في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
منذ إطلاقه في ديسمبر/كانون الأول 2014، تحول المسبار الياباني "هايابوسا-2" (Hayabusa2) إلى أحد أنجح مشاريع استكشاف الكويكبات في تاريخ علوم الفضاء. فقد نجح في جمع عينات من الكويكب "ريوغو" (Ryugu) وإعادتها إلى الأرض في عام 2020، في إنجاز جعل اليابان في طليعة الدول القادرة على إعادة مواد من جرم سماوي إلى المختبرات الأرضية.
واليوم يضيف المسبار إنجازا جديدا إلى سجله، بعدما اقترب من الكويكب "توريفوني" (Torifune) والتقط له صورا عالية الدقة خلال مرور خاطف يُعد من أقرب عمليات التحليق السريع التي نفذتها مركبة فضائية حول كويكب.
وأعلنت وكالة الفضاء اليابانية (جاكسا) أن المسبار نجح في تنفيذ التحليق كما خُطط له، وأرسل أولى الصور العلمية إلى مركز التحكم، في خطوة تمنح الباحثين فرصة جديدة لدراسة الأجسام الصغيرة القريبة من الأرض.
نفذ المسبار مروره بالقرب من الكويكب "توريفوني" في الخامس من يوليو/تموز 2026، بينما كان الجرم يبعد نحو 100 مليون كيلومتر عن الأرض. ويبلغ قطر الكويكب نحو 450 مترا، ويتميز بشكل ثنائي الفصوص، إذ يبدو وكأنه جسمان صخريان التحما معا عبر الزمن، وهو شكل رُصد سابقا في عدد محدود من الكويكبات.
والتقطت الكاميرا البصرية للمسبار صورة مفصلة أظهرت سطحا مليئا بالصخور والحفر بأحجام مختلفة، فيما استخدمت الكاميرا العاملة بالأشعة تحت الحمراء المتوسطة لرسم خريطة حرارية للكويكب.
وكشفت هذه الصورة أن المناطق الواقعة في الظل أكثر برودة بصورة واضحة، بينما ارتفعت درجات الحرارة في الأجزاء المواجهة للشمس، وهو ما يسمح للعلماء بدراسة الخشونة السطحية والقصور الحراري وخصائص المادة الصخرية التي يتكون منها الكويكب.
وأكدت وكالة "جاكسا" أن بيانات القياسات العلمية الأخرى التي جمعها المسبار ستُنقل إلى الأرض خلال الفترة المقبلة بعد معالجتها.
لم يكن المرور بجوار "توريفوني" جزءا من الخطة الأساسية لمهمة "هايابوسا-2″، بل أُضيف لاحقا بعد انتهاء المهمة الرئيسة الخاصة بـ"ريوغو". ولذلك وصف أحد أعضاء الفريق العلمي للمسبار العملية سابقا بأنها "عملية عالية المخاطر" بسبب محدودية المعلومات المتوافرة عن الكويكب قبل الاقتراب منه، واحتمال وجود مفاجآت قد تؤثر في سلامة المركبة أو جودة الرصد.
وينتمي "توريفوني" إلى مجموعة كويكبات أبولو، وهي مجموعة تضم كويكبات تعبر مداراتها مدار الأرض حول الشمس، ما يجعل دراستها ذات أهمية كبيرة لفهم تطور الكويكبات القريبة من الأرض، وكذلك لتحسين نماذج تقييم المخاطر المستقبلية.
ويدور الكويكب حول الشمس مرة كل 383 يوما (سنة واحدة و18 يوما)، بينما يكمل دورة حول نفسه كل 5 ساعات تقريبا، وهي معلومات تساعد العلماء على تفسير توزيع الحرارة على سطحه وطبيعته الجيولوجية.
تُعد مهمة "هايابوسا-2" هذه امتدادا طبيعيا للنجاح الكبير الذي حققه المسبار مع الكويكب "ريوغو"، حيث أعاد عينات منه إلى الأرض في ديسمبر/كانون الأول 2020 بعد رحلة استغرقت ست سنوات.
ومنذ ذلك الحين كشفت الدراسات العلمية على العينات عن معلومات ثمينة حول بدايات النظام الشمسي، كما عثر الباحثون على جميع القواعد النيتروجينية الخمس التي تدخل في تركيب الحمضين النوويين "دي إن إيه" (DNA)، و"آر إن إيه" (RNA)، وهو اكتشاف عزز الاهتمام بدراسة الكويكبات بوصفها مستودعات تحفظ مواد بدائية تعود إلى نشأة المجموعة الشمسية.
ولا تتوقف رحلة المسبار عند هذا الحد، إذ يتجه حاليا نحو هدفه النهائي، الكويكب "كيه واي 26" (1998 KY26)، الذي لا يتجاوز قطره 11 مترا، ليصبح أصغر كويكب تزوره مركبة فضائية إذا نجحت المهمة عند وصولها المتوقع في عام 2031.
وتأمل "جاكسا" أن يدور المسبار حول هذا الجرم ثم يحاول الهبوط على سطحه، بما يوفر بيانات غير مسبوقة عن بنية الكويكبات الصغيرة وتماسكها الداخلي.
يثبت نجاح "هايابوسا-2" مرة أخرى أن الاستكشاف الفضائي لا يقتصر على الوصول إلى الأهداف المخطط لها، بل يمتد إلى اغتنام الفرص العلمية الجديدة حتى بعد انتهاء المهمة الأصلية.
فكل كويكب تتم دراسته يضيف صفحة جديدة إلى قصة نشأة النظام الشمسي، ويعزز قدرتنا على فهم الأجسام القريبة من الأرض والاستعداد لأي مخاطر مستقبلية. وإن الاستثمار في البحث العلمي واستكشاف الفضاء هو استثمار في معرفة أصولنا الكونية وصناعة مستقبل أكثر أمانا وتقدما.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة