توفي في السجن يوم أمس، قائد صرب البوسنة راتكو ملاديتش، وهو الذي اشتهر بلقب "جزار البوسنة" لما قام به خلال حروب البلقان في تسعينيات القرن الماضي.
مراسل بي بي سي الخاص ألان ليتل كان هناك طوال فترة تفكك يوغوسلافيا السابقة، والتقى ملاديتش في الأشهر الأولى من حرب البوسنة.
كان بإمكانك مشاهدة نيران التطهير العرقي ليلاً عبر الأفق. وكانت ألسنة اللهب الضوء الوحيد تحت سماء الليل، وكان الوادي الأسود يشعّ ببقع برتقالية.
كان بإمكانك أن ترى رجال قريتنا يتحركون بصمت في ظلال منازلهم، وكل واحد منهم يحمل سلاحاً عتيقاً استُعيد من حروب غابرة، وانتقل، مثل المخاوف والشكوك وانعدام الثقة، من جيل إلى آخر.
في أحد الصباحات شاهدتُ موكباً من الرجال والنساء يخرج من غابة. كانوا قد طُردوا من منازلهم قبل يومين وفرّوا بما استطاعوا حمله.
كان معظمهم يسير على الأقدام. وتكدّس البعض في مركبات زراعية قديمة تجرّها الحمير. كان عددهم ربما 40 ألفاً. سقطت بلدتهم بيدِ قوات صربية تقدّمت دون سابق إنذار.
ومن بين هؤلاء، توقف رجل - بدا قريباً من الانهيار - ليتحدث إلينا.
قال إنّ القرية بكاملها فرّت. انفصل عن زوجته خلال الرحلة الطويلة إلى برّ الأمان، كان قلقاً من عدم تمكنها من الوصول. كانت بشرته الشاحبة، البيضاء إلى حد اللون الشفاف، مشدودة فوق عظام وجهه مثل الرقّ (الجلد الرقيق الجاف). وكانت جبهته زرقاء داكنة بسبب حادثة سقوط.
سألتُه عن عمره. أجاب قائلاً: 80 عاماً. فقلت: "هل يمكنني أن أسأل، أنت كرواتي أم مسلم؟".
هذه الذكرى تملؤني خجلاً حتى الآن وأنا أسمع في ذهني إجابته تتردد عبر السنين.
قال: "أنا موسيقي".
تصنيفاتنا العرقية المبسطة اختزلتهم إلى صرب وكروات ومسلمين. لكنهم كانوا أيضاً موسيقيين وعلماء وأطباء وسباكين ومزارعين وأمهات وآباء وإخوة وأخوات، وفي كثير من الأحيان أطفالاً.
التقيت ملاديتش في ذلك الصيف الحار الأول من الحرب في البوسنة. كنا في ثكنات لوكافيتسا على الحافة الجنوبية لسراييفو. وكانت تعج بالأسلحة وبِخطى أفراد القوات شبه العسكرية المُهدِدة.
كان بإمكانك شراء بندقية كلاشنيكوف مقابل 200 دولار، وقنبلة يدوية مقابل دولار واحد فقط، علمتُ بعد ذلك، أنّ هذا كان يوازي ثمن بيضة طازجة في المدينة المحاصرة.
صافحتُه فأمسك بيدي بقوة وجذبني إليه. أخبرني أنه عاد للتو من خط الجبهة في وسط مدينة سراييفو، ورأيتُ أنه كان مشحوناً بالحماسة التي يثيرها القرب من موقع القتال.
ظل ممسكاً بيدي لعدة دقائق، وحدّق فيّ بعينيه، وأخبرني أنه كان المُدافع الشديد عن الأُخوّة والوحدة في يوغوسلافيا السابقة، وأنه كان يحلم بعالم لا بنادق فيه ولا حروب. بدا لي حينها متشدداً، وعلى نحو خطير.
في السنوات التي تلت، ارتكبت القوات الخاضعة لقيادته أسوأ جرائم حرب على الأراضي الأوروبية منذ حقبة النازيين. وأضافت إلى معجم الحرب تعبيراً قاتماً ملطفاً جديداً - "التطهير العرقي". وارتكبت هذه القوات جرائم قتل جماعي وإبادة واغتصاب جماعي وعمليات طرد قسري. وأحرقت قرية تلو أخرى، وكل ذلك باسم إنشاء إقليم صربي نقي عرقياً في كرواتيا وصربيا. وفي نهاية المطاف، ارتكبت إبادة جماعية في سربرينيتسا.
بعد يومين من لقائي بالموسيقي العجوز بجانب ذلك الطريق الرطب الموحل، وجدتُ نفسي في ذلك الوقت منجذباً إلى انفعالات الحرب بطريقة شخصية ومدمرة.
قُتل مصور الكاميرا الخاص بي، تيهومير تونوكوفيتش، وهو رجل عرفتُه وعملتُ إلى جانبه خلال الأشهر الثمانية عشر السابقة، على يد رامٍ صربي كان يتمركز على مرتفع فوق الطريق حيث كان يقود سيارته. كنا قد افترقنا في وقت سابق من ذلك الصباح. وكان يبلغ من العمر 25 عاماً، وكان صانع أفلام، شاباً موهوباً وطموحاً من زغرب.
نقلنا جثمانه بالسيارة عبر المسارات الجبلية الوعرة إلى مدينة سبليت الساحلية. وتحطمت قلوبنا في جنازته. ربطنا الحزن عليه بالمشاعر التي غذّت الحرب - نزعة الانتقام والانتقام المضاد - اللذين كانا سمة بارزة في كثير مما كنا نشهده.
لم يضغط الجنرال ملاديتش على الزناد، لكن قيادته خلقت أجواء من التساهل المنفلت الذي أودى بحياة عشرات الآلاف.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة