آخر الأخبار

أخطر كذبة.. من هذا العراقي الذي تسبب في الغزو الأمريكي؟

شارك

تروي المذيعة الأمريكية الشهيرة أوبرا وينفري، التي حاورت في مسيرتها الطويلة أكثر من 37 ألف شخص، من رؤساء ونجوم وأبطال وربّات بيوت، أن ضيوفها جميعا، بلا استثناء تقريبا، كانوا يسألونها السؤال نفسه عندما تنطفئ الإضاءة والكاميرات: "كيف كانت المقابلة؟".
وتضيف (وينفري) أنه حتى الرئيسين الأمريكيين جورج بوش وباراك أوباما انحنيا نحوها بعد المقابلة وسألاها السؤال ذاته.

هذه الحكاية الصغيرة تفتح الباب على سؤال أظنه أهم سؤال في مهنتنا: لماذا يوافق أي إنسان عاقل على الجلوس أمام كاميرا والإجابة عن أسئلة شخص غريب؟

هذا السؤال، وليس أي سؤال آخر، هو أول ما تعلمته بعد أكثر من ثلاثين عاما من العمل في التلفزيون، وخصوصا في برنامج "ستون دقيقة". تعلمت أنه قبل أن تسأل ضيفك عن الحرب أو الصفقة أو الجريمة، عليك أن تجيب أنت عن سؤال أسبق: ما الذي جاء به إلى هذا الكرسي؟ فالكاميرا آلة غريبة؛ تعد الجالس أمامها بالكثير، وتأخذ منه أكثر، ومن يقبل هذه المقايضة لا يقبلها عبثا.

مع المرتزق، عليك أن تفهم الصفقة التي في رأسه قبل أن يفتح فمه؛ لأن روايته ستكون مفصّلة على مقاس ما يريد. وهذا لا يعني أن كلامه بالضرورة كذب، بل يعني أن كل معلومة منه تحتاج إلى ميزان وشهود

علمني الوقت أن كثيرين ممن يملكون المعلومات الحقيقية يتجنبون المقابلات، وخصوصا المصورة منها. أما الذين لا يمانعون الظهور فينتمون في الغالب إلى واحدة من ثلاث فئات، أو إلى خليط منها، تبدأ جميعها بحرف الميم: المرتزقة والمبشّرون والمغمورون، ويقابلها في الإنجليزية (Mercenaries, Missionaries and Misfits).

أبدأ بـ"المرتزق"، وهو الذي يتقاضى أجرا مقابل كلامه. ولا أقصد بالمرتزق معناه الأخلاقي الضيق، بل كل من يدخل المقابلة وفي ذهنه صفقة يريد إتمامها، مهما كانت العملة التي سيدفع أو يقبض بها. فنحن في الصحافة لا ندفع مقابل المقابلات، لكن العملات كثيرة: لجوء، أو حماية، أو تصفية حساب مع خصم، أو مقعد في المشهد القادم. المنشقّ الذي يهرب من نظامه حاملا "أسرارا" هو غالبا مرتزق بهذا المعنى؛ يبيع رواية ويشتري بها حياة جديدة.

إعلان

والمسؤول الذي "يسرّب" معلومة عن منافسه مرتزق أيضا، وإن ارتدى بذلة أنيقة وتحدث عن المصلحة العامة.

ويليه "المبشّر"، وهو لا يريد منك شيئا سوى منبر. صاحب قضية يرى في الكاميرا امتدادا لإيمانه: الناشط، والمقاتل العقائدي، ورجل الدين، والثائر. المبشّر أسهل الثلاثة إقناعا بالجلوس، وأصعبهم إيقافا عن الكلام. هو لا يجيب عن أسئلتك؛ بل يلقي خطبته من خلالها.

وأخيرا "المغمور"، وهو أعقدهم جميعا. لا صفقة يريد عقدها، ولا رسالة يريد نشرها. يريد فقط أن يُرى. رجل تجاوزته الحياة، أو جريح لم يستمع أحد إلى جرحه، أو موظف صغير في جهاز كبير يعرف تفصيلة واحدة تجعله، لأول مرة، مهما.

وهذا ينطبق أيضا على كثيرين منا اليوم ممن يلهثون وراء "اللايكات" والمشاهدات. المغمور يجلس أمام الكاميرا لأن الكاميرا هي أول من نظر إليه منذ زمن طويل.

لماذا يهم هذا التصنيف؟ لأن الدافع هو المدخل، والصحفي الذي لا يعرف دافع ضيفه يدخل الغرفة أعمى.

مع المرتزق، عليك أن تفهم الصفقة التي في رأسه قبل أن يفتح فمه؛ لأن روايته ستكون مفصّلة على مقاس ما يريد. وهذا لا يعني أن كلامه بالضرورة كذب، بل يعني أن كل معلومة منه تحتاج إلى ميزان وشهود. ومع المبشّر، مهمتك أن تخترق الخطبة لتصل إلى الإنسان خلفها؛ أن تسأل السؤال الذي لم يتدرب على إجابته. أما مع المغمور، فالمدخل ليس الذكاء بل الإصغاء؛ فهو لا يفتح خزائنه لمن يستجوبه، بل لمن يجلس معه ويشرب الشاي ويترك الصمت يقول ما يشاء.

في كتابي "الفيكسر" (The Fixer) رويت قصة مطاردتي رجلا يدعى رافد أحمد علوان، الملقب بـ"كيرفبول" أي الكرة الملتوية؛ المنشقّ العراقي الذي بُني على رواياته المفبركة جزء من حجة غزو العراق، والمصدر الذي استند إليه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول حين وقف أمام مجلس الأمن في فبراير/شباط 2003 مبررا الحرب.

استغرق بحثي عن كيرفبول نحو خمس سنوات، وقادني إلى سبع دول، لأجده أخيرا في مدينة كارلسروه جنوب غرب ألمانيا. جلسنا في مقهى، وبعد أن طلبنا القهوة مع (Tiramisu)، حلواه المفضلة، نظر إليّ قائلا: "أستاذ أمجد، لدي سؤال". أجبته: "أنا الصحفي يا رافد، وأنا الذي يسأل في العادة، ولكن تفضل".

قال: "هل تعتقد أنني شخص مهم؟". توقفت قليلا ثم قلت: "نعم، أنت إنسان مهم يا رافد. أنت تسببت بحرب… ولكن سامحني، أصدقائي في عمّان طلبوا مني أن أتفل في وجهك".

"المغمور"، هو أعقدهم جميعا. لا صفقة يريد عقدها، ولا رسالة يريد نشرها. يريد فقط أن يُرى. رجل تجاوزته الحياة، أو جريح لم يستمع أحد إلى جرحه، أو موظف صغير في جهاز كبير يعرف تفصيلة واحدة تجعله، لأول مرة، مهما

هنا تغيّر المشهد، وبدأ رافد مونولوجا طويلا لتبرير كذبته: هو وطني يحب شعبه، وقد افتعل قصته الملفقة، التي تبدو للوهلة الأولى صحيحة، عن مصنع جنوب بغداد ينتج أسلحة بيولوجية تُحمَّل على شاحنات متنقلة، وهي القصة التي عرض كولن باول رسومها التوضيحية على مجلس الأمن.

حين تأملت هذا المشهد من قرب، أدركت أننا بصدد الخانات الثلاث في جسد واحد: من باع رواية واشترى بها لجوءا في ألمانيا، ومبشّر أقنع نفسه بأنه يحرّر بلده من طاغية، ولكنه قبل هذا وذاك مغمور أراد، أكثر من أي شيء آخر، أن يكون مهما.

إعلان

ولعل هذا ما جعل روايته شديدة الخطورة؛ فالكذبة التي تخرج من ثلاثة دوافع معا يصدّقها صاحبها قبل أن يصدّقها الآخرون. ولذلك لم أستجوبه حين وصلت إليه؛ جلست معه ثلاثة أيام على الشاي والحلوى وتركته يتكلم. خاطبت فيه المغمور، فتكلم البائع والمبشّر أيضا.

أما نهايته أمام الكاميرا فكانت مختلفة. بعد أن أقنعته بالجلوس على الكرسي، واجهه المذيع المخضرم بوب سايمون بحقيقة كذبه، فلم يستطع إكمال المقابلة؛ انتزع الميكروفون بشدة وغادر الأستوديو.

وثمة تحذير لا بد منه: هذا التصنيف أداة فهم، لا رخصة احتقار. من السهل على الصحفي أن ينزلق إلى السخرية، وأن يرى في ضيوفه مجرد دوافع تمشي على قدمين. لكن الحقيقة أن الدوافع الثلاثة تسكننا جميعا، نحن أهل المهنة قبل ضيوفنا. ألسنا نحن أيضا مرتزقة نطارد السبق الصحفي، ومبشّرين نؤمن بأن للحكاية قدرة على تغيير العالم، ومغمورين اخترنا مهنة تضعنا في قلب أحداث لولاها لما نظر إلينا أحد؟ الفرق الوحيد أننا نقف خلف الكاميرا وهم أمامها.

بقي سؤال أخير، وهو أصعبها: ماذا عن الذين يرفضون؟ عن الذين يملكون الحكاية كاملة ثم يديرون ظهورهم للكاميرا ويمضون؟ هؤلاء لا خانة لهم في تصنيفي، وهم، في قرارة نفسي، من أحترم أكثر من الجميع؛ لأنهم فهموا شيئا احتجنا نحن عقودا لنفهمه: أن بعض الحقائق لا تتسع لها شاشة.

في نهاية كل مقابلة طويلة، حين تنطفئ الإضاءة وتُطوى الأسلاك، كنت أراقب الضيف وهو ينهض عن الكرسي. في تلك الثواني بالذات، لا قبلها ولا بعدها، يظهر الدافع الحقيقي على وجهه: ارتياح المرتزق الذي أتمّ صفقته، أو نشوة المبشّر الذي ألقى خطبته، أو حيرة المغمور الذي يلتفت إليك قبل أن يغادر الغرفة ويسألك بصوت خافت سؤال ضيوف أوبرا نفسه: "كيف كنت؟".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا