آخر الأخبار

الجرام أم السهم؟.. لماذا يثق المصريون في الذهب أكثر من البورصة؟ | مصراوي

شارك
مصدر الصورة

بدأت البورصة المصرية في جذب أعداد متزايدة من المستثمرين الأفراد، خصوصًا الشباب، لكن الذهب يدخل إلى عقل المصري من باب "تحويشة العمر"، بينما تدخل البورصة غالبًا من باب "الاستثمار والمخاطرة".
لا يبدو أن المصري يرفض الاستثمار في الأسهم بقدر ما يتعامل مع الذهب باعتباره أصلًا أكثر سهولة في الفهم، وأكثر رسوخًا في الذاكرة، وأقل احتياجًا إلى المعرفة الفنية اليومية.

الذهب مخزن للقيمة

قال هاني ميلاد رئيس الشعبة العامة للذهب باتحاد الغرف التجارية، إن ارتفاع التضخم والضغوط الاقتصادية وتكاليف المعيشة دفع مزيدًا من المستهلكين إلى الذهب للتحوط من التضخم والحفاظ على القوة الشرائية.
وأضاف لـ مصراوي أن دوافع الشراء تغيرت بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة؛ فبينما كانت المشغولات مرتبطة أساسًا بالزينة والمناسبات، أصبحت السبائك والجنيهات أكثر حضورًا لدى من يبحثون عن الادخار والاستثمار.
هبط استهلاك المشغولات الذهبية خلال 2025 إلى 21.5 طن، مقابل 26.1 طن في 2024، بانخفاض 18%، وفق مجلس الذهب العالمي، في الوقت الذي ارتفعت فيه جاذبية الاستثمار في الذهب عالميًا، مع وصول الطلب على السبائك والعملات إلى أعلى مستوى له منذ 12 عامًا خلال 2025.
وكان التحول إلى الذهب الاستثماري واضحًا بصورة أكبر منذ أزمة العملة، ففي 2023 قفز الطلب المصري على السبائك والعملات الذهبية إلى 30 طنًا، مقابل 19 طنًا في 2022، حسب مجلس الذهب العالمي، الذي ربط القفزة أساسًا بالتدهور الحاد في قيمة الجنيه والظروف الاقتصادية المحلية.

أحفظ فلوسي في إيه؟

رغم تراجع التضخم السنوي العام في مصر إلى 12.7% خلال أغسطس 2026، مقابل 13% في يوليو، فإن الأسعار لا تزال تتحرك عند مستويات مرتفعة بعد سنوات من موجات التضخم وخفض قيمة العملة.

قال الدكتور حازم حسانين عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، إن هذه البيئة تجعل الاحتفاظ بالنقد قرارًا له تكلفة، فالمواطن لا يقارن فقط بين سعر الذهب اليوم وسعره غدًا، وإنما يقارن بين القوة الشرائية للنقود التي يحملها اليوم وما يمكن أن تشتريه بعد سنوات.
وأضاف لـ مصراوي أن للذهب ميزة نفسية واقتصادية في آن واحد، فالمواطن يستطيع رؤية الأصل وامتلاكه وإعادة بيعه، بينما لا يحتاج إلى معرفة أرباح شركة أو قراءة ميزانية أو متابعة مضاعف ربحية حتى يفهم الفكرة الأساسية من شراء جرام الذهب.

وحسب الأسعار المتداولة في السوق المصري في 21 سبتمبر 2026، يدور جرام الذهب عيار 21 حول 6315–6365 جنيهًا، بينما يتراوح عيار 24 حول 7217–7274 جنيهًا للجرام، وهو ما يعكس حجم الارتفاع الهائل الذي شهدته أسعار المعدن مقارنة بالسنوات السابقة.

أشتري جرامًا أسهل من أشتري سهمًا

قال شريف منصور العضو المنتدب لشركة الصك القابضة للاستثمارات المالية، إن شراء الذهب لا يحتاج إلى أن يعرف المواطن كيف تحقق الشركة أرباحها أو ما إذا كان السهم يتداول بأعلى من قيمته العادلة أو كيف يتأثر القطاع بأسعار الفائدة.


وأضاف أن المستثمر يكفيه أن يعرف سعر الجرام والمصنعية أو تكلفة الاستثمار وسعر إعادة البيع، أما السهم فهو حصة في شركة، وقيمته ترتبط بأداء الشركة وتوقعات السوق والأرباح والتدفقات النقدية والقطاع والاقتصاد وسلوك المستثمرين.


وذكر أن منصات الاستثمار الرقمي التي تعمل على تبسيط البورصة تقر بأن الاستثمار المباشر في الأسهم يحتاج بحثًا وفهمًا لنموذج أعمال الشركة ومتابعة الأخبار، بينما تتيح صناديق الاستثمار نقل عملية الاختيار إلى مدير محترف.


وبيّن أن هذا الفارق في قابلية الفهم مهم؛ لأن المواطن لا يختار دائمًا الأصل الذي يملك أعلى عائد متوقع، وإنما قد يختار الأصل الذي يشعر أنه يستطيع فهمه والسيطرة عليه.

الذهب ملموس والسهم وعد

قال فادي كامل المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة جرامز للذهب، إن الذهب في مصر ليس منتجًا ماليًا جديدًا يحتاج بناء ثقة من الصفر، بل هو جزء من ثقافة الادخار والزواج والميراث والتحوط.


وأضاف لـ مصراوي أن المواطن قد لا يحتاج أن يشرح له أحد لماذا يشتري الذهب، بينما يحتاج الاستثمار في البورصة إلى بناء معرفة وثقة وسلوك جديد.


خلال أول 8 أشهر من 2026، استقبلت البورصة المصرية نحو 450 ألف مستثمر جديد، مقابل 300 ألف خلال الفترة نفسها من 2025، حسب تصريحات عمر رضوان رئيس البورصة المصرية، كما ارتفع متوسط السيولة اليومية إلى نحو 9 مليارات جنيه خلال 2026، مقابل 3.5 مليار جنيه في 2025.

وفي الربع الأول وحده، دخل نحو 164 ألف مستثمر فرد جديد إلى البورصة، بزيادة تقارب 200% على أساس سنوي، وكان أكثر من نصفهم بين 18 و30 عامًا، بينما مثلت الفئة من 18 إلى 45 عامًا قرابة 88% من الداخلين الجدد، وفق بيانات صحفية.


وتكشف بيانات الرقابة المالية، أن بنهاية يونيو 2026 وصل عدد المستثمرين في صناديق الذهب والفضة إلى نحو 329 ألف مستثمر، بزيادة 14% خلال الربع الثاني، وبلغ صافي أصولها 9.35 مليار جنيه، واستحوذ الأفراد على 71% من المستثمرين، بينما تجاوزت حصة الفئة العمرية من 20 إلى 40 عامًا 70%.


وضمت صناديق الذهب وحدها نحو 306.5 ألف مستثمر بأصول تقترب من 9.2 مليار جنيه عبر 7 صناديق.

الذهب القديم يتحول إلى استثمار رقمي

فادي كامل يرى أن الذهب دخل مرحلة جديدة، فلم يعد المواطن مضطرًا إلى شراء قطعة ذهب والاحتفاظ بها في المنزل، بل أصبح يستطيع شراء التعرض للذهب عبر أداة مالية منظمة.


ووصف كامل سلوك الجيل الجديد في مصر بأنه أقرب إلى التنويع الرقمي، فالشباب لا يتخلون بالضرورة عن الذهب والعقار والودائع، وإنما يضيفون إليها الأسهم والصناديق والأدوات الرقمية.



وقد ارتفع صافي أصول صناديق الاستثمار إلى 470.9 مليار جنيه بنهاية يونيو 2026، مقابل 410.69 مليار جنيه في نهاية مارس، بينما قفز عدد الوحدات القائمة 40.16% خلال 3 أشهر إلى 44.04 مليار وحدة، واستحوذ الأفراد على نحو 74.7% منها.


أشار شريف منصور إلى أن تطبيقات التداول الرقمي ساهمت في توسيع قاعدة المستثمرين الأفراد، وأن متوسط عمر مستخدمي إحدى أكبر المنصات نحو 30–32 عامًا، مع كون 80% من العملاء مستثمرين للمرة الأولى.


وأضاف أن التطبيقات أزالت كثيرًا من الاحتكاك أمام الاستثمار، لكن بعض المستخدمين قد يشترون الأسهم بناءً على "الضجة" أو المحتوى الرائج دون فهم كافٍ للأساسيات وإدارة المخاطر، ثم يبيعون في حالة الذعر عند الهبوط.


فادي كامل يرى أن المصري يدخل إلى الذهب غالبًا بعقلية الادخار، بينما يمكن أن يدخل السهم بعقلية المضاربة.


بيانات مجلس الذهب العالمي توضح أن الطلب الاستثماري العالمي على السبائك والعملات قفز بقوة في الربع الأول من 2026، قبل أن يعود في الربع الثاني إلى مستويات أكثر طبيعية.

وبلغ الاستثمار العالمي في السبائك والعملات 307 أطنان في الربع الثاني، بانخفاض طفيف 3% على أساس سنوي، بينما بلغ النصف الأول 784 طنًا، من أقوى مستويات النصف الأول تاريخيًا.

حذر هاني ميلاد من شراء الذهب بهدف البيع السريع، فالذهب، بحسب رؤيته، أداة ادخار واستثمار متوسطة وطويلة الأجل، وليس ضمانًا لتحقيق مكسب سريع.


في الربع الأول من 2026 حققت صناديق الذهب المدعومة بالذهب عوائد قوية، ثم تعرضت لتراجع حاد في الربع الثاني، وفق "الرقابة المالية".

لماذا يظل الذهب متقدمًا نفسيًا؟

حازم حسانين يرى أن المواطن يعرف أن الجرام له سعر، وأنه يستطيع بيعه، وأن الذهب يحتفظ بقيمة مادية يمكن انتقالها بين الأجيال، أما الاستثمار في الأسهم فيتطلب منه أن يثق في شركة، وإدارة، وسوق، ومعلومات مالية، ونظام تداول، وأن يتحمل احتمال أن تنخفض قيمة استثماره قبل أن ترتفع.

وتظهر أهمية هذا العامل في دراسة السلوك المالي للمستثمرين المصريين، حسب حسانين، فوجود المعرفة المالية لا يلغي التحيزات تمامًا، لكنه يغير طريقة تأثر المستثمر بها.

مصراوي المصدر: مصراوي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا