في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أضافت سوريا للعلم نوعا جديدا من العقارب تم توثيقه العام الماضي في "دير الزور" على الضفة الشرقية لنهر الفرات، ومنحه العلماء اسم "أندروكتونوس أوزاريكوس"، حيث يشير الاسم الأول إلى الجنس، بينما استمد الجزء الثاني من (أوزارا)، وهو الاسم القديم لمدينة دير الزور خلال العصر الروماني.
والعقرب المكتشف يبدو قريبا في الشكل من أنواع أخرى تعيش في العراق والأردن وتركيا، وهي بيئات متصلة جغرافيا بدير الزور، لذلك لم يلفت الانتباه في السابق.
لكنّ الباحثيْن إرسن ياغمور، من جامعة مانيسا جلال بايار بتركيا، وأحمد إيدك، من الهيئة العامة للبحوث الزراعية العلمية في سوريا، عندما أخضعاه للفحص الدقيق استطاعا أن يسجلا نقاط اختلاف بينه وبين أقرانه بتلك الدول، ومنحه هذا الاختلاف اسما جديدا، تم الإعلان عنه في دراسة نُشرت مؤخرا بدورية "جورنال أوف ناتشرال هيستوري".
والأهم من الحجم أو اللون، كان في التركيب الدقيق لجسمه، إذ يتمتع بذيل يحمل على جانبيه السفليين نتوءين مخروطيين كبيرين ومتباعدين، وهذه إحدى الصفات التي تساعد على تمييزه عن بعض الأنواع القريبة.
كما أن بعض الأجزاء الجانبية من الذيل خالية من الحبيبات الواضحة، في حين تظهر هذه الحبيبات بكثافة في أنواع قريبة منه.
وهذه الفروق قد لا تبدو واضحة للشخص العادي، لكنها بالنسبة للعلماء كانت كافية ليدركوا أن "أندروكتونوس أوزاريكوس" الذي ربما يعيش في البيئة منذ مئات السنين، هو نوع جديد غير معروف للعلم.
ويقول إرسن للجزيرة نت، إن النوع الجديد كان يصنف خطأ ضمن النوع المعروف "أندروكتونوس كراسيكاودا"، والمفارقة أن كثيرا من الدول حول سوريا، كانت سلالات "الأندروكتونوس" تُصنَّف بها ضمن هذا النوع أيضا، ثم ثبت لاحقا أنها أنواع مستقلة، ومن بينها عقرب في تركيا تم منحه اسما جديدا وهو "أندروكتونوس توركيينسيس".
وعن الاختلاف بين نوع "دير الزور" و النوع التركي، يوضح أن الفارق الأول في "سطح أجزاء من الجسم"، والتي تبدو ملساء في النوع السوري، ومغطاة بحبيبات خشنة في النوع التركي.
ويظهر الفارق الثاني في منطقة "الكاراباس"، وهي الدرع الذي يغطي الجزء الأمامي من جسم العقرب، حيث توجد داخل هذا الدرع مناطق بين الخطوط المرتفعة أو الحواف تُسمى "الحواف الكيتينية البارزة"، وتوجد بتلك المناطق في النوع السوري حبيبات ناعمة متوسطة الحجم، بينما تكون في النوع التركي أكثر خشونة وأكبر حجما.
وينتقل إرسن إلى فارق ثالث في "جانبي الذيل"، حيث تكون الجوانب الخارجية لجزءين من الذيل خالية من الحبيبات تقريبا في النوع السوري، ومغطاة بكثافة بالحبيبات في النوع التركي.
أما الفارق الرابع، فيكون في "الشعيرات الحسية الدقيقة جدا"، حيث توجد على مخلب العقرب شعيرات حسية دقيقة تُسمى "تريكوبيثريا" ، وهي أعضاء حسية تساعد العقرب على استقبال المعلومات من البيئة المحيطة به.
ويقول إرسن: "لدى علماء العقارب نظام خاص لتسمية مواقع هذه الشعيرات، وقد وجدنا أن الشعيرة المسماة "إي تي" في النوع السوري تقع أقرب إلى شعيرة أخرى تسمى "دي تي"، بينما في النوع التركي تكون "إي تي" تقريبا في الجهة المقابلة لـ"دي تي".
و"إي تي" و"دي تي" رموز اصطلاحية تُستخدم لتحديد مواضع معينة للشعيرات الحسية على زوائد العقرب، ولا سيما الملاقط.
وعن الأسباب التي أخرتهم في تصنيف "أندروكتونوس أوزاريكوس" كنوع جديد، يشير أحمد في تصريحات للجزيرة نت، إلى سببين، أولهما قلة الدراسات الميدانية، حيث تحتاج دراسة العقارب إلى النزول إلى الميدان لجمع العينات وتحديد مواقعها وفحصها بالمجهر ومقارنتها بالعينات المحفوظة، وأحيانا إجراء تحاليل جينية، وهذا يحتاج إلى تمويل ووقت وباحثين متخصصين، أما السبب الثاني فهو الحرب السورية، التي جعلت دراسة مساحات واسعة من البلاد أكثر صعوبة.
والدرس المستفاد من هذا الاكتشاف، كما يوضح أحمد، هو أن سوريا تُعد من بين الدول التي لم تحظ فيها أنواع العقارب بدراسة وافية، ومن المحتمل أن تكون هناك أنواع إضافية لم تُكتشف أو لم تُسجل بعد.
ويقول "ستكون المسوحات الميدانية المنهجية ذات قيمة كبيرة، ليس في دير الزور فحسب، بل في مناطق أخرى ذات ظروف بيئية مشابهة أيضا، إذ يمكن أن تساعد هذه المسوحات في تحديد النطاق الفعلي لانتشار النوع الجديد: أندروكتونوس أوزاريكوس، ورصد مجموعات إضافية، وربما الكشف عن أنواع لم يتم تصنيفها أو الاعتراف بها رسميا بعد".
ويثق أحمد في أنهم سيكونون على موعد مع اكتشافات جديدة، مشيرا إلى أنه شخصيا فقد بسبب ظروف الحرب بعض العينات التي كانت بحوزته، والتي جُمعت من مواقع مختلفة في أنحاء سوريا، وكان بعضها يُظهر اختلافات شكلية طفيفة مقارنة بأنواع العقارب المسجلة سابقا في البلاد، ولعلها كانت تمثل أنواعا غير موصوفة علميا، أو أنواعا لم تُسجل سابقا في سوريا ولكنها معروفة الوجود في الدول المجاورة، وهذا يبرز أهمية استئناف العمل الميداني والحفاظ على العينات، لا سيما في المناطق التي لم تحظ تاريخيا إلا باهتمام علمي محدود.
وقبل أن يبحث أحمد ورفاقه من علماء العقارب عن أنواع أخرى تكون ظروف الحرب قد حرمتهم من اكتشافها، لا يزال أمامهم الكثير من المعلومات التي يتعين عليهم معرفتها عن النوع "أندروكتونوس أوزاريكوس".
ويقول "يستوطن هذا النوع منطقة محدودة على ضفاف نهر الفرات، حيث يحفر جحورا في الجدران الطينية الجافة، ومن غير المعروف ما إذا كانت هذه السمة مقتصرة على هذا التجمع السكاني تحديدا، كما أن نطاق انتشار هذا النوع داخل سوريا لا يزال غير موثق بدقة، لذا، ينبغي أن تتناول الأبحاث المستقبلية سلوك الحفر لدى هذا النوع، وتوزيعه الجغرافي في سوريا، وعلاقاته التطورية".
ويضيف أن "التحليلات الجزيئية يمكن أن توفر معلومات قيمة حول التاريخ التطوري للنوع إذ يقع نطاق انتشاره المعروف في منطقة تتوسط مناطق انتشار أقرانه من جنس "أندروكتونوس" في تركيا والأردن والعراق، وبالتالي قد تساعد البيانات الجزيئية في فهم العلاقات بين هذه الأنواع المتقاربة جغرافيًا بشكل أفضل، وفهم العمليات التي شكلت أنماط توزيعها".
كما أن الأهمية الطبية لجنس "أندروكتونوس" تجعل من دراسة السم مجالا هاما للبحث المستقبلي، فسم هذا الجنس "قاتل البشر" حرفيا، مما يعكس قوته، وعليه، فإن دراسة التركيب الكيميائي لسم النوع السوري الجديد "أندروكتونوس أوزاريكوس" ستكون ذات قيمة كبيرة لتقييم أهميته الطبية المحتملة وفهم تداعياته الممكنة على صحة الإنسان.
ويقول أحمد إن "أبحاث السموم قد تؤدي إلى تحديد بروتينات نشطة بيولوجيا وجزيئات أخرى ذات قيمة محتملة في الأبحاث الطبية الحيوية ومجال اكتشاف الأدوية، وبالتالي، فإن الفهم الأفضل لسم هذا النوع الموصوف حديثا قد يكون ذا أهمية لا تقتصر على الصحة العامة فحسب، بل تمتد لتشمل أبحاثا أوسع نطاقا حول الخصائص البيولوجية والدوائية لسموم العقارب".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة