آخر الأخبار

قارورة مونزا

شارك

ما يُعرف بقارورة " مونزا " هي قارورات من القرن السادس الميلاديِّ تقريبًا، وغالبًا ما تكون مصنوعة من المعدن ومطليَّة بالفضَّة أو القصدير والرصاص، يجلبها الحجَّاج معهم من الأراضي المقدَّسة كبركة وتذكار، وكانت تُملأ زيتًا من القناديل الَّتي كانت تضاء في الأماكن المقدَّسة المرتبطة بحياة الربِّ يسوع المسيح هناك. ويوجد عليها كتابات هي: « زيت خشب الحياة من الأماكن المقدَّسة» و«عمَّانوئيل معنا». عدد كبير منها مرتبط ب كنيسة القيامة في أورشليم الَّتي كان فيها صليب الربِّ محفوظًا بعد أن وجدته الإمبراطورة هيلانة والدة الإمبراطور قسطنطين .

شكل القارورات دائريٌّ بقطر يقارب السبعة أو الثمانية سنتمترات وبسماكة ثلاثة سنتمترات تقريبًا، ولها عنق صغير كان يُستخدم لتعليق القارورة بحبل أو سلسلة. كان يمكن أن توضع في المنازل كشيء مقدَّس ويشعل بجانبها شمعة رمزًا لنور الربِّ. كما كان يمكن أن تعلَّق في العنق أو بجانب السرير.

مصدر الصورة إلى جانب أنَّ القارورات كانت بمثابة بركة وتذكار، فهي لها أهمِّيَّة كبيرة بالنُقوش الَّتي كانت عليها، وهي نقوش تمثِّل أحداثًا خلاصيَّة من العهد الجديد، مثل البشارة، ولقاء والدة الإله بأليصابات، وبشارة الملاك للرعاة، وسجود المجوس للربِّ، والميلاد المجيد، والظهور الإلهيِّ، والصلب، ومجيء حاملات الطيب إلى القبر الفارغ، وظهور يسوع على التلاميذ، وتفتيش توما لجنب السيِّد، والصعود الإلهيِّ. هناك مشاهد مجموعة ضمن دوائر على قارورة واحدة وهناك قارورات منقوش عليها مشهدان، وقاروات أخرى عليها مشهد واحد.

أمَّا على عنق القارورة فمحفور صليب، لكون الصليب هو علامة الانتصار والظفر، وعليه تمَّ الفداء. كذلك شكلها الدائريُّ يرمز إلى المسكونة جمعاء. فيكون بذلك أنَّ الصليب يعلو المسكونة، وهو العلامة الخلاصيَّة للبشريَّة كلِّها.

للقارورات وجهان: يوجد على الوجه الأوَّل نقش للربِّ أو لوالدة الإله وللصليب وللقدِّيسين. وعلى الوجه الثاني أحداث إنجيليَّة. تفاصيل النقوش الَّتي تعبِّر عن الأحداث والأعياد الكنسيَّة تضع أمامنا أمورًا ثلاثة مهمَّة جدًّا وهي:

أوَّلًا، أنَّ الفنَّ الكنسيَّ هو من صميم الإيمان المسيحيِّ منذ القرون الأولى، ويسير بالتوازي مع الأناجيل والليتورجيا والمجامع وكتابات الآباء القدِّيسين، ومترابط معهم ويصبُّ في الاتِّجاه نفسه.

ثانيًا، أنَّ النقوش هي شبيهة جدًّا بما نشاهده في أيقونات الأعياد.

مصدر الصورة ثالثًا، أنَّه أصبح للأعياد هيكليَّة وخدم كنسيَّة، ويُعيِّد لها المؤمنون، وهي محطَّات أساسيَّة في حياتهم وفي السنة الليتورجيَّة، ما يجعل القارورات أكثر من تذكار، فهي تمثِّل ارتباط حياة المؤمن بالحياة الكنسيَّة والليتورجيَّة ككلٍّ ليعيش الحدث الخلاصيَّ الإلهيَّ. فكلُّ عيد هو محطَّة خلاصيَّة لم تتوقَّف في الوقت الَّذي تمَّ فيه الحدث الخلاصيُّ بل هو مستمرٌّ في كلِّ الأزمان ويتوجَّهُ إلى كلِّ إنسان كما أوصى الربُّ التلاميذ بأن يذهبوا إلى أقطار المسكونة جمعاء ويُتلمِذُوا جميع الأمم معمِّدين إيَّاهم باسم الآب والابن والروح القدس، ومعلِّمين إيَّاهم أن يحفظوا جميع ما أوصاهم به. وهو معهم كلَّ الأيَّام إلى انقضاء الدهر.

لكون القوارير صُنعت في الأراضي المقدَّسة فالنقوش تعطينا فكرة عن المباني والمزارات الَّتي كانت موجودة في ذلك الوقت. أمَّا مصطلح «مونزا» فهو مرتبط باسم المنطقة الموجودة في شمالي ميلانو في إيطاليا حيث يوجد في خزانة كاتدرائيَّة القدِّيس يوحنَّا المعمدان مجموعة من القوارير قدَّمتها ملكة اللومبارديِّين Theodelinda (ما يقارب 570 – 628م) هديَّةً للكاتدرائيَّة الَّتي أسَّستها هي. وبحسب مذكِّرة Notula (ق6م) تلقَّت الملكة القارورات من كاهن يُدعى يوحنَّا في عهد البطريرك غريغوريوس الكبير (+ 604م)، وقد تكون هديَّة من البطريرك وقد لا تكون، الأمر غير واضح. وبما أنَّ الغالبيَّة العظمى من النماذج الباقية من هذا النوع من القوارير هي مثل مجموعة مونزا، درج أن يُستخدَم مصطلح «قارورة مونزا» للدلالة على هذا النوع من القطع بشكل عامٍّ. أمَّا ثاني أكبر مجموعة فقد اكتُشفت في مدفن بدير Bobbio الَّذي يقع في الجنوب الشرقيِّ من مونزا، وعلى بُعد 90 – 95 كيلومترًا تقريبًا.

وهناك قارورات أخرى موزَّعة في أنحاء مختلفة من العالم؛ مثل قارورة من موقع سوريٍّ مرتبط ب القدِّيس سرجيوس ، وموجودة في متحف «والترز» للفنون في مدينة «بالتيمور» في أميركا.

مصدر الصورة بالإضافة إلى المشاهد الَّتي ذُكرت أعلاه، هناك مشهد ليسوع يمشي على المياه وينقذ القدِّيس بطرس من الغرق، بينما يشاهَدُ باقي الرسل من القارب، ومشهد لوالدة الإله تصلِّي وهي مُحاطة بـالقدِّيس يوحنَّا المعمدان ووالده زكريَّا.

أمام الإرث الكنسيِّ العظيم، نرفع أيدينا إليك يا ربُّ ونصلِّي: «أحببتَ البِرَّ وأبغضتَ الإثم، من أجل ذلك مسَحَكَ الله إلهُك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك» (مزمور 45: 7).

إلى الربِّ نطلب.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا