في العاشر من محرّم، أول شهور السنة الهجرية، يستحضر ملايين الشيعة حول العالم قصة حدثت قبل أكثر من 1300 عاماً، تُعرف باسم "واقعة كربلاء".
في هذه الواقعة، قُتل الحسين بن علي، حفيد النبي محمد، عام 680 ميلادياً.
لكن عاشوراء، بالنسبة إلى الشيعة، ليست مجرد ذكرى تاريخية عابرةً، بل مناسبة دينية واجتماعية كبيرة، تُروى فيها قصة الحسين كحكاية رمزية عن مواجهة بين شخص رفض الظلم والتلّط، وبين من اختار الوقوف مع ما رآه حقاً ومن خضع للأمر الواقع.
لذلك تبقى هذه القصة حيّة في الذاكرة، وتعود كل عام بطقوس ومشاعر قوية.
كلمة "عاشوراء" تعني "اليوم العاشر" من شهر محرّم. ومحرّم هو أحد الأشهر الحرم في الإسلام، أي الأشهر التي لها مكانة خاصة.
لكن دلالات عاشوراء وطقوسها تختلف بين المسلمين.
عند كثير من المسلمين السنة، يُعد هذا اليوم مناسبة دينية يُستحب فيها الصيام، ويرتبط بقصة نجاة النبي موسى وبني إسرائيل من فرعون.
أما عند الشيعة، فيوم عاشوراء هو يوم حزن وحداد، لأنه اليوم الذي قُتل فيه الإمام الحسين بن علي.
والحسين ليس مجرد شخصية تاريخية عندهم، بل رمز ديني وأخلاقي كبير، فهو حفيد النبي محمد، وابن فاطمة الزهراء، ابنة النبي، وعلي بن أبي طالب، ويُعد ثالث الأئمة لدى الشيعة الاثني عشرية.
وتبدأ الذكرى منذ بداية شهر محرّم، إذ تتحول مدن وقرى كثيرة في لبنان والعراق وإيران وغيرها إلى فضاءات عزاء، وتستمر في أماكن عدة حتى "الأربعين"، أي بعد أربعين يوماً من مقتل الحسين.
لفهم عاشوراء، لا يكفي التوقف عند ما حدث في كربلاء، بل يجب العودة إلى السياق السياسي الذي سبقها.
بعد وفاة النبي محمد، نشأ خلاف بين المسلمين حول مسألة الخلافة، أي من يتولى قيادة الأمة. وتعاقب على الحكم من يُعرفون بالخلفاء الراشدين، قبل أن يدخل العالم الإسلامي في صراع داخلي كبير عُرف بالفتنة الكبرى، وبلغ ذروته في زمن الخليفة علي بن أبي طالب، والد الحسين.
انتهى هذا الصراع بتنازل الحسن بن علي، شقيق الحسين، عن الحكم لمعاوية بن أبي سفيان. وارتبط ذلك، في روايات تاريخية، باتفاق كان يفترض أن يترك مسألة الخلافة بعد وفاة معاوية لاختيار جديد، لا أن تتحول إلى وراثة مباشرة.
لكن معاوية مهّد خلال حكمه لانتقال السلطة إلى ابنه يزيد، فعيّنه ولياً للعهد. وكان هذا التحول من نظام يُفترض أنه قائم على الشورى إلى حكم وراثي نقطة خلاف أساسية، خصوصاً لدى شخصيات بارزة مثل الحسين بن علي.
بعد وفاة معاوية، انتقل الحكم إلى يزيد. وطُلب من الحسين أن يبايعه، أي أن يعلن اعترافه بشرعية حكمه. لكن الحسين رفض ذلك، لأنه رأى أن هذا التحول في الحكم، وما نُسب إلى يزيد من سلوك، لا ينسجمان مع القيم التي يؤمن بها في الإسلام، وأن مبايعته ستمنح شرعية لما كان يعتبره انحرافاً عن تلك القيم.
في تلك الفترة، وصلت إلى الحسين رسائل كثيرة من أهل الكوفة، في العراق اليوم، يدعونه فيها إلى القدوم إليهم، ويعدونه بالوقوف إلى جانبه. فخرج الحسين من مكة مع عائلته وعدد قليل من أصحابه، في رحلة كانت محفوفة بالمخاطر، لكنها كانت بالنسبة إليه موقفاً مبدئياً، لا مجرد تحرك سياسي.
لكن الدعم الذي وُعد به لم يتحقق كما كان متوقعاً. فقد اعترضت قوات تابعة للحكم الأموي طريق الحسين ومن معه، وأجبرتهم على التوقف في منطقة كربلاء، قرب نهر الفرات.
هناك بدأ الحصار. ومُنع الحسين وأصحابه وعائلته من الوصول إلى الماء، وهو تفصيل أصبح لاحقاً من أكثر مشاهد القصة حضوراً وتأثيراً في الذاكرة الشيعية.
وفي اليوم العاشر من محرّم، وقعت المعركة. كان عدد أنصار الحسين قليلاً جداً مقارنة بالجيش الذي واجهوه. وانتهت المعركة بمقتل الحسين ومعظم الرجال الذين كانوا معه، وبينهم أفراد من عائلته. أما النساء والأطفال، فأُسروا ونُقلوا إلى الكوفة، ثم إلى دمشق.
في مجالس العزاء تستعاد واقعة كربلاء كقصة بشخصيات بارزة، وهي على الشكل التالي:
في عاشوراء، يجتمع الشيعة في أماكن تُسمى "مجالس حسينية". في هذه المجالس، لا يتم فقط سرد الأحداث، بل تُروى بطريقة تجعل الحاضرين يشعرون وكأنهم يعيشونها.
البكاء في هذه المجالس ليس مجرد تعبير عن الحزن، بل يُعتبر عند الشيعة عملاً دينياً، وطريقة لإظهار التعاطف مع الحسين وأهل بيته. لذلك ترى الناس يبكون، ويرددون أناشيد حزينة تُسمى "لطميات"، ويشاركون في أجواء جماعية تعزز الشعور بالمشاركة في هذه الذكرى.
كما تُرفع الرايات السوداء في الشوارع، وتُقام مواكب عزاء، حيث يسير الناس معاً وهم يضربون صدورهم بشكل إيقاعي تعبيراً عن الحزن.
تختلف الطقوس من بلد إلى آخر، لكنها تشترك في فكرة أساسية: إعادة إحياء القصة بطريقة جماعية.
تُقام المجالس الحسينية يومياً خلال محرّم، حيث يشرح الخطيب الأحداث ويستخرج منها معاني دينية وأخلاقية. وتخرج المواكب في الشوارع، ويشارك الناس في اللطميات، وتُوزع الأطعمة والمياه مجاناً، في تذكير رمزي بعطش الحسين وأصحابه.
وفي بعض البلدان، تُعرض مشاهد تمثيلية تُعرف بـ"التعزية"، حيث يتم تجسيد أحداث كربلاء أمام الجمهور، مما يجعل القصة أكثر قرباً وتأثيراً.
أما بعض الممارسات مثل "التطبير"، فهي محل خلاف داخل المجتمع الشيعي نفسه، حيث يرفضها كثير من رجال الدين، بينما يتمسك بها البعض كتقليد قديم.
لا تُروى قصة كربلاء دفعة واحدة، بل تُبنى تدريجياً خلال ليالي محرّم، بحيث يعيش الحاضرون تطور الأحداث يوماً بعد يوم.
في الليالي الأولى، يركز الخطباء على شرح خلفية خروج الحسين، والظروف السياسية التي دفعته إلى اتخاذ موقفه. يتم الحديث عن رفضه مبايعة يزيد، وعن الرسائل التي وصلته من الكوفة، مما يضع المستمع في سياق القصة.
مع تقدم الأيام، تبدأ المجالس بسرد رحلة الحسين من مكة إلى كربلاء، ثم لحظة وصوله إلى هناك، وكيف بدأ الحصار. هنا يبدأ الشعور بالتوتر، لأن المستمع يعرف أن النهاية تقترب.
في الليالي الوسطى، يتم التوقف عند شخصيات محددة، وتُروى قصصها بتفصيل أكبر.
تُخصص مجالس للعباس، حيث تُروى قصة محاولته جلب الماء، ولمسلم بن عقيل الذي سبق الحسين إلى الكوفة، ولعلي الأكبر والقاسم، حيث يتم التركيز على مشاعر الفقد والشباب الذي قُتل.
في الليلة السابعة، يبرز موضوع العطش بشكل خاص. تُروى تفاصيل منع الماء، ومعاناة الأطفال والنساء، مما يجعل هذه الليلة من أكثر الليالي تأثيراً عاطفياً.
في اليوم التاسع، المعروف بتاسوعاء، يُعطى العباس مكانة خاصة، وتُروى قصته بشكل موسع، لأنه يمثل الأمل الأخير في كسر الحصار.
أما ليلة العاشر، فهي ليلة حاسمة في السرد. تُروى فيها اللحظات الأخيرة قبل المعركة، حيث يُقال إن الحسين جمع أصحابه وخيّرهم بين البقاء أو الرحيل، في مشهد يُستخدم لإبراز فكرة الاختيار والوفاء.
وفي اليوم العاشر، عاشوراء، تصل القصة إلى ذروتها. تُروى تفاصيل المعركة ومقتل الحسين، وتبلغ مشاعر الحزن أقصاها، وتخرج المواكب الكبرى، ويشعر المشاركون أنهم يعيشون اللحظة نفسها التي حدثت قبل قرون.
لا تُستعاد عاشوراء من خلال قصة كربلاء وحدها، بل أيضاً من خلال عبارات تحولت إلى شعارات حاضرة في المجالس والمواكب واللطميات.
من أبرزها العبارة المنسوبة إلى الحسين بن علي: "إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي"، وهي تُفهم في الوعي الشيعي على أن خروج الحسين لم يكن سعياً إلى سلطة، بل اعتراضاً على مسار سياسي وأخلاقي رأى أنه ابتعد عن قيم الإسلام.
وتحضر عبارة "بين السلة والذلة" لتلخص الخيار الذي وُضع أمامه الحسين: إما القتال والموت، أو الخضوع والمبايعة. ومن هذا المعنى تأتي عبارة "هيهات منا الذلة"، أي أن القبول بالذل ليس خياراً، حتى لو كان ثمن الرفض هو الموت.
أما عبارة "يا ليل طول ساعاتك"، فترد في المراثي واللطميات عادةً على لسان زينب بنت علي، أخت الحسين، أو نساء خيام كربلاء، كتعبير عن ثقل ليلة عاشوراء، الليلة الأخيرة قبل المعركة.
فهي ليست شعاراً سياسياً مباشراً، بل نداء حزين إلى الليل كي يطول قبل أن يأتي صباح الفاجعة.
بقيت عاشوراء حيّة لأن قصة كربلاء لا تُروى كحدث انتهى، بل كقصة رمزية مستمرة تحمل معاني إنسانية عميقة. فهي تتحدث عن الظلم والعدالة، وعن الاختيار بين الصمت والمواجهة.
لهذا السبب، يستخدم الشيعة قصة الحسين للتعبير عن هويتهم ومواقفهم، وللتأكيد على فكرة أن الوقوف مع الحق مهم، حتى لو كان الثمن كبيراً.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة