بلغ مجموع الأحكام الصادرة في القضايا المرفوعة ضد رئيس حركة النهضة الإسلامية في تونس راشد الغنوشي 76 عامًا، بعد صدور حكم يقضي بسجنه مدة 20 سنة، في قضية ما يُعرف بـ "المسامرة الرمضانية" ما يطرح تساؤلات حول طبيعة التهم الموجهة إليه ووضعه داخل السجن.
والثلاثاء الماضي، أصدرت محكمة تونسية حكما بسجن زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، البالغ من العمر 84 سنة، لفترة 20 عامًا بتهمة " التآمر على أمن الدولة ".
كما شملت العقوبة القياديين في الحركة يوسف النوري وأحمد المشرقي بالمدة نفسها، بينما صدر حكمٌ بالسجن أيضا 20 عاما مع النفاذ العاجل، بحقّ 3 قياديين آخرين موجودين خارج البلاد، وهم صهر الغنوشي ووزير الخارجية الأسبق رفيق عبد السلام، والمعارضان ماهر زيد وهو برلماني سابق ومحمد الصامتي وهو مدوّن.
كما قضت المحكمة بالسجن 3 سنوات بحق 6 متهمين بحالة سراح، بينهم القياديان في "النهضة" والبرلمانيان السابقان محمد القوماني وبلقاسم حسن ونشطاء آخرين.
كانت ليورونيوز فرصة الحديث إلى سمية الغنوشي ابنة الغنوشي وعضو هيئة الدفاع مختار الجماعي وسؤالهما عن خلفيات الاتهامات ومآلها.
كشفت سمية الغنوشي تفاصيل اعتقال والدها، زعيم حركة النهضة في تونس، مشيرة إلى أن العملية جرت في أجواء وصفتها بالقاسية بعد محاصرة منزل العائلة واقتحامه قبيل الإفطار خلال ليلة السابع والعشرين من رمضان، فيما أكد عضو هيئة الدفاع مختار الجماعي أن المسار القضائي المتعلق بالملف يتجه نحو مزيد من التعقيد، مع احتمال توسّع التتبعات لتشمل جوانب إضافية قد تطال الممتلكات.
وأوضحت سمية الغنوشي لـ "يورونيوز" أن عملية التفتيش شملت حجز وثائق وأوراق شخصية، من بينها مذكرات خاصة، معتبرة أن لحظة الإيقاف شكّلت صدمة عائلية عميقة، خاصة في سياقها الرمزي والديني، كما لفتت إلى استمرار القيود على الزيارات وظروف الاحتجاز التي وصفتها بالصعبة.
وعن عملية الإيقاف التي جرت قبل ثلاث سنوات، قالت سمية الغنوشي، ابنة راشد الغنوشي ورئيسة تحرير موقع "ميم" أنه "تمت محاصرة منزل العائلة خلال ليلة السابع والعشرين من رمضان واقتحامه من قبل فرق أمنية قبيل موعد الإفطار".
وأضافت الغنوشي في حديثها لـ "يورونيوز" أن عملية التفتيش كانت دقيقة وشملت الاستيلاء على وثائق وأوراق شخصية، من بينها مذكّرات والدها الخاصة، قبل اقتياده في موكب أمني إلى جهة غير معلومة في البداية، ما جعل العائلة تعيش حالة من الغموض والصدمة، وفق تعبيرها.
ووصفت سمية الغنوشي لحظة الاعتقال بأنها "كانت قاسية ومؤلمة، إذ جرت في وقت كان والدها يستعد للإفطار مع أسرته، معتبرة أن ذلك شكّل تحوّلًا لليلة دينية رمزية إلى ذكرى صعبة في وجدان العائلة".
كما أشارت إلى أن طريقة التدخل الأمني بدت بعيدة عن المعايير المهنية، وأقرب إلى "اقتحام عنيف" خلّف أثرًا نفسيًا عميقًا، على حد تعبيرها.
وعن رد فعل والدها لحظة الإيقاف، قالت سمية الغنوشي إنه حافظ على هدوئه ورباطة جأشه، وظل جالسًا في مكتبه دون مقاومة، في حين لم يتمكن أفراد العائلة في البداية من معرفة مكان احتجازه أو التواصل معه، معتبرة أن الإيقاف اتخذ طابعًا شبيهًا بالاختطاف في ساعاته الأولى.
ولم تتمكن العائلة من التواصل مع الغنوشي إلاّ لاحقًا خلال مراحل التحقيق، بحسب سمية الغنوشي التي أشارت إلى ظروف احتجاز صعبة تتعلق بطول ساعات الاستجواب، والإرهاق، والقيود المفروضة على بعض الحقوق الأساسية.
كما أكدت أن الزيارة العائلية لا تزال مقيدة، حيث تُجرى خلف حاجز زجاجي، وهو ما تعتبره العائلة إجراءً مهينًا مقارنة بما كان معمولًا به في فترات سابقة.
واعتبرت سمية الغنوشي أن ما يحدث لوالدها يدخل في سياق سياسي، وأن "الأحكام الصادرة بحقه والمتزايدة في عددها تعكس طبيعة المنظومة القضائية الحالية"، مؤكدةً أن والدها قاطع جلسات المحاكمة واعتبرها "غير عادلة"، وفق تعبيرها.
وختمت الغنوشي حديثها بالإشارة إلى تقرير مجموعة العمل المعنية بالاحتجاز التعسّفي التابعة للأمم المتحدة، مشدّدة على أن مطلب العائلة اليوم يتمثل في إطلاق سراحه فورًا، خاصة مع تقدمه في السن وتدهور وضعه الصحي.
أما عضو هيئة الدفاع عن القيادي الإسلامي مختار الجماعي، فقد شدد على أن القضايا المرفوعة ضد موكّله ذات طابع سياسي، مؤكداً وجود اهتمام متزايد من منظمات حقوقية دولية بالملف، مع إمكانية اللجوء إلى مسارات قانونية خارجية في المرحلة المقبلة، في ظل ما اعتبره غياباً لشروط المحاكمة العادلة.
.
كما اعتبر المحامي مختار الجماعي، أن المسار القضائي الحالي لا يبدو أنه يسير باتجاه التخفيف، بل نحو مزيد من الملاحقات، مشددًا على أن جوهر القضايا الموجهة ضد موكله لا يتصل بملفات فساد مالي، بل بقضايا ذات طابع سياسي أو مرتبط بحرية التعبير والنشاط العام، على غرار قضايا "المسامرة" أو "الجلسة العامة الافتراضية"، أو ملفات تتعلق بتبرعات أو شكايات ذات خلفيات مختلفة.
وأكد الجماعي في تصريحه لـ "يورونيوز" أن الغنوشي تمسّك منذ البداية بموقف يعتبر فيه أن ما يتعرض له هو محاكمات ذات طابع سياسي، وأن قرار الإيداع بالسجن سياسي في جوهره، على حد تعبيره، ولا يمكن تجاوزه إلا بقرار سياسي، مضيفًا أن موكله يرفض حضور الجلسات في ظل ما يعتبره غياب شروط المحاكمة العادلة.
وعن تقييمه للأحكام الصادرة، أشار المحامي إلى أن هذه القرارات لا يمكن فصلها عن السياق العام للمسار القضائي، الذي وصفه بأنه يعيش حالة من الاهتزاز على المستويين الداخلي والدولي، مستشهدًا بانتقادات صادرة عن هياكل مهنية قضاة وتطورات مؤسساتية شهدها القطاع بعد سنة 2021.
كما لفت إلى أن هيئة الدفاع لاحظت منذ البداية وجود ما يعتبره "تكثيفًا في الملفات" الموجهة ضد موكله، معتبراً أن الاعتقال في حد ذاته جاء نتيجة مسار متدرّج من التتبعات، انتهى بقرار إيقاف في أبريل نيسان 2023، تلته تحقيقات شابتها بعض الإخلالات الإجرائية، من بينها ما يتعلق بظروف الاستنطاق والضغط النفسي، على حد قوله.
وفي ما يخص ظروف الاعتقال، أوضح الجماعي أن وضعية السجون في تونس بوجه عام تعاني من صعوبات تتعلق بالرعاية الصحية والإحاطة النفسية، مشيرًا إلى أن الغنوشي، بحكم سنّه المتقدم ووضعه الصحي، يتأثر بهذه الظروف، رغم محاولات إدارة السجن التخفيف من حدتها، حسب تعبيره.
وأضاف أن موكله سيبلغ قريبًا سن الخامسة والثمانين، مع وجود معطيات صحية تتطلب متابعة دقيقة، وهو ما يجعل استمرار الاحتجاز محلّ إشكال إنساني وقانوني.
وفي ما يتعلق بإمكانية تدويل القضية من عدمها، أشار الجماعي إلى أن ملف الغنوشي يحظى باهتمام من منظمات وهيئات حقوقية دولية، من بينها آليات تابعة للأمم المتحدة، لافتًا إلى وجود تحركات قانونية تهدف إلى التعريف بالقضية ورفعها أمام آليات مختصة.
وختم محامي الغنوشي بالتأكيد على أن هيئة الدفاع منفتحة على جميع المسارات القانونية والدولية الممكنة، في إطار ما تعتبره التزامات تونس بالمعاهدات الدولية، مع الدعوة إلى معالجة الأزمة عبر الحوار وإعادة بناء مناخ سياسي يسمح بتجاوز الخلافات القائمة، وفق تصوره.
وتعود القضية إلى 16 أبريل 2023، حين شارك راشد الغنوشي في حلقة نقاش نظمتها جبهة الخلاص الوطني ، أكبر تكتل معارض للرئيس قيس سعيّد آنذاك قبل أن تطال الاعتقالات عددا كبيرا من قيادات الجبهة، من بينهم رئيسُها والحقوقي البارز أحمد نجيب الشابي ، المحكوم عليه بـ 12 عامًا سجنًا بتهمة "التآمر".
وخلال حلقة النقاش، التي جرت في إحدى ليالي رمضان، اعتبر الغنوشي الذي شغل سابقا منصب رئيس البرلمان من نوفمبر 2019 إلى يوليو 2021، أن "تصوّر تونس دون طرف أو آخر، دون نهضة أو إسلام سياسي أو يسار أو أي مكوّن من المكوّنات، هو بمثابة مشروع حرب أهلية وهو إجرام في الحقيقة".
وبعد يوم واحد، داهمت قوات الأمن منزل القيادي الإسلامي واعتقلته، ثم أمرت محكمة ابتدائية بإيداعه السجن بتهمة الإدلاء بتصريحات "تحرض على الفوضى والعصيان".
وتزامنت عملية المداهمة مع ليلة السابع والعشرين من رمضان التي تمثل مناسبة رمزية مهمة للمسلمين، إذ تُعدّ من أكثر الليالي قداسةً وارتباطًا بالعبادة والسكينة، ما أضفى على الحادثة بُعدًا حساسًا وأثار ردود فعل واسعة.
وكان إيقاف الغنوشي منذ نحو 3 سنوات إيذانًا ببدء التحقيق معه في عدد من الملفات الأخرى أبرزُها "التآمر على أمن الدولة" و"إنستالينغو" و"الهلال الأحمر"، وقضايا أخرى ترتبط بتصريحات إعلامية أدلى بها سابقًا.
كما صدرت في حقه أحكام بالسجن في قضايا مختلفة، إذ قضت محكمة الاستئناف بتونس في 2 فبراير الماضي بتشديد الحكم من 14 إلى 20 سنة في ما يُعرف بقضية "التآمر على أمن الدولة 2".
وفي 26 يناير، حكمت المحكمة الابتدائية بتونس بسجنه ثلاث سنوات في قضية "التمويل الأجنبي".
وفي نوفمبر 2025، أصدرت المحكمة الابتدائية حكمًا إضافيًا بسجنه لمدة عامين على خلفية تبرّعه بقيمة جائزة دولية كان قد تحصّل عليها سنة 2016 لفائدة الهلال الأحمر التونسي.
ومنذ إيقافه، يرفض الغنوشي حضور جلسات محاكمته، معتبرًا أن القضايا المرفوعة ضدّه تندرج ضمن “تصفية حسابات سياسية”، في حين تؤكد السلطات أن القضاء مستقل ولا يخضع لأي تدخل.
وبهذا الحكم، بلغ مجموع الأحكام الصادرة بحق راشد الغنوشي بلغ حوالي 76 سنة سجنا، إلى جانب قضايا أخرى ما تزال منشورة، فضلاً عن غرامات مالية كبيرة ومطالب بمصادرة أملاك منقولة وعقارية، بحسب محاميه مختار الجماعي.
وتقول السلطات التونسية إن جميع الموقوفين في البلاد، بمن فيهم الغنوشي، يُحاكمون بتهم جنائية، مثل "التآمر على أمن الدولة" أو "الفساد"، وتنفي وجود محتجزين لأسباب سياسية.
بينما تقول أطياف من المعارضة ومنظمات حقوقية إن هذه القضايا ذات "طابع سياسي"، و"تُستخدم لتصفية الخصوم السياسيين وتكميم الأصوات المنتقدة للرئيس التونسي قيس سعيد.
وجاء الحكم الأخير ضد الغنوشي بعد نحو أسبوعين من صدور قرار لافت عن الأمم المتحدة بخصوص توقيف الرئيس الأسبق للبرلمان التونسي المنحل وزعيم حركة النهضة، حيث أدان فريق العمل المعني بالاحتجاز التعسفي عملية الاعتقلال.
وخلص الفريق الأممي إلى أن احتجاز الغنوشي يُعدّ "تعسفيًا" ويفتقر إلى أساس قانوني سليم، معتبرًا أنه يندرج ضمن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي.
كما وثّق القرار جملة من الإخلالات، من بينها تنفيذ الإيقاف في أبريل 2023 دون إذن قضائي واضح، واحتجازه في مكان غير معلوم لمدة 48 ساعة بما اعتُبر اختفاءً قسريًا مؤقتًا، إضافة إلى غياب ضمانات المحاكمة العادلة، حيث رأى الفريق أن التهم الموجهة إليه مرتبطة بممارسته لحقه في التعبير والنشاط السياسي السلمي.
وفي ختام رأيه، دعا الفريق السلطات في تونس إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن الغنوشي، وتمكينه من حقه في جبر الضرر والتعويض، إلى جانب فتح تحقيق مستقل في ملابسات اعتقاله والانتهاكات التي أشار إليها التقرير.
وجاء الحكم في قضية "المسامرة الرمضانية" متزامنًا مع الذكرى الثالثة لإيقاف راشد الغنوشي، على خلفية مشاركته في حلقة النقاش التي شكّلت أساس هذه القضية.
المصدر:
يورو نيوز