في الموازاة مع الضغوط الأميركية ومحاولات إعادة رسم مسار التفاوض على قاعدة تبديل الآليات وتغيير السقوف، يبرز الحراك ال قطر ي في لبنان كمسار مختلف في الشكل والمضمون، في محاولة لإيجاد الأرضية اللازمة لترتيب الوضع اللبناني، ومن هنا يمكن قراءة زيارة وزير الدولة في وزارة الخارجية محمد بن عبد العزيز الخليفي إلى بيروت في توقيت بالغ الحساسية، حيث يتقاطع الانسداد الداخلي مع ضغوط خارجية مفتوحة، وحديث متنامي عن حرب ستُعلن على إيران.
قطر، بخلاف أطراف أخرى، لا تدخل إلى الساحة اللبنانية من بوابة الاشتراطات المسبقة ولا من منطق الاصطفاف، وهي التي لم تكن كذلك يوماً، بل تدخل من زاوية إدارة التناقضات وإيجاد المساحات المشتركة للتلاقي، وتجربتها السابقة في لبنان، منذ اتفاق الدوحة وصولاً إلى أدوارها اللاحقة، رسّخت صورة وسيط قادر على التواصل مع الجميع من دون أن يتحول إلى خصم لأي طرف. هذا الرصيد هو ما تعود الدوحة اليوم لتوظيفه، مستندة إلى شبكة علاقات مفتوحة مع مختلف القوى اللبنانية، ولا سيما مع حزب الله ، وهو عنصر تفتقده غالبية العواصم المنخرطة في الملف اللبناني.
من هنا ترى مصادر سياسية متابعة عبر "النشرة" أن قراءة الدور القطري لا تنفصل عن إدراك الدوحة أن لبنان يقف على حافة مرحلة أخطر من مجرد أزمة سياسية، فما يُطرح اليوم، سواء عبر تغيير آلية التفاوض أو عبر ربط الأمن بالمسار السياسي، يحمل في طياته خطر تفجير التوازنات الداخلية ودفع البلاد نحو صدام لا يملك أحد ترف تحمّل كلفته، لذلك يتركز الجهد القطري، بحسب المصادر، على تحصين الوحدة الوطنية بوصفها خط الدفاع الأول، لأن أي تفاوض خارجي، مهما كانت ضماناته، يصبح بلا قيمة إذا كان الداخل مفككاً أو منقسماً على نفسه، وهو ما تلتقي قطر عليه مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي يلعب دورا محورياً على خط ترتيب العلاقات الداخلية بين القوى الكبرى.
تعتبر المصادر أن المعطى الأهم في الحراك القطري هو أنه لا يقدّم نفسه بديلاً عن أحد، ولا يسعى إلى منافسة الدور الأميركي أو السعودي، بل يعمل على خط موازٍ وربما منسّق معهما، مشيرة إلى استعداد قطر للتنسيق مع الأميركيين للضغط على إسرائيل لوقف الاعتداءات وتخفيف منسوب العدوان، فقطر تدرك أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية يُضعف أي مسار سياسي وينسف أي فرصة لتسوية داخلية.
في الداخل اللبناني، تراهن الدوحة على دور سياسي هادئ عنوانه أنه لا يمكن مواجهة الضغوط الخارجية إلا برؤية داخلية موحدة، ولا يمكن حماية لبنان إلا بإعادة الاعتبار لمبدأ الشراكة والتوازن، أي أن تكون التسوية ضامنة لحقوق الجميع، وتحفظ التوازنات الدقيقة التي يقوم عليها النظام اللبناني.
تؤكد المصادر أن قدرة قطر على لعب هذا الدور تنبع من كونها لا تحمل أجندة تصادمية، ولا تتعامل مع لبنان كساحة نفوذ لها، وبالتالي هي تسعى إلى منع الانزلاق إلى الحرب انطلاقاً من قراءة مفادها أن أي تصعيد واسع سيُخرج لبنان نهائياً من دائرة الاستقرار النسبي، وسيجعل أي حل لاحق أكثر تعقيداً، لذلك، تركز الدوحة على فكرة الالتزام بالدستور كمرجعية جامعة، وعلى إعادة إنتاج الحد الأدنى من الثقة بين المؤسسات، وتطبيق اتفاق الطائف كاملا، وهو ما تدفع باتجاهه المملكة العربية السعودية .
ما يمكن أن تفعله قطر للبنان لا يكمن في تقديم حلول سحرية، بل في لعب دور يخفف الضغوط، ويمنح الوقت، ويفتح قنوات الحوار، وعلى المستوى التقني فإن قطر بإمكانها لعب دور بارز في تقديم الدعم والمساعدات، وبحسب المصادر من المتوقع أن تكون قطر من أبرز المانحين في مؤتمر دعم الجيش والقوى الامنية بحال انعقاده، وهي التي لم تتوقف يوماً عن تقديم الدعم رغم كل الخلافات السابقة، إلى جانب استعدادها للدعم في مجال الطاقة والكهرباء حيث يتوقع ان تحمل قطر جديداً على هذا الصعيد أيضاً.
المصدر:
النشرة