ظلت رسالة عسكرية مشفرة من زمن نابليون حبيسة الرموز أكثر من قرنين، بعدما فُقد مفتاحها وبقيت ضمن قوائم الشفرات التاريخية غير المحلولة.

لكنَّ نموذجا للذكاء الاصطناعي تمكن من قراءة نصها خلال نحو 6 ساعات من وقت تشغيله، انطلاقا من صورة واحدة للوثيقة.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 جنين في معدة طفلة مصرية.. نزيف يقود إلى حالة طبية شديدة الندرة
* list 2 of 2 استغرق بناؤها 12 عاما.. مدرب أمريكي يكشف مدينة كاملة في "ماينكرافت" end of list

رسالة مشفرة من زمن نابليون

تعود الوثيقة إلى مارس/آذار 1809، وكانت موجهة إلى الجنرال الفرنسي أوغست دو مارمون، قائد القوات الفرنسية في دالماسيا، التي تقع اليوم في كرواتيا.

ولم يكتب نابليون الرسالة بنفسه، فقد أمر في 16 مارس/آذار يوجين دو بوارنيه، نائبه في إيطاليا وابنه بالتبني، بإرسال معلومات مشفرة إلى مارمون عن مواقع الجيوش الفرنسية والحليفة.

وكانت الوثيقة معروفة من خلال صورة نشرها المقدم الفرنسي ج. فيلكوك عام 1969 في مجلة "ريفو إيستوريك دي زارمي" (المجلة التاريخية للقوات المسلحة)، لكنها كانت مؤرخة خطأ بعام 1807، بينما ظل مفتاح الشفرة مفقودا.

صورة واحدة وشفرة كاملة

تبدأ الوثيقة بسطر مكتوب بالفرنسية بوضوح، يليه 24 سطرا من الأرقام والحروف والعلامات اليدوية. وتضم نحو 1300 وحدة مشفرة و155 علامة مختلفة، بينها رموز تمثل كلمات كاملة بدلا من حروف منفردة.

استخدم كارتر تشيرش، وهو مهندس في شركة الأمن السيبراني "سينتينل وان"، نموذج "جي بي تي-6 أسترا" لتحليل الوثيقة وفك شفرتها، اعتمادا على صورة واحدة وأمر نصي واحد.

بدأ النموذج بنسخ العلامات من الصورة، ومقارنة العلامات المتشابهة التي ظهرت بأشكال يدوية مختلفة، ثم حلل نظام الشفرة مستفيدا من مفتاح جزئي كان قد نشره مؤرخ التشفير دانيال تان.

وكان المفتاح المتاح يفسر 33 قيمة حرفية فقط، أي نحو ثلث الوحدات المشفرة، بينما احتاجت بقية الرموز إلى الاستدلال عليها من النص نفسه. واستغرق العمل نحو 6 ساعات من وقت تشغيل النموذج.

ويقول تشيرش إن اللافت في التجربة لم يكن فك الشفرة وحده، بل تنفيذ سلسلة كاملة من المهام في مسار واحد؛ قراءة الصورة ونسخ الرموز وتحليل الشفرة وبناء أدوات حسابية لاختبار الاحتمالات، ثم مقارنة النتائج بالمراجع التاريخية.

إعلان

وبعد التوصل إلى القراءة، راجع الباحث الياباني ساتوشي توموكيو، المتخصص في توثيق الشفرات التاريخية، الحل وأدرج الشفرة بوصفها محلولة. وأشار تشيرش إلى أن خمسة رموز لا تزال قراءتها غير محسومة بشكل كامل، من دون أن يؤثر ذلك في المعنى العام للنص.

ماذا أخفت الرسالة؟

كشفت القراءة أن الوثيقة كانت موجزا عسكريا عن مواقع قوات فرنسا وحلفائها وأعدادها قبل الحرب مع النمسا.

وتذكر الرسالة قوات بافارية وبولندية وسكسونية وفرنسية في مواقع مختلفة، إلى جانب أعداد الجنود وتحركات الجيوش، كما تتحدث عن تحرك الروس ضد النمسا، وهو تقدير لم يكن دقيقا.

وتتضمن الرسالة أيضا توجيها إلى مارمون بألا يسمح لقلة من القوات أو تجمع من الرجال بالتأثير في قراره عندما تصل إليه أوامر التحرك.

وهنا تظهر إحدى أهم نتائج فك الشفرة، فالعبارة تكمل جملة كانت مبتورة في النسخة المطبوعة من أمر نابليون إلى يوجين عام 1809. ويشير تشيرش إلى أن النص المكتشف يمثل الرسالة التي وصلت إلى مارمون، ولذلك فهو يقدم دليلا مباشرا على الجزء المفقود، لكنه لا يثبت بالضرورة أن هذه هي الصياغة الحرفية لكلمات نابليون.

من 1807 إلى 1809

لم يقتصر العمل على قراءة الرموز، بل أدى أيضا إلى إعادة تأريخ الوثيقة، فبعد مقارنة مضمون الرسالة بالمراسلات المحيطة بها، ولا سيما أمر نابليون المؤرخ في 16 مارس/آذار 1809، وجد تشيرش أن أسماء القوات وأعدادها ومواقعها تتطابق مع المعلومات التي طلب نابليون من يوجين إرسالها إلى مارمون.

وبناء على ذلك، خلص إلى أن الرسالة تعود إلى مارس/آذار 1809، وليس إلى عام 1807 كما ورد في المصدر الذي حفظ صورتها، وذلك قبل الغزو النمساوي لبافاريا في أبريل/نيسان من العام نفسه بنحو أسبوعين.

وهكذا أعاد الذكاء الاصطناعي قراءة وثيقة عسكرية ظلت غير مفهومة أكثر من قرنين، لا بوصفها اكتشافا لكل مضمون عسكري جديد بالكامل، وإنما بإتاحة قراءة النص المشفر نفسه وتصحيح تاريخه واستعادة جزء من محتواه المفقود وإعادة بناء مفتاح يمكن الاستفادة منه في دراسة الوثائق المرتبطة بالشفرة نفسها.