تتجه الجهات الرقابية في أوروبا إلى توسيع رقابتها على انكشاف البنوك لمخاطر موجات الحر، مع تسارع الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الظواهر المناخية المتطرفة في القارة الأسرع احترارا في العالم، وتحول الحرارة من ملف صحي وبيئي إلى خطر ائتماني قد يؤثر على القروض والتأمين وجودة الأصول.
وحسب ما نقلته بلومبيرغ عن متحدث باسم الهيئة المصرفية الأوروبية، تعمل الهيئة على تطوير أدوات لقياس الأثر المالي للحرارة الشديدة، بما قد يفتح الباب أمام إدراج موجات الحر لاحقا كفئة مستقلة في اختبارات الضغط الدورية التي تقيس قدرة البنوك على تحمل الخسائر.
تأتي الخطوة بينما تستعد الهيئة المصرفية الأوروبية لاختبار ضغط واسع في 2027 يدمج مخاطر المناخ ضمن منهجيته، بمشاركة 63 بنكا من الاتحاد الأوروبي والنرويج، بينها 47 بنكا من منطقة اليورو، تغطي نحو 75% من القطاع المصرفي الأوروبي.
وتقول الهيئة إن اختبارات الضغط الأوروبية تُنفذ بالتعاون مع المجلس الأوروبي للمخاطر النظامية والبنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية، بهدف تقييم قدرة البنوك على مواجهة تطورات سلبية محتملة في الأسواق والاقتصاد.
كانت وكالة البيئة الأوروبية قدرت الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الظواهر المرتبطة بالطقس والمناخ في الاتحاد الأوروبي بنحو 822 مليار يورو (938 مليار دولار) بين 1980 و2024 ، منها أكثر من 208 مليارات يورو (237 مليار دولار) بين 2021 و2024 .
وتظهر بيانات الوكالة أن السنوات الأربع الأخيرة كانت كلها ضمن أعلى 5 سنوات من حيث الخسائر السنوية منذ 1980.
وتوضح بيانات وكالة البيئة الأوروبية أن الفيضانات استحوذت على 47% من إجمالي الخسائر المناخية والطقسية في الاتحاد الأوروبي بين 1980 و2024، بينما تسببت موجات الحر وحدها في نحو 18% من الإجمالي، في إشارة إلى أن الحرارة لم تعد خطرا غير مباشر أو محدود الأثر.
كما ارتفع متوسط الخسائر السنوية إلى 44.9 مليار يورو (51.3 مليار دولار) في الفترة بين 2020 و2024 ، مقارنة بنحو 8.6 مليارات يورو في ثمانينيات القرن الماضي (9.8 مليارات دولار).
ورغم ذلك، تبقى الحرارة أصعب في القياس من الفيضانات والحرائق، لأن أثرها لا يظهر فقط في تلف الأصول المادية، بل يمتد إلى إنتاجية العمالة، وأداء القطاعات الاقتصادية، والطلب على الطاقة، والإنتاج الزراعي، والنشاط الاقتصادي الأوسع.
لذلك يركز اختبار الضغط المقبل على مخاطر الفيضانات، حيث يمكن ربط خرائط المخاطر بمواقع الأصول العقارية والضمانات، بما يتيح تقدير خسائر أكثر اتساقا بين البنوك.
وتقول وكالة البيئة الأوروبية إن أوروبا هي القارة الأسرع احترارا في العالم، وإن مخاطر المناخ تهدد أمن الطاقة والغذاء، والبنية التحتية، والموارد المائية، والاستقرار المالي وصحة السكان، كما تشير بيانات كوبرنيكوس إلى أن أوروبا ترتفع حرارتها منذ ثمانينيات القرن الماضي بوتيرة تعادل ضعفي المتوسط العالمي تقريبا.
وتظهر خريطة المخاطر الحرارية التابعة لوكالة البيئة الأوروبية أن عدد الأيام الحارة والليالي الاستوائية مرشح للزيادة بشكل كبير في أنحاء أوروبا، وأن 46% من المستشفيات و43% من المدارس في المدن الأوروبية تقع في مناطق أكثر حرارة بدرجتين مئويتين على الأقل من المتوسط الإقليمي، ما يعكس هشاشة البنية الحضرية أمام موجات الحر.
وبالنسبة للبنوك، قد تؤدي موجات الحر إلى تراجع إنتاجية الشركات المقترضة، وارتفاع كلفة الطاقة والتأمين، وانخفاض قيمة بعض الضمانات العقارية، وزيادة احتمالات التعثر في قطاعات مثل الزراعة والبناء والسياحة والنقل، كما يمكن أن تضغط الخسائر غير المؤمن عليها على ميزانيات الشركات والأسر، خصوصا أن وكالة البيئة الأوروبية تقدر أن أقل من 20% من الخسائر المناخية والطقسية في الاتحاد الأوروبي بين 1980 و2024 كانت مؤمنا عليها من القطاع الخاص.
وحسب بلومبيرغ، بدأت بعض البنوك تعديل سياساتها الائتمانية بناء على الانكشاف المادي للعملاء أمام تغير المناخ، ويظهر إطار المخاطر لدى بنك "بي بي في إيه" الإسباني أن البنك يدمج مخاطر المناخ بوصفها مصدرا للمخاطر المالية ضمن إدارة المحافظ ومراجعة العملاء وعمليات منح التمويل، بما يعكس انتقال الملف من الإفصاح الطوعي إلى صميم قرارات الائتمان.
وقال عضو المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي فرانك إلدرسون في خطاب خلال الشهر الجاري إن الشركات منخفضة الانبعاثات، وتلك التي تمتلك خططا انتقالية موثوقة لخفض الانبعاثات، تستفيد من شروط إقراض أفضل مقارنة بالشركات الأعلى انبعاثا التي لا تملك خططا انتقالية مقنعة.
ويتزامن التحرك الرقابي مع نقاش سياسي أوسع داخل الاتحاد الأوروبي بشأن حماية السكان من موجات الحر والحرائق، ومن المقرر أن يناقش البرلمان الأوروبي غدا الأربعاء استجابة الاتحاد واستعداده لحماية المواطنين من موجات الحر المتكررة وحرائق الغابات المقبلة، بعدما دفع تصاعد الكوارث المناخية إلى توسيع أدوات الاستجابة والتمويل الأوروبي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة