في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في الحروب المتسارعة، لا تُدار المعركة من الجو وحده، فحين تضيق خيارات الضغط، تُستدعى الأطراف الهامشية لتصبح في قلب الاشتباك، وتتحول القوى غير الحكومية إلى أدوات لاختراق الداخل وتشتيت الخصم.
هكذا تعود "الورقة الكردية" إلى واجهة المشهد مع توسع الحرب على إيران؛ إذ تتحدث تقارير صحفية غربية عن قوى كردية تتمركز في شمال العراق يتم إعدادها لاحتمال الدخول على خط المواجهة.
بيد أن ما تطرحه هذه التقارير لا يقدم هذا المسار بوصفه طريقا إلى حسم سريع، بقدر ما يضعه في إطار رهان على فتح جبهة إضافية ضد إيران.
الدعم المطروح -كما تصفه التقارير- يظل محدودا، وتقيده حسابات شديدة الحساسية، بين الخشية من اتساع رقعة النزاع الإقليمي، وبين السعي لاستثمار اللحظة كنافذة لزعزعة توازن النظام الإيراني أو على الأقل إرباكه، وربما تشجيع التمرد الداخلي عليه.
ضمن هذا السياق، تبرز روايتان صحفيتان: الأولى في نيويورك تايمز الأميركية، التي تركز على "التحضيرات"، إلى جانب برنامج سري وأسئلة عملياتية على الحدود، فيما تقدم التايمز البريطانية قراءة أكثر حدة عن "تسليح" واندفاع سياسي يهدد بتوسيع نطاق الحرب وإشعال توترات إثنية وإقليمية.
يتحدث تقرير صحيفة نيويورك تايمز عن برنامج سري كانت وكالة الاستخبارات الأميركية "سي آي إيه" (CIA) قد بدأت عبره -قبل الحرب الحالية- بتزويد قوى كردية إيرانية في العراق بأسلحة خفيفة، في إطار مسار طويل يهدف إلى زعزعة استقرار إيران، لا إلى إسقاط نظامها مباشرة.
وتلفت الصحيفة إلى أن هذه القوى لا تمتلك عتادا ثقيلا يتيح غزوا بالمعنى العسكري، مما يعني أن سقف الدور المحتمل يظل مرتبطا بفكرة "الإرباك" وخلق ضغط أمني، وليس السيطرة أو الحسم.
وفي ذلك السياق، تذكر الصحيفة أن مسؤولين عراقيين وقيادات كردية إيرانية يتحدثون عن تحضير وحدات قد تعبر الحدود، بما يخلق جبهة برية في حرب تتوسع جوا. لكنّ البيت الأبيض، عبر المتحدثة باسمه، نفى أن يكون الرئيس قد وافق على خطة لإطلاق تمرد كردي داخل إيران، مؤكدا أن الروايات المتداولة حول قرار محسوم "غير صحيحة".
أما الأكثر حساسية في رواية نيويورك تايمز فهو ما ذكرته عن اتصالات جرت مع قيادات كردية عراقية وإيرانية في الأيام الماضية، وسط ضغط متبادل: إيران -بحسب الصحيفة- تضغط على بغداد لمنع عبور المقاتلين، فيما طلبت الحكومة العراقية من إقليم كردستان عدم السماح باستخدام أراضيه كساحة للعبور، وفي المقابل، يكرر مسؤولو الإقليم خطاب "الحياد" وعدم الانخراط في الصراع.
هذه النقطة وحدها تكشف أن "الورقة الكردية" لن تتحرك على أرض فارغة، بل ستصطدم مباشرة بحسابات العراق الداخلية وعلاقته بطهران، وبهواجس إقليم كردستان من أن يتحول إلى ساحة تصفية حسابات.
ويضيف تقرير نيويورك تايمز المزيد من المعلومات بشأن فعل عسكري: ضربات جوية وصاروخية طالت مواقع في غرب إيران قرب الحدود مع العراق، واستهدفت منشآت للحرس الثوري والشرطة وحرس الحدود وأبراج اتصالات، إضافة إلى مبان إدارية، وتسببت، بالفعل، بأضرار في مناطق مدنية.
وتقرأ الصحيفة هذا التركيز بوصفه تمهيدا يخفف قدرة القوات الإيرانية على منع أي تسلل محتمل عبر الطرق والمعابر، لكنه جاء بكلفة ثقيلة على السكان المحليين بحسب شهادات نقلتها عن مصادر في المنطقة.
هنا تأتي رواية صحيفة تايمز البريطانية، فبدل التركيز على مسألة: "هل يعبر الأكراد أم لا؟" تضع الصحيفة القضية في إطار المخاطر السياسية الأوسع، محذرة من أن تسليح مجموعات كردية لمحاربة طهران قد يفتح باب صراع إثني وطائفي يعزز احتمالات امتداد الحرب إلى ساحات أخرى، مع حضور تركيا وسوريا في خلفية الحسابات.
وتستند التايمز إلى تحليلات خبراء تقول إن تحويل الصراع إلى مواجهة داخلية ذات طابع عرقي قد يأتي بنتائج عكسية، إذ قد يعزز الدعم الشعبي للنظام تحت شعار حماية السيادة ووحدة البلاد.
وتذكر الصحيفة أن الإيرانيين يتعاملون مع أي مسعى قد يُفهم منه تهديد سلامة الدولة بحساسية عالية، وأن محدودية نسبة الأكراد داخل إيران تقلص قدرتهم على إحداث تغيير حاسم.
وتشير تايمز إلى مفارقة أن الدعوات لتفعيل "الورقة الكردية" تأتي بعد وقت قصير من تقليص الدعم الأمريكي لقوى كردية في سوريا، الأمر الذي يُنعش شكوكا قديمة لدى الأكراد بشأن ثبات الموقف الأمريكي.
وبذلك يجد قادتهم أنفسهم أمام خيارين صعبين: بين خوض خطوة محفوفة بالمخاطر بلا ضمانات، أو تفويت فرصة قد لا تتكرر.
كما تشير الصحيفة إلى انقسام داخل المعارضة الإيرانية بشأن جدوى هذا المسار؛ إذ ترفض شخصيات معارضة بارزة تحويل المواجهة إلى صراع داخلي ذي طابع عرقي، خشية أن يمزق صفوف المعارضين ويقوّض أي موقف موحد ضد النظام.
المحصلة التي تتقاطع عندها الروايتان أن ورقة الأكراد تبدو أقرب إلى تكتيك منها إلى إستراتيجية، يتم عبره فتح جبهة تستنزف وتربك، وتدفع إيران إلى توزيع قواتها، وربما تمنح الحملة الجوية أهدافا أسهل إذا تحركت وحدات إيرانية لاحتواء اختراق بري.
غير أن لهذه الورقة جانبا شديد الحساسية، إذ قد يكون ثمنها انفلات الحدود العراقية، وجر الإقليم إلى صراع أوسع، وإعادة تنشيط التوترات الإثنية في منطقة تجد أصلا صعوبة في تحمل حرب واحدة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة