حققت شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى موسما استثنائيا من النتائج المالية خلال الربع الثاني من عام 2026، مسجلة نموا قويا في الإيرادات والأرباح، مدفوعا بالطلب المتسارع على تطبيقات الذكاء الاصطناعي وخدمات الحوسبة السحابية والإعلانات الرقمية.
لكن رد فعل الأسواق كشف عن تحول لافت في معايير التقييم؛ إذ لم تعد الأرقام القياسية وحدها كافية لإقناع المستثمرين، بعدما أصبح التركيز منصبا على قدرة هذه الشركات على تحويل استثماراتها الضخمة في الذكاء الاصطناعي إلى تدفقات نقدية وعوائد مستدامة.
ويعكس هذا التحول مرحلة جديدة في دورة الاستثمار التكنولوجي؛ فبعد سنوات كان فيها الإعلان عن زيادة الإنفاق الرأسمالي كفيلا بدفع الأسهم إلى الصعود، أصبحت الأسواق أكثر تشددا في تقييم جدوى هذه الاستثمارات، مع ارتفاع تكاليف التمويل وتراجع هامش الخطأ في ظل مستويات التقييم المرتفعة.
وأظهرت إفصاحات الشركات لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية أن الذكاء الاصطناعي بات المحرك الرئيسي لنمو الإيرادات لدى أكبر شركات التكنولوجيا، سواء عبر الحوسبة السحابية أو البرمجيات أو الإعلانات الرقمية.
وأشارت شبكة "سي إن بي سي" إلى أن نحو 90% من شركات فورتشن 100 أصبحت تستخدم منصة جيمناي المخصصة لقطاع الأعمال.
وأكد الرئيس التنفيذي آندي جاسي أن الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي لا يزال يتجاوز الطاقة الاستيعابية المتاحة، مرجحا استمرار هذا الوضع خلال العامين المقبلين.
وتشير هذه النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مشروع مستقبلي، بل أصبح مصدرا رئيسيا للإيرادات والنمو لدى أكبر الشركات المدرجة في الأسواق الأمريكية، مع اتساع استخداماته عبر قطاعات الأعمال المختلفة وارتفاع الطلب على البنية التحتية الرقمية اللازمة لتشغيله.
ورغم هذه النتائج القوية، فقد جاءت استجابة المستثمرين متفاوتة بصورة لافتة، في إشارة إلى تغير أولويات وول ستريت.
فبحسب مجلة فورتشن، لم يعد المستثمرون يقيّمون الشركات وفقا لحجم الإنفاق على مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية، وإنما وفقا لقدرتها على تحقيق عائد اقتصادي واضح من هذه الاستثمارات.
ويعكس هذا التحول تغيرا جوهريا في فلسفة التقييم؛ فمع ارتفاع أسعار الفائدة وزيادة تكلفة رأس المال، أصبح كل دولار تنفقه الشركات على الذكاء الاصطناعي مطالبا بإثبات قدرته على توليد أرباح وتدفقات نقدية مستقبلية.
ولهذا لم تعد الأسواق تكافئ الشركات التي تعلن عن استثمارات ضخمة بقدر ما تكافئ الشركات القادرة على إقناع المستثمرين بأن هذه الاستثمارات ستتحول إلى نمو مستدام في الأرباح، وهو ما يمهد للانقسام الواضح في أداء أسهم القطاع، الذي سيتناوله القسم التالي.
ورغم الإجماع على أن الذكاء الاصطناعي يمثل أكبر فرصة للنمو في قطاع التكنولوجيا منذ ظهور الحوسبة السحابية، فإن هذا الإجماع لا يمتد إلى تقييم حجم الإنفاق المطلوب لتحقيق تلك الفرصة.
فقد أعلنت الشركات الخمس الكبرى خططا لاستثمار مئات المليارات من الدولارات في مراكز البيانات، والرقائق المتخصصة، والبنية التحتية الرقمية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، لكن المستثمرين باتوا أكثر اهتماما بسرعة تحول هذه الاستثمارات إلى أرباح فعلية، وليس بمجرد الإعلان عنها.
وفي هذا السياق، أشارت مجلة فورتشن إلى أن وول ستريت دخلت مرحلة جديدة، لم يعد فيها الإنفاق الرأسمالي الضخم مؤشرا كافيا على قوة الشركة، بل أصبح نجاح الإدارة يقاس بقدرتها على تحقيق عائد اقتصادي واضح من تلك الاستثمارات، في ظل ارتفاع تكلفة التمويل وتزايد الضغوط على التدفقات النقدية الحرة.
وتعكس هذه النظرة تغيرا في بيئة الاستثمار العالمية؛ فخلال سنوات الفائدة المنخفضة كان المستثمرون يمنحون الشركات وقتا أطول لبناء مشروعاتها المستقبلية، أما اليوم، وبعد تشديد السياسة النقدية الأمريكية، أصبحت الأسواق أقل استعدادا لتمويل استثمارات طويلة الأجل لا تمتلك جدولا زمنيا واضحا لتحقيق العائد.
وكشفت حركة الأسهم عقب إعلان النتائج أن الأسواق لم تعد تكافئ جميع الشركات التي تحقق نموا قويا، بل تميز بين الشركات التي تستطيع إثبات الجدوى الاقتصادية لاستثماراتها وتلك التي لا تزال تعتمد على الوعود المستقبلية.
فقد ارتفع سهم أمازون بأكثر من 15% بعد إعلان نتائجها، مدعوما بقوة نمو خدمات الحوسبة السحابية وتأكيد الإدارة أن الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي يتجاوز الطاقة المتاحة، وهو ما اعتبرته الأسواق مؤشرا على استمرار نمو الإيرادات خلال السنوات المقبلة، وفقا لشبكة سي إن بي سي.
كما واصلت مايكروسوفت مكاسبها بعد إعلان توقعات قوية لنمو خدمات أزور، مستفيدة من اقتناع المستثمرين بأن استثماراتها الضخمة بدأت تتحول بالفعل إلى إيرادات متكررة ونمو مستدام، بحسب تريدينغ كي.
في المقابل، تعرضت آبل لضغوط قوية بعدما حذرت من أن قيود سلاسل الإمداد قد تؤثر في وتيرة النمو خلال الفصول المقبلة، رغم تسجيلها أفضل نتائج فصلية في تاريخها، وهو ما يعكس حساسية الأسواق المتزايدة تجاه أي مؤشرات قد تحد من نمو الأرباح مستقبلا.
وتشير هذه التحركات إلى أن المستثمرين لم يعودوا ينظرون إلى النتائج الفصلية بمعزل عن التوقعات المستقبلية، بل أصبح تقييم الأسهم يعتمد بدرجة أكبر على قدرة الشركات على الحفاظ على زخم النمو، وتحويل الإنفاق الحالي إلى تدفقات نقدية مستدامة خلال السنوات المقبلة.
وأعاد الإنفاق القياسي على الذكاء الاصطناعي إحياء المقارنات مع فقاعة شركات الإنترنت مطلع الألفية، لكن عددا من المؤسسات المالية يرى أن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة الإيرادات الحالية.
فقد أشارت تقارير زدكس وفاليو آد في سي إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى تحقق بالفعل أرباحا وتدفقات نقدية قوية، بخلاف كثير من شركات الإنترنت خلال فقاعة عام 2000، التي كانت تعتمد بدرجة كبيرة على توقعات النمو المستقبلية دون تحقيق أرباح تشغيلية مستقرة.
لكن ذلك لا يلغي المخاطر، إذ يحذر محللون من أن استمرار الإنفاق بوتيرة تفوق نمو العوائد قد يؤدي إلى تراجع كفاءة رأس المال، أو إلى فائض في الطاقة الاستيعابية لمراكز البيانات إذا تباطأ الطلب مستقبلا.
ولهذا، لم يعد السؤال المطروح في وول ستريت: هل الذكاء الاصطناعي سيغيّر الاقتصاد العالمي؟ فهذه الفرضية تكاد تحظى بإجماع واسع، وإنما أصبح السؤال الأكثر أهمية هو: أي الشركات ستكون قادرة على تحويل هذا التحول التكنولوجي إلى أرباح مستدامة؟
وتشير نتائج الربع الثاني إلى أن قطاع التكنولوجيا دخل مرحلة مختلفة عن تلك التي سادت خلال الأعوام الماضية؛ فالمستثمرون لا يشككون في أهمية الذكاء الاصطناعي، لكنهم أصبحوا أكثر تشددا في تقييم كفاءة الإنفاق، وسرعة تحقيق العائد، وقدرة الشركات على الحفاظ على تدفقاتها النقدية في بيئة تتسم بارتفاع تكلفة التمويل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة