منذ أن بدأ علماء الفيزياء الشمسية دراسة الشمس بتفصيل أكبر خلال القرن العشرين، ظل سؤال واحد يحيرهم: لماذا تبلغ حرارة الهالة الشمسية ملايين الدرجات، بينما لا تتجاوز حرارة سطح الشمس المرئي نحو 5500 درجة مئوية؟
يبدو هذا الأمر مخالفا للمنطق، إذ يُفترض أن تنخفض الحرارة كلما ابتعدنا عن مصدرها. وعلى مدى عقود ركزت النظريات على دور البلازما والمجالات المغناطيسية والجسيمات المشحونة في نقل الطاقة، لكن دراسة جديدة قدمت عنصرا لم يكن يحظى باهتمام كبير من قبل، وهو الغبار الشمسي (Solar Dust).
اعتمدت الدراسة على البيانات التي جمعها مسبار باركر الشمسي (Parker Solar Probe) التابع لوكالة الفضاء الأمريكية ( ناسا)، والذي اقترب من الشمس أكثر من أي مركبة فضائية في التاريخ، ليمنح العلماء فرصة غير مسبوقة لدراسة بيئة الهالة الشمسية من مسافة قريبة جدا.
وقد اقترب المسبار من الهالة الشمسية حتى مسافة تقارب 6.1 ملايين كيلومتر، لكنه لم يكن يحمل جهازا مخصصا لرصد الغبار، لأن العلماء كانوا يعتقدون أن درجات الحرارة المرتفعة في تلك المنطقة كفيلة بتبخير أي حبيبات غبار قبل أن تؤثر في البيئة المحيطة.
ورغم ذلك، سجلت الهوائيات وأجهزة قياس المجالات المغناطيسية والإشارات الراديوية، ارتفاعات مفاجئة في الجهد الكهربائي. وبعد تحليل البيانات، توصل فريق البحث إلى أن هذه الإشارات تنتج عندما تصطدم حبيبات غبار دقيقة جدا بالمسبار بسرعات هائلة، فتولد سحبا من الجسيمات المشحونة يمكن رصدها إلكترونيا.
وأوضح الباحث الرئيس "سيد أياز" من جامعة ألاباما- هونتسفيل أن الدراسة تضيف عنصرا جديدا إلى فهم آليات انتقال الطاقة في الغلاف الجوي للشمس، بعدما ركزت الدراسات السابقة على الإلكترونات والأيونات والبلازما فقط.
تشير الدراسة إلى أن حبيبات الغبار تكتسب شحنة كهربائية في البيئة القريبة من الشمس، ثم تتفاعل مع المجال المغناطيسي الذي تحمله الرياح الشمسية، مما يؤثر في "موجات ألففين" (Alfvén waves)، وهي موجات مستعرضة تنتشر عبر البلازما على طول خطوط المجال المغناطيسي، وتنقل جزءا كبيرا من الطاقة داخل الغلاف الجوي للشمس.
ويعتقد العلماء منذ سنوات أن هذه الموجات تؤدي دورا رئيسيا في تسخين الهالة الشمسية وتسريع الرياح الشمسية، إلا أن الدراسة الجديدة تقترح أن الغبار قد يكون عنصرا مؤثرا في هذه العملية.
فبحسب الباحثين، قد تضيف حبيبات الغبار قصورا ذاتيا للبلازما يسمح للطاقة بالانتقال إلى مسافات أبعد داخل الهالة، أو أن شحنتها الكهربائية تعزز التفاعلات بين الجسيمات والمجال المغناطيسي، فتتحول الطاقة إلى حرارة بصورة أكثر تركيزا.
وقال سيد أياز: "إذا كانت كتلة الغبار هي العامل المسيطر، فقد تنتقل طاقة موجات ألففين إلى مسافات أبعد داخل الهالة، أما إذا غلب تأثير الشحنة الكهربائية، فقد تتحول الطاقة محليا إلى تسخين للجسيمات".
وأضاف: "السؤال الأكثر إثارة هو: هل الغبار مجرد عابر بالقرب من الشمس، أم أنه يسهم بالفعل في تحويل الطاقة الكهرومغناطيسية إلى حرارة وحركة للرياح الشمسية؟ نتائج قد تغير تصميم بعثات الشمس المقبلة".
يرى الباحثون أن هذه النتائج قد تدفع وكالات الفضاء إلى إعادة التفكير في تصميم المهمات المستقبلية لدراسة الشمس، عبر تزويدها بأجهزة متخصصة لرصد الغبار وخصائصه بالقرب من النجم.
ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على فهم سبب ارتفاع حرارة الهالة الشمسية، بل تمتد إلى تحسين نماذج تشكل الرياح الشمسية التي تؤثر مباشرة في الطقس الفضائي، والأقمار الصناعية، وأنظمة الاتصالات والملاحة على الأرض.
ويثبت هذا الاكتشاف أن التقدم العلمي لا يعتمد دائما على اكتشاف أجسام جديدة، بل أحيانا على إعادة النظر في عناصر ظُنّ طويلا أنها غير مهمة. فقد يقود الغبار، الذي كان يُعتقد أنه يتبخر سريعا قرب الشمس، إلى تفسير لغز حيّر العلماء لعقود.
ومع استمرار المهمات الفضائية وتطور أدوات الرصد، تتوسع قدرتنا على فهم النجم الذي تعتمد عليه الحياة على الأرض، مؤكدة أن الاستثمار في البحث العلمي هو الطريق إلى كشف أسرار الكون وتسخيرها لخدمة البشرية.
نُشرت نتائج هذه الدراسة في 1 يوليو/تموز 2026 في مجلة "أستروفيزكال جورنال" (The Astrophysical Journal)، لتفتح بابا جديدا أمام أبحاث فيزياء الشمس، وربما تعيد صياغة أحد أكثر الألغاز الفلكية استعصاء.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة