة قادرة على العمل، لا مجرد هيكل يرفع الشعار ويعاني في التفاصيل: لوجستيات، صيانة، جهوزية، قدرة على الصمود في الميدان، ومَنظومة عمل لا تُبنى بتصريحات عامة.
وهنا يُطرح السؤال الذي يهمس به كثيرون ولا يجيب عنه أحد علنًا: هل تريد واشنطن جيشًا قويًا كي يحمي لبنان، أم جيشًا قويًا كي يغيّر قواعد اللعبة في لبنان؟ الفارق بين العبارتين هو الفارق بين دعم يرمي إلى منع الانهيار ودعم يرمي إلى فرض مسار سياسي وأمني جديد. ومع التصعيد جنوبًا يصبح السؤال أكثر حساسية، لأن أي مسار تغييري داخلي في ملف السلاح قد يتحوّل إلى مغامرة إن لم تتوافر تغطية سياسية داخلية وتوازنات تمنع الانفجار.
في قلب الزيارة يحضر الجنوب بقوة، لا باعتباره جغرافيا فحسب، بل بوصفه ورقة اختبار مزدوجة: اختبار لمدى قدرة الجيش على الانتشار والانضباط والإدارة، واختبار لمدى قدرة الدولة على إنتاج قرار سياسي واحد لا قرارات متوازية. فالحديث عن شمال الليطاني لا يُختصر بإجراءات ميدانية، لأنه يلامس مباشرةً فكرة احتكار الدولة للقوة، أي جوهر الأزمة اللبنانية منذ سنوات.
من هنا، يمكن قراءة الزيارة كعملية إعادة تعريف لوظيفة الجيش في المرحلة المقبلة: ليس جيشًا يتحرك فقط ضمن قواعد اشتباك واضحة، بل مؤسسة يُراد لها أن تكون صمّام أمان سياسي-أمني، بمعنى أنها تحافظ على الاستقرار، تمنع الانزلاق إلى حرب واسعة، وتفتح نافذة لمعادلة داخلية جديدة حول السلاح من دون أن تتحول إلى طرفٍ في نزاع أهلي.
لكن هذه الوظيفة الجديدة تصطدم بسؤال شديد البساطة وشديد القسوة في آن: كيف يُنجز الجيش المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح شمال الليطاني، فيما الطرف المعني بالسلاح يرفض أصل الفكرة "في الظروف الحالية"، والبيئة الدولية تريد توقيتًا سريعًا، وإسرائيل تتحرك على الأرض بمنطق أنها لن تنتظر؟
في هذه النقطة تحديدًا، يتحول الجنوب إلى ساحة تفاوض غير معلنة على وظيفة الجيش وحدود الدولة: تفاوض بين واشنطن وبيروت، وبين الداخل اللبناني نفسه، وبين وقائع الميدان ومطالب السياسة.
في الخلاصة، تبدو زيارة قائد الجيش إلى واشنطن اختبارًا لتوازن دقيق: أن يبقى الجيش عمود الاستقرار من دون أن يُساق إلى مهمة مستحيلة، وأن تحافظ واشنطن على ورقتها اللبنانية من دون أن تدفع البلد إلى حافة الصدام. وبين هذين الحدّين، ستحدد خرائط شمال الليطاني ومناخ الجنوب ما إذا كانت الزيارة بداية تثبيت مسار، أم مجرد هدنة سياسية قصيرة قبل موجة ضغط جديدة.
لهذا، ستكون العبرة في ما يُفهم من الزيارة لا في ما يُقال عنها. إذا خرجت برسائل تفيد بأن واشنطن تريد "مؤسسة مستقرة" قبل أي تغيير جذري، يكون ذلك مكسبًا للبنان في لحظة تصعيد. أما إذا خرجت برسائل تُشدد على الشروط وربط المساعدة بمراحل وخطوات، فهذا يعني أن المرحلة المقبلة ستشهد ضغطًا أكبر على الجيش كي يُثبت دوره كذراع للدولة.. حتى حين تكون الدولة نفسها عاجزة عن الاتفاق على تعريف هذا الدور.
المصدر:
النشرة