تُوجِّه وسائل الإعلام السعودية اتهامات صريحة إلى الإمارات العربية المُتحدة، في لهجة لم يشهدها الخليج منذ القطيعة مع قطر في العام 2017، ما يُثير خشية من إغراق المنطقة في أزمة جديدة.
يأتي ذلك على خلفية المُواجهات الأخيرة في اليمن، حيث تدعم الرياض وأبو ظبي طرفين مُختلفين، بعدما تحركت السعودية لدعم الحُكومة اليمنية المُعترف بها دوليا ضد "الانفصاليين" المدعومين من أبوظبي.
وعلى مدى أسابيع، اتسعت الفجوة بين البلدين على خلفية الهجمات المُتواصلة في وسائل إعلام سعودية، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي على الإمارات، المُتهمة بانتهاك حقوق الإنسان وحتى "بالخيانة" و"التحريض".
ففي تقرير لها الأُسبوع المُقبل، اتهمت قناة "الإخبارية" الحكومية السعودية الإمارات بأنها "تستثمر في الفوضى، "وتدعم الانفصاليين" من ليبيا إلى اليمن والقرن الأفريقي.
والجديد في المسألة، أن "نقاط التوتُر" بين الدولتين الخليجيتين الشقيقتين، باتت الآن ظاهرة للعيان في شكل غير معهود. فالآن، تُسلط الرياض الضوء في شكل واضح على اختلافها مع سياسات أبوظبي الإقليمية، ولا تُبدي أي مؤشر على التراجُع.
وفي المُقابل، التزمت الإمارات الصمت إلى حد كبير.
الحليفتان التقليديتان
يُعد البلدان حليفين تقليديين، إذ كان الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بمثابة مُوجِّه لولي العهد الأمير محمد بن سلمان ، الحاكم الفعلي للسعودية، في مسيرته السياسية.
كما ويرتبط اقتصادا البلدين في شكل وثيق وقد بلغ حجم التبادُل التجاري بينهما نحو 36 مليار دولار في العام 2024، وفق بيانات الهيئة العامة للإحصاء السعودية. وتبلغ قيمة الصادرات السعودية إلى الإمارات أكثر من 23،2 مليار دولار. وكذلك، تُعدّ السعودية الشريك التجاري الثالث عالميا للإمارات، والأول عربيا، بحسب موقع الخارجية الإماراتية.
تضارُب استراتيجيات
راهنا، يتهم "مُعلقون" في السعودية، صاحبة أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط، الإمارات بدعم قوى على خلاف مع مصالح السعودية في نزاعات عدة، مثل اليمن و السودان ، فيما تتقارب مع "إسرائيل"، التي طبعت أبوظبي علاقتها معها بموجب الاتفاقات الإبراهيمية في العام 2020.
ويقول سليمان العقيلي ، المُحلل السياسي الذي يظهر في استمرار على القنوات السعودية، لـ"وكالة الصحافة الفرنسية": "ثمة شُعور سعودي عميق بأن الإمارات خانت الشراكة الاستراتيجية مع السعودية، وأنها تثير الأزمات في العمق الاستراتيجي السعودي". ويشير إلى "تضارُب استراتيجيات" السياسة الخارجية بين الرياض وأبوظبي باعتباره نقطة توتر رئيسية.
تزامُنا، اتهم الكاتب السعودي منيف الحربي ، عبر قناة "الإخبارية"، السياسة الإماراتية، بأنها "مشروع إسرائيلي يرتدي عباءة أبوظبي".
وعقب تعزيز السيطرة على جنوب اليمن، اصطحبت السلطات المدعومة من السعودية صحافيين، في جولة داخل ما وصفتها بأنها "سجون سرّية أدارها الانفصاليون الموالون للإمارات"، وهو اتهام نفته أبوظبي مشيرة إلى أنها منشآت عسكرية.
في المُقابل، يقول أستاذ العلوم السياسية الإماراتي، عبد الخالق عبد الله، لـ"فرانس برس"، إن "الإمارات لا تريد استفزاز السعودية، وليست معتادة على استفزاز شقيقتها الكبرى... فعلنا ما طُلب منّا"، في إشارة إلى الانسحاب الإماراتي السريع من اليمن في مطلع العام.
وعلى رغم الحديث عن إجراءات اقتصادية موجعة، قد تتخذها السعودية ضد الإمارات، غير أن "قطع العلاقات الديبلوماسية" مسألة مُستبعَدَة.
وفي هذا الإطار، قامت العلامة التجارية الشهيرة للعطور الفاخرة في السعودية، "دخون الإماراتية"، بالإعلان عن إطلاقها "هوية جديدة"، طارحة أسماء عدة بديلة لا تتضمن اسم الإمارات.
إلى ذلك التقى الرئيس الإماراتي، الأسبوع الماضي، رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في نيودلهي. واتفق البلدان على العمل من أجل إقامة شراكة دفاعية استراتيجية.
وقد جاءت هذه الخطوة بعد أشهر من توقيع الرياض اتفاق دفاع مُشترك مع غريمة الهند، باكستان التي تملك السلاح النووي. وصرّح وزير الخارجية التركية هاكان فيدان بأن بلاده تجري محادثات للانضمام إلى هذا التحالف.
في السودان، وهي نقطة توتر أخرى، قدّمت السعودية والولايات المتحدة مُقترحا جديدا لوقف إطلاق النار إلى الجيش السوداني، وفق ما أفاد مصدر حكومي سوداني "وكالة الصحافة الفرنسية"، في مبادرة تستثني الإمارات التي شاركت في جهود الوساطة الدولية.
ومنذ قترة طويلة، تُتهم الإمارات بدعم قوات الدعم السريع في مواجهة الجيش السوداني، وهو ما تنفيه أبوظبي.
وهذا الشهر، ألغت الصومال كل الاتفاقات مع الإمارات التي تدعم منطقة أرض الصومال الانفصالية والتي اعترفت بها "إسرائيل" كدولة الشهر الماضي.
ولكن، على رغم الهجمات العلنية الشرسة، ما زالت أمام الدولتين الخليجيتين، مسافة تواصُل وترميم الجُسور... فهذه الهجمات تحمل رسائل مزدوجة: إشارة إلى إمكان التهدئة، وفي الوقت نفسه إظهار القدرة على التصعيد.
ويبقى الرهان على وعي القيادتين الخليجيتين لخُطورة الأوضاع الإقليمية والدولية الراهنة، ما يُحتم وحدة الصف الخليجي، درءا للأخطار المُحدقة في العالم العربي بأكمله. وتاليا يُؤمل في هذا المجال، في تصويب البوصلة الاستراتيجية الخليجية.
المصدر:
النشرة