في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2025، استفاقت اليابان من جديد على رعب الزلازل، بعد أن ضربت هزة أرضية زلزال بقوة 7.5 درجات على مقياس ريختر السواحل الشمالية الشرقية، ما دفع السلطات لإصدار تحذيرات من موجات تسونامي، وإخلاء نحو 90 ألف شخص، مع تحذير من احتمال زلزال أكبر.
ورغم كونه الأقوى منذ زلزال وتسونامي توهوكو عام 2011، صمدت المباني اليابانية دون أضرار كبيرة، واقتصرت الخسائر على إصابة أكثر من 30 شخصًا دون وفيات، ما أعاد طرح تساؤلات حول أسباب تفوق اليابان في مواجهة مثل هذه الكوارث الطبيعية.
وفي تصريحات للجزيرة نت، يوضح البروفيسور كويتشي كوسونوكي من معهد أبحاث الزلازل بجامعة طوكيو، أنه رغم استحالة إجراء مقارنة مباشرة بين أي حدثين زلزاليين بسبب اختلاف الخصائص الجيولوجية وطبيعة التربة وكثافة العمران وأنماط البناء، فإن زلازل متقاربة في القوة وقعت في مناطق أخرى من العالم أسفرت، في كثير من الحالات، عن دمار بشري ومادي يفوق بكثير ما سُجل في اليابان".
ويضيف كوسونوكي أن "هذا التباين لا يعكس اختلاف شدة الزلازل بقدر ما يبرز الدور الحاسم للمعايير الهندسية الزلزالية الصارمة، وجودة التنفيذ، والاستعداد المسبق في الحد من الخسائر، ما يفسر إلى حد كبير الأداء اللافت للمباني في اليابان خلال الزلزال الأخير الذي كان من الممكن أن يتسبب في دمار أكبر بكثير لو لم تكن البلاد على هذا القدر من الاستعداد".
لا يعد الزلزال الأخير استثنائيا، فاليابان تتعرض يوميا لهزات أرضية معظمها غير محسوس للسكان. ويتجاوز عدد الزلازل السنوي أكثر من 100 ألف، منها نحو 1500 محسوس.
ويعود ذلك إلى موقع الأرخبيل الياباني بين 4 صفائح تكتونية رئيسية على حدود مناطق الاندساس المعروفة باسم "حلقة النار" في المحيط الهادئ، ما يجعل حدوث الزلازل مسألة وقت لا أكثر.
نظرا لاستمرار هذا الخطر الزلزالي، عملت اليابان لعقود على تعزيز مقاومة مدنها للهزات الأرضية عبر البحث العلمي والخبرة وتحديث قوانين البناء، إذ يقوم التصميم الزلزالي على مبدأ أن الخسائر البشرية تنجم غالبا عن انهيار المباني، وليس الزلزال نفسه.
وفي هذا السياق، يوضح أستاذ الهندسة الإنشائية بجامعة طوكيو جون ساتو، أن الاستعداد الأمثل للزلازل الكبرى يتشكل تدريجيا عبر الخبرات المتراكمة والدروس المستفادة من الكوارث السابقة.
ويؤكد في حديثه للجزيرة نت أن اليابان دأبت على دراسة آثار كل زلزال كبير من خلال مسوح علمية دقيقة، تستخدم نتائجها في تحديث قوانين البناء باستمرار لتعزيز السلامة الزلزالية وتقليل الخسائر مستقبلا.
ولأول مرة، أدى الدمار الكبير الذي لحق بالمباني الحديثة خلال زلزالي مينو-أواري عام 1891 وكانتو العظيم عام 1923، الذي دمر مئات الآلاف من المباني، إلى إدخال لوائح مقاومة الزلازل في قوانين البناء.
وعلى مدى العقود الماضية، خضع الكود الزلزالي الياباني لتعديلات جوهرية، أبرزها قانون البناء عام 1950 وتعديل عام 1981 المعروف بـ"شين-تايشين" لتعزيز مقاومة الزلازل بعد زلزال مياغي البحري الذي وقع قبل ذلك بثلاثة أعوام.
ويحدد الكود معايير تصميمية وهندسية تُحدَّث باستمرار لضمان صمود المباني أمام الزلازل الصغيرة وتقليل الخسائر البشرية في الزلازل الكبرى، وقد أثبتت هذه القواعد فعاليتها خلال زلزال هانشين عام 1995، إذ تبين أن 97% من المباني المنهارة بُنيت قبل تطبيق معايير 1981.
منذ زلزال كانتو العظيم قبل أكثر من قرن، طورت اليابان الهندسة الزلزالية مع اعتماد مبدأ بسيط لكنه فعال، وهو المرونة تمنح المباني فرصة أكبر للبقاء عبر التحرك مع اهتزازات الأرض بدلا من مقاومتها.
وقد أثبتت معابد الباغودا الخشبية متعددة الطوابق، مثل برج معبد توجي قرب كيوتو (55 مترا)، قدرتها على الصمود أمام الزلازل، بما في ذلك زلزال هانشين أواجي عام 1995، بينما انهارت المباني الحديثة المجاورة.
يعزى صمود هذه المباني إلى عنصر هندسي أساسي يعرف باسم "شينباشيرا"، وهو عمود مركزي من جذوع الأشجار يسمح للطوابق بالتحرك بمرونة في اتجاه معاكس، مدعوما بالوصلات والدعامات المرنة وحواف الأسقف الواسعة، ما يخلق حركة متمايلة تشبه "الثعبان الزاحف" تقلل تأثير الاهتزازات الأرضية.
ويجسد برج "سكاي تري" في طوكيو، البالغ ارتفاعه 634 مترا، هذا المبدأ حديثا، بدمج عناصر الباغودا التقليدية مع تقنيات هندسية حديثة لامتصاص الصدمات الزلزالية، مما مكنه من النجاة دون أضرار تذكر خلال زلزال توهوكو.
رغم أن ارتفاع المباني كان محدودا بـ31 مترا حتى ستينيات القرن العشرين، سُمح لاحقا بالبناء عموديا مع الالتزام بمعايير مقاومة الزلازل.
اليوم، تهيمن ناطحات السحاب على طوكيو وأوساكا ويوكوهاما، وتضم البلاد أكثر من 270 مبنى يزيد ارتفاعه على 150 مترا، ما يجعلها خامس دولة عالميا من حيث عدد الأبراج الشاهقة.
ويشير ساتو إلى أن الأبراج السكنية الشاهقة في اليابان ليست مبانٍ عادية، فهي مصممة لتحمل الحركة الناتجة عن الزلازل، ما يستلزم أن تركز تصاميم جميع المباني، بما في ذلك الصغيرة أو المؤقتة، على امتصاص أكبر قدر ممكن من الطاقة الزلزالية وتقليل تأثيرها على الهيكل، لضمان سلامة السكان والحفاظ على استمرارية استخدام المبنى بعد الهزات الأرضية.
لتحقيق ذلك، يعتمد في التصميم على تقنيات هندسية وجيولوجية متنوعة تتناسب مع نوع المبنى والميزانية ومتطلبات التصميم، وتشمل تقوية الأساسات بالعوارض والجدران والأعمدة، واستخدام هياكل معززة ووصلات مرنة في المنازل للسماح بالحركة مع اهتزاز الأرض.
كما تستخدم أساليب لعزل المباني عن الاهتزازات المباشرة، مثل تركيب وسادات ماصة كالمطاط عند قاعدة الهيكل لتقليل تأثير الزلازل على المبنى.
يعرف نهج آخر باسم نظام العزل القاعدي (مينشين)، ويعتمد على وضع المبنى بأكمله فوق محامل مطاطية أو ممتصات صدمات، ما يسمح للأرض بالتحرك تحت الهيكل بينما يظل الجزء العلوي مستقرا.
وأصبح هذا النهج أساسيا في العمارة الحديثة باليابان، مستخدمًا في أكثر من 4000 مبنى بحلول 2015، كما يطبق في ترميم المباني التاريخية مثل المتحف الوطني للفن الغربي لحماية الهيكل دون الإضرار بسلامته.
وأصبح هذا النهج أساسيا في العمارة الحديثة باليابان، حيث استخدم في أكثر من 4000 مبنى بحلول 2015، ويستخدم أيضا في ترميم المباني التاريخية مثل المتحف الوطني للفن الغربي في طوكيو، لحماية المبنى دون المساس بسلامته الهيكلية.
إلى جانب العزل القاعدي، تستخدم المخمدات الزلزالية المثبتة على امتداد ارتفاع المبنى لتقليل شدة الاهتزاز والسماح بالحركة الأفقية، وتتنوع تقنياتها بين استخدام الكتل أو السوائل، أو المواد اللزجة والمطاطية والاحتكاك، بما يسهم في إبطاء حركة المبنى وتعزيز استقراره.
كما تشمل الاستراتيجيات الهندسية المتقدمة في اليابان ما يعرف بـ"المنازل الطافية"، التي ترفع المبنى مؤقتًا عن الأرض أثناء الزلازل لتقليل الضرر، ثم تعيده بسلاسة إلى موضعه دون أضرار هيكلية، ما يجعلها وسيلة فعالة للحد من المخاطر الزلزالية.
استمر الابتكار في اليابان لتعزيز أمان المباني الزلزالية، حيث طور المعماريون حلولًا مبتكرة، لكن أي من هذه الإجراءات لا يعد حلًا معصوما من الفشل، إذ تتفاوت المخاطر حسب موقع المبنى، مثل المناطق المعرضة لتسييل التربة، كما حدث في زلزال نيغاتا 1964.
ثمة أيضا التداعيات الثانوية التي غالبا ما تعقب الزلازل الكبرى، مثل الحرائق أو أمواج التسونامي، ما يجعل سلامة المباني جزءًا فقط من استراتيجية اليابان الشاملة لمواجهة الزلازل.
ويظل هدف مقاومة الزلازل متغيرًا، إذ يصعب التنبؤ بتأثير الهزات المستقبلية، مثل احتمال تعرض طوكيو لزلزال كبير بنسبة 70% خلال الثلاثين عاما القادمة.
ومع عدم اختبار معظم المباني عمليا أمام زلازل قوية، يبقى السؤال الذي يشغل مهندسي وعلماء الزلازل قائمًا: هل ستصمد مباني المستقبل أمام أعنف الزلازل؟
يكمن جزء من الإجابة، وفق كوسونوكي، في الاختبار التدريجي لجميع أنظمة تثبيت المباني المعروفة، مثل العزل القاعدي، والدعامات، وأنظمة الأذرع المخمدة، إلى جانب تجربة تصاميم مبتكرة كالهياكل الشبكية.
في بعض الحالات، توفر الهياكل التجريبية، مثل شبكة مقاومة الانبعاج في جناح ناوشيما بمحافظة كاغاوا، أدوات هندسية جديدة، إلا أن الطبيعة غير المتوقعة للكوارث تعني أن قدرة أي تصميم على الصمود لا تتأكد إلا بعد تعرضه لزلزال قوي فعلي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة