المواطنة في القرارات الرئاسية
نشرت الجريدة الرسمية قرار الرئيس عبد الفتاح السيسى، رقم 402 لسنة 2026، بشأن تعيين عدد من المستشارين نوابًا لرئيس المحكمة الدستورية العليا.
ونص القرار الصادر فى 26 سبتمبر 2026، على تعيين (المستشارة شيرين حافظ موسى فرهود، والمستشار عوض عبدالحميد عبد الله على خليفة، والمستشار مراد فكرى هابيل قرياقص، والقاضى الدكتور تامر عبد الحميد حمد فرجانى)، نوابًا لرئيس المحكمة الدستورية العليا، المستشار الجليل بولس فهمى.
القرار الرئاسى أعلاه نموذج ومثال على ما تستبطنه القيادة السياسية من عميق الإيمان بالمواطنة التى تترجم عدم التمييز حسب الجنس والدين. قرار رئاسى معتبر يعلى قدر الكفاءة والجدارة على ما دونها من اعتبارات ظلت طويلًا تلون التعيينات وتتحكم فى الاختيارات.
رجل، امرأة، مسلم، مسيحى، لا يدخل فى الحسابات الرئاسية، الكفاءة أولًا وقبل كل الحسابات الضيقة التى تضيق علينا زاوية الرؤية الصحيحة للقراءة الرشيدة لمثل هذه التعيينات فى المناصب العليا.
القرارات الرئاسية تصدر عامة ومجردة، وبعد تمحيص وتدقيق، الجدارة ترياق لأمراض التمييز الجنسى والدينى. لقد هرمنا حتى نرى مثل هذه قرارات تعنى بالكفاءات. النواب الأربعة أعلاه، مع حفظ الألقاب والمقامات، جديرون بمناصبهم، وسيرهم الذاتية تشفع لهم، واللبيب من الإشارة فى القرار يفهم.
حسابات الجنس والدين فى الاختيارات للتعيينات لا تستقيم مع مفهوم المواطنة الحقة، والإلحاح البغيض على ذكر الجنس والديانة من سيئات الأعمال المجتمعية. فى بلاد كبلادنا السؤال عن الجنس والدين من المحرمات المجتمعية ويعاقب عليها القانون، يستنكفونها تمامًا ومنكورة من قائلها ومرذول قوله. قد يرى البعض القرار بصيغته التى صدر عليها جديدًا على الأسماع، ولكن ليس بجديد، وليس ببعيد عن الذاكرة المجتمعية أن القضاة الأربعة نوايا للمستشار الجليل بولس فهمى إسكندر. الجديد أن يبرأ المجتمع من أمراض التمييز المجحف، ويقف على الكفاءة والجدارة.
القيادة السياسية لا تقف كثيرًا على مثل هذه الخانات التمييزية فى التعيينات، تختار الأصلح وصاحب السيرة الطيبة. جل ما نعانيه الإلحاحات المرضية على خانة التمييز الواردة فى بطاقة الرقم القومى من ماضى الأيام الكئيبة، والتمييز على أساس الجنس أو الديانة فى المناصب والنيابات من الحرام الوطنى. يلزمنا استشفاء ضرورى من تبعات مرحلة الفرز الجنسى والطائفى البغيض.
لا تنجرّوا وراء العناوين القبيحة، تعيين سيدة أو تعيين مسيحى فى منصب كبير (عنوان)، تلوث مثل هذه العناوين الفجة وجه الوطن بسخام تمييزى يخنق روح المواطنة، ويردنا مواطن الهلاك. حتى هذه السطور ما كان يجب أن تكتب فى إثر هذا القرار الذى من المفترض أنه بات من العاديات.. فحسب لزم التنويه.
من صميم القول، ورثت الجمهورية الجديدة حزمة من الأمراض المتوطنة والسارية التى رسخت أفكارًا تمييزية، لعل أشدها خطرًا على مفهوم المواطنة، التمييز (الجنسى/ الدينى).. وكم حرمت جديرات بالمناصب من أحقيتهن، وكم حرم من هم أهلًا للمناصب من حقوقهم، لأسباب تمييزية لا أصل لها فقهيًا ولا مجتمعيًا.
للأسف، عانينا طويلًا من تراجع مفاهيم المواطنة الحقة.. والمواطنة مشتقة من كلمة (وطن)، المواطنة هى الرابطة القانونية والاجتماعية التى تربط الفرد بالدولة، وتحدد ما له من حقوق وما عليه من واجبات، مجردًا من جنسه ودينه.
عانينا عقودًا خلت من ارتفاع منسوب العصبية الجنسية والطائفية، ما صعّب العيش المشترك، وأثّر بشدة على مستويات السلم الاجتماعى. القرار الرئاسى يؤذن بمراعاة المواطنة فى سياقاتنا المجتمعية، وهذا من طيب الأعمال الرئاسية.