آخر الأخبار

إيران بين حرب 2025 واحتجاجات 2026... إلى أين تتّجه كرة النار؟

شارك

بين دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى "قيادة جديدة" في إيران ، ووصف المرشد الأعلى السيد علي خامنئي للرئيس الأميركي بـ"المجرم"، لا يبدو السجال العلني بين الرجلين مجرّد تلاسنٍ سياسي، بقدر ما هو واجهة لصراعٍ أعمق يدور حول سؤال واحد: من يملك حق تعريف ما يجري داخل إيران، وما حدود تحويله إلى ورقةٍ في الإقليم؟.

فحين يقول ترمب إن "الوقت حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران"، فهو لا يكتفي بمجاراة خبر الاحتجاجات، بل يحاول نقل المعركة إلى مستوى "تعريف الشرعية" في طهران : من يحكم، ولماذا، وبأي كلفة. كما يختبر سقف الاستهداف السياسي إلى حدّ القفز مباشرةً إلى "رأس" المعادلة، واضعًا خامنئي داخل دائرة الاستهداف العلني، ولو من دون إعلانٍ صريح لمشروع تغيير النظام.

وفي المقابل، حين يضع خامنئي الاحتجاجات في خانة "الفتنة" و"المؤامرة" ويعد بعدم إفلات "المجرمين" من العقاب، فهو لا يدافع عن سردية أمنية فحسب، بل يعيد شدّ النظام إلى منطق "الحصار" الذي يحوّل أي انفجار اجتماعي إلى امتدادٍ لحربٍ خارجية. وهذا ما يفسّر تقاطع خطاب السلطة مع بيانٍ نادر لرؤساء السلطات الثلاث، اعتبر ما جرى "فتنةً معقّدة" أحبطها الإيرانيون.

وبين هاتين العبارتين، تتشكّل لحظة إيرانية ملتبسة: شارعٌ انفجر في 28 كانون الأول 2025 على خلفية ضيقٍ اقتصادي، ثم تحوّل إلى موجة أوسع ترفع مطالب سياسية عالية السقف، فيما يحاول النظام تثبيت رواية "فتنة" مُدبّرة، وتحاول واشنطن، بقيادة ترمب، رفع الضغط إلى حدّ اختبار ما إذا كانت الأزمة قابلة للتحويل إلى نقطة انعطافٍ إقليمية.

عندما تتصدّع "حصانة الداخل"

لا يُقرأ السجال العلني بين ترمب وخامنئي بوصفه مجرد تبادلٍ للكلمات، بل باعتباره معركةً على "رواية" ما يحدث داخل إيران: هل هو احتجاجٌ اجتماعي قابل للاحتواء، أم بداية تصدّعٍ سياسي يمكن استثماره؟.

للإجابة على هذا السؤال، لا بدّ من العودة إلى "جذور" المسألة، إذ لا يمكن فصل سجال ترمب-خامنئي عن "الضربة الأولى" التي تلقّاها النظام قبل أشهر، إبّان العدوان الإسرائيلي الذي بدأ في 13 حزيران 2025، وانتهى بوقف إطلاق نار، في ظل تقارير عن تضرّر مواقع نووية رئيسية، بينها منشآت تخصيب في نطنز و فوردو ومجمّع أصفهان .

ويقول العارفون بالشأن الإيراني إن هذه الحرب لم تكن حدثًا عسكريًا منفصلًا عن الداخل الإيراني، حتى لو حاولت طهران التعامل معها بمنطق الردع المتبادل. ولعلّ الأثر السياسي والنفسي الذي تركته دليلٌ كافٍ على ذلك، حتى لو اختلفت تقديرات حجم الضرر.

وهذا الأثر لا يُقاس بحجم الدمار وحده، بل بكون الحرب كسرت، ولو جزئيًا، صورة "العمق الآمن" الذي يقدّمه النظام لقاعدته: إذا كان الخارج قادرًا على الوصول إلى منشآت حسّاسة، فكيف تُدار معركة الثقة في الداخل، حين يتراجع الاقتصاد وتعود الأسئلة حول كلفة السياسات الإقليمية؟

من انهيار العملة إلى سؤال الشرعية

مع انتهاء العدوان الإسرائيلي على إيران، خرج النظام من اختبار خارجيّ قاسٍ، لكنه ما لبث أن دخل اختبارًا داخليًا بدا أشدّ تعقيدًا، لأنّ الداخل لا يُدار بمنطق الردع فحسب. واللافت هنا أنّ رهان بعض دوائر المعارضة في المنفى بأن تُشعل الحرب انتفاضة تُسقط النظام لم يتحقق حينها، لكنّ الأثر بقي كامنًا: صورة "الحصانة" اهتزّت، وأسئلة الكلفة عادت إلى السطح، ثم جاءت "الضربة الثانية" من الاقتصاد.

فعلى وقع تراجع العملة وارتفاع الأسعار واتساع الضيق المعيشي، اندلعت الاحتجاجات في 28 كانون الأول، قبل أن تتطوّر إلى مطالب سياسية واسعة، من دون أن تظهر بالضرورة مؤشرات على انقسام في النخبة الأمنية القادرة على الحسم الميداني.

ومع اتّساع الاحتجاجات، انتقل الاشتباك إلى ساحة الاتصالات، في ضوء تقارير تحدّثت عن انقطاع واسع للإنترنت في 8 كانون الثاني 2026، وسط احتجاجات متواصلة، وهو ما قرأته جهات حقوقية وصحافية بوصفه محاولة لخنق التنظيم وتقليل تدفّق الصور والمعلومات عن حجم الاعتقالات والضحايا.

ثم ظهرت إشارات إلى بحث طهران في رفع الحجب أو إعادة الخدمة بشروط أمنية، بالتزامن مع حادثة اختراق بثّ التلفزيون الرسمي وبث رسائل داعمة للاحتجاج، ما يضيء على أنّ الصراع لم يعد فقط في الشارع، بل على "الرواية" أيضًا: من يملك صورة ما يحدث؟ ومن يملك تعريفه؟.

"الضفق الأقصى" بصيغة جديدة

وسط هذا السياق، جاءت مقاربة ترمب على خطّين متوازيين: خطّ سياسي رمزي يرفع سقف الاستهداف إلى مستوى القيادة، وخطّ اقتصادي عملي يوسّع دائرة الخناق.

ففكرة "قيادة جديدة" التي كررها ترمب تُقرأ كرسالة بأن واشنطن لا تتعامل مع إيران بوصفها "ملفًا نوويًا" فحسب، بل بوصفها "ملف نظام".

أما الأداة الاقتصادية الأحدث فكانت الإعلان عن تعرفة 25% على أي دولة تتعامل تجاريًا مع إيران، وهو ما وصفته قراءات عديدة بأنه شبيه بالعقوبات الثانوية لكن بلغة "الجمارك" التي تناسب خطاب ترمب الداخلي.

هنا يكمن جوهر التحوّل في المقاربة الأميركية: فهي لم تعد تكتفي بعزل إيران، بل تسعى لعزل من يتعامل معها. بهذا المعنى، لا يضغط ترمب على طهران وحدها، بل يضغط على "شبكتها" أيضًا: من يشتري منها أو يبيع لها. وهو انتقال من منطق "محاصرة الدولة" إلى منطق "معاقبة الحلقة التي تمدّها بالأكسجين".

وفي حال تم تطبيق هذه السياسة فعليًا، فإنها ستختبر موازين دقيقة مع قوى كبرى وشركاء اقتصاديين، لأنّ عزل إيران الكامل لا يعتمد على واشنطن وحدها، بل على استعداد الآخرين لدفع الكلفة.

معادلة خامنئي واستعارة "البيجر"

في المقابل، يقدّم خامنئي معادلة مزدوجة تصلح عنوانًا للمرحلة: "لسنا بصدد جرّ البلاد إلى الحرب، لكننا لن نترك المجرمين… ولا المجرمين الدوليين".

هي جملةٌ تبدو للوهلة الأولى "تهدئة"، إذ تعكس محاولة خامنئي ضبط التوازن بين رفع السقف وعدم الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لكنها عمليًا ترسم هامش حركة: لا حرب شاملة… مع إبقاء باب الردّ مفتوحًا وفق توقيتٍ تختاره طهران.

بكلام آخر، يحاول خامنئي الإمساك بالعصا من الوسط: لا حرب شاملة تُستنزف فيها البلاد، ولا تراجع في الداخل يُقرأ كضعف، ولا قبول بتدويل الاحتجاجات باعتبارها شأنًا داخليًا صرفًا. لذلك جاء قوله بصيغة تؤكد "التوازن"، وهو جوهر سياسة "الاحتواء".

لكنّ ما هو أكثر دلالةً في إدارة الداخل أن السلطة عملت على ترسيم الحدّ الفاصل بين "احتجاجات اقتصادية" يمكن الاعتراف ببعض مشروعيتها، وبين "أعمال شغب/إرهاب" تُستخدم لتبرير القبضة الأمنية.

وفي هذا الإطار جاء تشبيه ليلتي 8 و9 يناير بعملية "البيجر" في لبنان، بما يعني تحويل الحدث من سياق اجتماعي إلى سياق أمني مخطّط له، وتقديمه كحربٍ هجينة لا كأزمة حكم ومعيشة.

ثلاثة مسارات مفتوحة... إلى أين؟

يميل البعض إلى إدراج ما يجري في إيران ضمن "مناخ تغيير" أوسع في المنطقة، حيث تتجاور الانهيارات الاقتصادية مع التحولات السياسية والحروب المفتوحة. لكنّ المقارنة هنا تحتاج إلى حذر: إيران تمتلك جهازًا أمنيًا شديد التماسك، وخبرة طويلة في احتواء موجات الاحتجاج، وقدرة على تحويل الصراع إلى مواجهة مع الخارج عند الحاجة.

في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل تتابع الضربات: من عدوان حزيران الذي هزّ صورة الردع، وصولًا إلى ضربة كانون الأول 2025 التي كشفت هشاشة الاقتصاد، ثم دخول ترمب على الخط بسقفٍ شخصي ضد خامنئي وأداة اقتصادية تطال العالم كله. إذ تبدو إيران اليوم أمام استنزاف مركّب، وسط اقتصاد يتهاوى وشرعية تتآكل.

سيناريوهات المرحلة المقبلة؟

أمام هذا المشهد، يمكن رسم ثلاثة مسارات من دون جزم:

الأول: تصعيد مضبوط. يستمر ترمب في رفع الضغط الاقتصادي والدعم السياسي للشارع، وترد طهران بإجراءات قاسية في الداخل ورسائل ردع محسوبة في الخارج من دون فتح حرب شاملة، لأن كلفة الحرب على الطرفين أكبر من مكاسبها.

الثاني: استنزاف طويل. تتراجع وتيرة الشارع ميدانيًا تحت القمع، لكن الأزمة الاقتصادية تبقى مفتوحة، ويصبح كل انفجار لاحق أقرب وأوسع، فيما تُستخدم أدوات مثل الإنترنت والاعتقالات كـ"مكابح" دورية.

الثالث: انفلات غير مقصود. خطأ تقدير، أو حادثة أمنية كبيرة، أو توسّع في استهداف "الرأس" قد يدفعان الأمور إلى نقطة يصعب التحكم بإيقاعها، خصوصًا إذا تقاطعت الضغوط الداخلية مع لحظة إقليمية حساسة.

الاحتجاجات في إيران ليست حدثًا معزولًا؛ هي حلقة في موجة "تحوّل إقليمي" تُعيد اختبار شرعيات قديمة. لكنّها في الحالة الإيرانية جاءت بعد ضربتين، أمنية واقتصادية، قبل أن يتحوّل السجال مع ترمب إلى محاولة لفرض روايتين متقابلتين: "ثورة شعب" مقابل "فتنة مُدارة". فهل تتمكن إيران من إقفال آثار الضربة الأولى وكسر الضربة الثانية، أم أنّ كرة النار خرجت من يد الجميع وبدأت تتدحرج؟.

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا