كأنّ لبنان لا يكفيه ما يُعانيه من حدوده الجنوبيّة، بسبب الإعتداءات والأطماع ال إسرائيل ية، ليُصبح اليوم مُهدّدًا بمخاطر لا تقلّ شأنًا من حدوده الشاسعة مع سوريا. والمفارقة أنّ الجهات اللبنانية التي كانت ترفض في الماضي القريب أي تصنيف للحدود مع سوريا بكونها خطرًا محتملًا على لبنان، وتُصرّ على حصر الخطر على البلد من جانب "العدوّ الإسرائيلي"، صارت اليوم الأكثر خشية من ارتدادات انهيار واضمحلال حُكم "آل الأسد" نهائيًا! فما هي هذا الأخطار المُحدقة؟.
أوّلًا: عصابات التهريب المُتواجدة بشكل مُتجذّر من الجانبين السوري واللبناني، وهي جَماعات خارجة على القانون، يتمحور اهتمامها على كسب المال السريع، عبر تهريب مختلف أنواع المَمنوعات عبر الحدود، وُصولًا حتى إلى تسهيل مُرور الأشخاص والمَطلوبين بعيدًا عن أعين السُلطات الحُدودية الرسمية. وعلى الرَغم من بذل الجيش اللبناني والقوى الأمنية المُختلفة المَعنية جهودًا جبّارة لوقف عمليات التهريب-على أنواعها، فإنّ هذه المُعضلة لم تنته تمامًا، وهي تترك لبنان عرضة لكثير من المُوبئات التي تُضرّ اقتصاده وخزينة ماليته، والتي تُهدّد ديمغرافيته، وحتى استقراره الأمني.
ثانيًا: خطر الجماعات الإسلامية المُتطرّفة، على غرار عناصر " داعش " والجماعات الإرهابية على شاكلتها، في ظلّ عدم استقرار الواقع الأمني في سوريا على الإطلاق حتى تاريخه، وبخاصة بعد فقدان " قوات سوريا الديمقراطية " السيطرة على مساحات واسعة من مناطق الحكم الذاتي، وما نجم عن ذلك من فرار الكثير من "المُتشدّين" الخطيرين إلى مناطق مَجهولة، مع احتمال وُصول جزء من هؤلاء إلى لبنان، خشية تسليمهم من جانب السُلطات السورية إلى جهات خارجية نتيجة الصفقات القائمة حاليًا من كل حدب وصوب. وهذا النوع من الفارين يُمثّل خطرًا كبيرًا، كونه لا يملك ما يخسره، وهو خاضع لغسل دماغ يجعله جاهزًا للقيام بعمليات إرهابيّة عندما تسنح له الفرصة، وهو يُصنّف في خانة "الذئاب الفردية" التي تتحرّك ضِمن خلايا صغيرة محدودة العدد، وليس ضِمن جماعات كبيرة مُنظّمة، الأمر الذي يجعل كشف هؤلاء أكثر صُعوبة.
ثالثًا: الخطر من القيادة السوريّة الشرعيّة نفسها، فالعلاقات اللبنانية–السورية الحالية يشوبها الحذر الشديد، على الرغم من الاتصالات المباشرة بين الفريقين من حين لآخر. وإذا كانت المطالب السوريّة من السلطة اللبنانيّة حاليًا، لجهة استعادة السوريّين المَسجونين في لبنان، وتسليم المسؤولين الأمنيّين والعسكريّين في النظام السوري المُنهار الفارين إلى لبنان، وإعادة الأموال السورية العالقة في المصارف اللبنانية، يُمكن أن تُسَبب اضطرابات على الصعيد السياسي، فإنّها لا يُمكن أن تؤدّي إلى مواجهة عسكرية. لكنّ ملف " حزب الله " هو الأخطر مع القيادة السورية التي لديها ثأر مَكبوت مع "الحزب" بسبب دوره في مُساندة النظام السابق، والقتال بشراسة ضُدّ الجماعات المُسلّحة التي صار بعضها اليوم هو الحاكم الناهي في دمشق. وإذا كان الجانب الأميركي مُستعدّا لبيع ورقة "قسد"، ومن ورائها ملفّ "الأكراد" لصالح القيادة السورية الحالية، في مقابل تحصيل مطالب مُعيّنة من هذه القيادة، تبدأ بمكاسب مُستقبلية على الصعيد الاقتصادي، وتمرّ بتفعيل الحضور الجيو سياسي، ولا تنتهي عند فتح الباب واسعًا أمام اتفاق سلام بين سوريا وإسرائيل، فإنّ كل الاحتمالات تبقى واردة بأن تُمنَح القوات المُسلّحة السورية يومًا ما، "الضوء الأخضر" للمُشاركة في ضرب التواجد العسكري العائد إلى "حزب الله" في المناطق الحُدودية وُصولًا إلى محافظة البقاع ككلّ!.
رابعًا: الخطر المُتأتي من التهديدات الإسرائيلية حيث أنّه من غير المُستبعد في حال قرّرت إسرائيل مُستقبلًا مُهاجمة لبنان برًّا، أن تستغلّ وجودها في الجنوب السوري للسعي للتقدّم نحو مواقع تواجد "حزب الله" من خارج الحدود الجنوبية اللبنانية التقليدية، وتحديدًا من جهة منطقتي حاصبيا و راشيا باتجاه البقاع. يُذكر أنه إضافة إلى مرتفعات الجولان السوري و مزارع شبعا المُحتلّين، و جبل الشيخ (حرمون) أيضًا، تتواجد القوات الإسرائيلية حاليًا في منطقة تصفها بالعازلة، تفصل ما بين مرتفعات الجولان وريف القنيطرة والداخل السوري، علمًا أنّ المواقع العسكرية الإسرائيلية أقيمت على عمق يتراوح ما بين كيلومترين وعشرة كيلومترات داخل الأراضي السورية في بعض منها. وتُشير تقارير غربية عدّة إلى أنّ الجيش الإسرائيلي أقام قواعد ومواقع عسكرية إضافية في جنوب سوريا، خاصة في محافظتي القنيطرة ودرعا، منها يبعد 40 كيلومترًا فقط عن العاصمة دمشق. وهي قد تتُخذ نقطة انطلاق لمهاجمة البقاع اللبناني إذا دعت الحاجة في المستقبل.
في الخُلاصة، من الضروري أن تكون حدود لبنان الدَولية بكاملها مُصانة ومَحميّة، لأنّ الخطر المتأتّي على لبنان من حدوده مع سوريا لا يقلّ تعقيدًا وحساسيّة من الخطر المُتَأتي عليه من إسرائيل.
المصدر:
النشرة