تصدّر التوتر بين الولايات المتحدة وايران لأشهر متتالية، عناوين الصدارة في التحليلات الاستراتيجية، وتحوّل من مجرد توتّر دبلوماسي إلى احتمالات تبقى في قلب المعنى الأمني والسياسي للمشهد الإقليمي. فالتصريحات المتكرّرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب ، والتحركات العسكريّة الأميركية في الشرق الأوسط ، عزّزت قراءة مفادها أن واشنطن تتجه نحو خيار عسْكَرِي ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانيّة. لكن السؤال الأهم يبقى: ما الذي يعنيه ذلك بالفعل؟ وما نتائجه المحتملة على المنطقة، وعلى لبنان تحديدًا؟.
وبين التصريحات والواقع… أين الحقيقة؟.
من الواضح أن الإدارة الأميركية استخدمت، في مراحل عدة، خطابًا مزدوجًا: من جهة التهديد بخيار عسكري «نهائي»، ومن جهة أخرى إبقاء المجال الدبلوماسي مفتوحًا. وهذا الأسلوب ليس جديدًا في السياسة الأميركية ؛ بل هو أحد أدوات بناء الضغط الاستراتيجي التي تستخدمها واشنطن لتحقيق أهدافها من دون الدخول الفوري في حرب شاملة.
وتكتسب هذه التصريحات رمزيّة أكبر عندما تترافق مع تحريك وحدات عسكريّة ثقيلة كالبوارج الحرب يّة، والطائرات الاستراتيجيّة، وأنظمة الدفاع الصاروخي نحو مياه الخليج، في رسائل تبدو موجّهة إلى طهران أولاً، وإلى حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط ثانيًا.
لكن التحليل الواقعي يذكّرنا بأن التحشيد لا يساوي الحرب، وأنّ التاريخ السياسي الأميركي يعجّ بأمثلة تحشيد عسكري لم يُتحوّل إلى عمل عسكري شامل خصوصًا عندما تتقدم التكاليف السياسيّة والاقتصاديّة على المكاسب المتوقعة. وهي عادة ما تثير حفيظة الرئيس الاميركي دونالد ترامب عندما يبدأ حساباته المادية لهذه التكاليف:
1-تكلفة الحرب، حيث ان أي ضربة أميركية واسعة ضد إيران ستضع واشنطن في مواجهة جيش منظّم وتيار شعبي واسع، يتجاوز المؤسسات العسكريّة إلى قطاعات اجتماعيّة في الجمهورية الاسلامية. وبهذا المعنى، فإن الخيار العسكري ليس مجرد عمل تكتيكي، بل يُحتمل أن يتحوّل الى معركة استنزاف طويلة الأمد قد تكون تكلفتها على واشنطن تفوق الفوائد المتوقعة.
2-على الرغم من صدور تصريحات دولية ضد طهران، فقد تواجه الولايات المتّحدة ردود فعل دولية سلبية بسبب قرارات ترامب الضريبيّة العالميّة من جهة، ومن جهة ثانية لا توجد قوّة عظمى في العالم تقف اليوم مع أي عمل عسكري أُحادي الجانب في هذه المنطقة دون غطاء دولي واسع. حتّى التصريحات الأوروبية، والروسية والصينية، تضع قيمة عالية لعودة إيران إلى طاولة التفاهمات، وخصوصًا في الملف النووي.
وإذا حدث وخيضت مواجهة محدودة -ولنقل «استهداف مواقع محددة»- فإن النتائج المباشرة ستكون: ارتفاع ل أسعار النفط عالميًا، بسبب المخاوف من اضطراب الإمدادات. اضافة الى تجنّب المستثمرين للأسواق الناشئة، ما يزيد ضغوط التضخم على اقتصادات ضعيفة. وصولا الى توتر أكبر في العلاقات بين طهران وحلفائها الإقليميين، وهو ما سينعكس بدوره على ملفات سوريا ، اليمن ، العراق، ولبنان.
أما إذا كَبُرت المواجهة، فسنكون أمام سيناريو أكثر تعقيدًا مع احتمال توسّع الحرب الى إقليمية متعددة الجبهات لا يمكن معها تجنّب دخول أطراف محلية في صراع مسلح، وهو ما يرفع سقف المخاطر إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود.
ماذا عن لبنان؟
البلد، الذي لا يزال يعاني تبعات أزمات اقتصاديّة، نقدية ماليّة واجتماعية حادّة، سيكون أحد المتضررين المباشرين من أيّ تصعيد، حيث سيترافق مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية نتيجة ارتفاع أسعار النفط وازدياد منسوب القلق بالنسبة للسلع المستوردة. ناهيك عن الضغط الإضافي على احتياطيات النقد الصعبة مع خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة. اضافة الى أن التوتّر السياسي الداخلي الحاصل حاليًّا يحمل معه مخاطر توترات أمنيّة داخليّة. ولا يمكن تجاهل أن لبنان سيكون مسرحًا لخيارين متعارضين: من جهة، الضغط الشعبي على الطبقات المتوسطة والفقيرة التي تتحمّل تبعات الأزمة الاقتصاديّة؛ ومن جهة أخرى، تأثير القلق الإقليمي الذي قد ينعكس على الاستقرار السياسي.
في المحصلة، فإنّ ما بين الحرب والابتعاد عنها، تبدو السياسة الأميركية تجاه إيران في هذه المرحلة انها ليست في "مسار حرب شاملة"، بل في مسار ضغطٍ استراتيجي مع احتمال استخدام القوّة المحدودة كوسيلة من وسائل التفاوض. فالإدارة الأميركية تدرك، كما القوى الدوليّة الأخرى، أن تكلفة الحرب أكبر بكثير من تكاليف العودة إلى التفاهمات.
أما المنطقة، فهي لا تزال في مرحلة حافزٍ للقلق وليس للعنف اللامحدود. ومن المنصف القول إن أي تصعيد، حتى لو لم تتحوّل تهديداته إلى حرب كاملة، سيكون له آثار نقلية اقتصادية وسياسية على دول المنطقة، وخصوصًا على لبنان الذي لا يمتلك شبكة أمان قوية في وجه الصدمات الخارجية.
في النهاية يبقى الشرق الأوسط منطقة حسّاسة للغاية، وكل خطوة في مسار التصعيد الأميركي–الإيراني ستكون اختبارًا دقيقًا لمدى قدرة السياسة على أن تحلّ محل الحرب… وإلا فإن الحسابات هنا لا تُحتسب بالساعات أو الأيام فقط، بل بالعقود والأجيال.
المصدر:
النشرة