لم تعد تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض تعريفات جمركية على أوروبا مجرّد تصعيد تجاري عابر، بل باتت تُقرأ في الأسواق باعتبارها اختبارا مباشرا لمكانة الدولار.
فربط الرسوم بملف غرينلاند أدخل العملة الأميركية في قلب الجدل الجيوسياسي، وأثار تساؤلات حول حدود تحمل المستثمرين لاستخدام التجارة كسلاح ضغط سياسي.
وبينما تحذر بعض البنوك من عودة سيناريو "بيع أميركا"، تشير قراءات أخرى، نقلتها صحيفة وول ستريت جورنال، إلى أن القلق لا يزال مضبوطا ما لم يتحول التهديد إلى تصعيد فعلي.
وهدد ترامب -السبت- بفرض رسوم جمركية بنسبة 10%، اعتبارا من مطلع فبراير/شباط القادم، ترتفع إلى 25% مع بداية يونيو/حزيران المقبل، على 8 دول قامت بإرسال قوات عسكرية إلى غرينلاند.
بالمقابل أعلن الاتحاد الأوروبي أنه يدرس فرض عقوبات على الولايات المتحدة بقيمة 93 مليار يورو (98 مليار دولار)، تشمل رسوما جمركية وقيودا على دخول الشركات الأميركية للسوق الأوروبية، وذلك ردا على تهديدات ترامب لدول أوروبية تعارض خططه للسيطرة على الجزيرة
وأضاف جوكس أن مستثمري القطاع العام في أوروبا قد "يتوقفون عن زيادة حيازاتهم أو يبدأون في البيع"، لكن الوضع "يحتاج إلى تصعيد أكبر بكثير" قبل أن يُضحوا بأدائهم الاستثماري لأسباب سياسية.
وأشار جوكس إلى أن الدولار اليوم "أرخص مما كان عليه قبل عام"، وأن آفاق النمو الأميركي "أكثر إشراقا" مقارنة بالفترة التي أعقبت الرسوم الواسعة في أبريل/نيسان الماضي، ما يمنح العملة هامش صمود إضافي.
في المقابل، حذر ديريك هالبيني من بنك "إم يو إف جي" من أن تهديدات ترامب قد تدفع المستثمرين إلى "تقليص انكشافهم على الدولار"، معتبرًا أن الأسواق بدأت تُسعّر احتمال عودة تداولات "بيع أميركا".
ووفق وول ستريت جورنال، تراجع مؤشر الدولار "دي إكس واي" بنحو 0.2% إلى مستوى يقارب 99.166 نقطة.
ورغم تواضع الحركة، يرى هالبيني أن الأثر قد يتسارع إذا تحولت الرسوم من ورقة ضغط إلى سياسة ثابتة تجاه الحلفاء، لأن ذلك يربط الدولار مباشرة بسلوك سياسي غير قابل للتنبؤ.
ويعني هذا، في نظر بعض المستثمرين، أن مخاطر الدولار لم تعد مرتبطة فقط بالعجز أو السياسة النقدية، بل أيضًا بتوظيفه كأداة نفوذ جيوسياسي.
أمام هذه الضغوط، سجّلت العملات الأخرى تحركات محسوبة، فقد ارتفع اليورو إلى نحو 1.1625 دولار، بينما صعد الين الياباني مستفيدًا من تراجع شهية المخاطر، وفق بيانات مجموعة لندن للأوراق المالية.
وفي هذا السياق، قال كريستوفر كيار لومهولت من بنك دانسكه إن السوق تتعامل مع تهديدات غرينلاند "من دون ذعر"، مشيرا إلى أن أي تصعيد كبير قد يضغط على الدولار بقدر ما يضغط على العملات الأوروبية.
أما الجنيه الإسترليني، فظل شديد الحساسية لتحركات الدولار، في إشارة إلى أن بوصلة الأسواق لا تزال موجّهة أساسًا نحو العملة الأميركية.
وترى ثو لان نغوين من بنك كومرتس بنك أن مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية قد تدخل دائرة الاختبار إذا تحولت الرسوم إلى بديل عن الأدوات التقليدية في فرض النفوذ.
وحذرت من أن أي تصعيد واسع قد يهدد تدفقات رؤوس الأموال التي تموّل العجز الكبير في الحساب الجاري الأميركي.
ومع ذلك، تُجمع التحليلات التي نقلتها وول ستريت جورنال على أن الأسواق، حتى الآن، تراقب الدولار أكثر مما تُعاقبه، في انتظار ما إذا كان ملف غرينلاند سيظل ورقة ضغط مؤقتة، أم يصبح نقطة تحوّل في علاقة العملة الأميركية بالسياسة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة