بات من الواضح أن آلية عمل لجنة "الميكانيزم" تواجه، في المرحلة الراهنة، تحديات كبيرة، خصوصاً في ظل الرغبة الأميركية الإسرائيلية بالإنتقال إلى إطار آخر للتفاوض مع لبنان ، بعيداً عن هذه اللجنة التي كان إتفاق وقف إطلاق النار قد أوجدها، الأمر الذي تم التعبير عنه بشكل واضح، من قبل واشنطن و تل أبيب ، منذ لحظة تعيين السفير السابق سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في اللجنة.
في المقابل، تُصر بيروت على التمسك بدور هذه اللجنة، إنطلاقاً من التوافق القائم على ذلك بين كل من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيسي المجلس النيابي نبيه بري والحكومة نواف سلام ، فما هي أسباب هذه المواقف، وما الذي يريده الجانبان الأميركي والإسرائيلي؟.
في هذا السياق، تشدد مصادر سياسية متابعة، عبر "النشرة"، إلى أن بيروت تُصر على البقاء ضمن إطار "الميكانيزم"، رغم الإنفتاح الذي كان قد أبداه رئيس الحكومة على تطعيمها بالمزيد من المدنيين، من منطلق التمسك بإتفاق وقف إطلاق النار نفسه، على إعتبار أن سقوطها سيفتح الباب، من الناحية العملية، أمام طرح الكثير من علامات الإستفهام حول مصير الاتفاق نفسه، الذي يلتزم لبنان به ويطالب بإلزام تل أبيب أيضاً، على إعتبار أنها الجانب الوحيد الذي يقدم على خرقه.
بالنسبة إلى هذه المصادر، لن يكون من السهل، رغم الضغوط القائمة، أن توافق بيروت على التخلي عن هذا الإطار، بسبب المخاطر الكامنة وراء ذلك، لا سيما أن البحث في أي أمر آخر، في ظل الظروف القائمة على المستويين المحلي والإقليمي، لن يكون سهلاً على الإطلاق، لا بل أن التوازنات تؤكد أنه لن يكون في صالح لبنان، بل على العكس يحقق الأهداف الأميركية والإسرائيلية، ما قد يعزز التوترات الداخلية أيضاً، خصوصاً أن " حزب الله " يؤكد أنه، بالنسبة إليه، إلتزام بما هو مطلوب منه بموجب الاتفاق.
حتى الساعة، ليس هناك من يملك جواباً واضحاً حول مصير "الميكانيزم"، في ظل تعطل الإجتماعات التي كانت تعقدها، لا بل حتى الموعد المحدد لإمكانية عودتها إلى العمل هو نهاية شباط، أي بعد زيارة قائد الجيش رودولف هيكل إلى واشنطن، وأيضاً بعد جلسة مجلس الوزراء التي ستبحث المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح من حيث المبدأ، أما الأسباب التي تقدم من أجل تبرير ذلك فهي متعددة، أبرزها الإعتراض على دور كل من فرنسا و" اليونيفيل ".
هنا، تذهب المصادر السياسية المتابعة إلى الإشارة إلى وجود رغبة إسرائيلية بالخروج عن الإطار العسكري للتفاوض، الذي تملثه "الميكانيزم"، حيث تلفت إلى أن تل أبيب لا تخفي الرغبة في الإنتقال إلى البحث في عناوين أخرى، أبرزها التعاون الاقتصادي الذي أعلنت عنه بشكل واضح، في حين أن في لبنان من يؤكد أن هذا الأمر يعني، بشكل أو بآخر، الرغبة في تكريس منطق إقامة منطقة عازلة، تكون مقدمة نحو إتفاق تطبيع بين الجانبين.
من وجهة نظر هذه المصادر، ما تسعى إليه تل أبيب، بالتعاون مع واشنطن، هو الذهاب إلى إطار يشبه ذلك القائم مع السلطة الإنتقالية في دمشق، أي آلية تفاوض مباشرة تكون برعاية الولايات المتحدة ، بينما الدور الفرنسي، الذي تُثار حوله الكثير من الأسئلة، من الممكن أن يقتصر على إستضافة الإجتماعات، على أن لا تقتصر المباحثات على الشق العسكري منها، خصوصاً أن إسرائيل تعتبر أن هذه الآلية تحقق نتائج أكبر وأسرع.
في المحصّلة، التمسك اللبناني بـ"الميكانيزم" لا يعود إلى نجاحها في تحقيق الأهداف المتوخاة منها، بدليل علامات الإستفهام الكثيرة الموضوعة عليها، لا سيما لناحية فشلها في إجبار تل أبيب على إلتزام إتفاق وقف إطلاق النار، بل لأن الخيارات البديلة ستكون أصعب، وقد لا يكون من السهل تمريرها على المستوى الداخلي.
المصدر:
النشرة