تكتسب زيارة الرئيس الصينى شى جين بينج إلى القاهرة، بعد نحو 10 سنوات من آخر زيارة له إلى مصر، أهمية سياسية واستراتيجية خاصة، فى ظل التحولات المتسارعة التى يشهدها النظام الدولى والتوترات المتصاعدة فى منطقة الشرق الأوسط. فالزيارة لا تأتى فى إطار العلاقات الاقتصادية والاستثمارية المتنامية بين القاهرة وبكين فحسب، وإنما تعكس حرص البلدين على الارتقاء بشراكتهما إلى مستويات أوسع، تشمل الملفات السياسية والأمنية والدفاعية، بما يعزز موقع مصر كطرف فاعل فى محيطها الإقليمى والدولى، ويؤكد فى الوقت نفسه تنامى الحضور الصينى فى المنطقة.
وتحمل الزيارة رسائل متعددة بشأن طبيعة الدور المصرى فى معادلات القوى الدولية، فى وقت تتجه فيه بكين إلى تعزيز علاقاتها مع القوى الإقليمية المؤثرة، بينما تتمسك القاهرة بسياسة تنويع الشراكات والحفاظ على استقلالية قرارها، بما يتيح لها توسيع هامش الحركة والتعامل مع مختلف مراكز القوة الدولية وفقًا لمصالحها الوطنية.
وفى هذا السياق، تأتى تصريحات عدد من الخبراء والمحللين لتسلط الضوء على أبعاد الزيارة وما تحمله من رسائل سياسية واستراتيجية، حيث يؤكد الدكتور مصطفى الفقى، المفكر السياسى، أن بكين ترى فى مصر قوة شرق أوسطية عاقلة وداعمة للتسوية والسلام، فيما يرى اللواء محمد الشهاوى أن «نسور الحضارة 2026» تعكس انتقال العلاقات المصرية- الصينية إلى العمق الدفاعى، بينما يؤكد الدكتور رضا فرحات أن لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسى وشى جين بينج يعزز مكانة مصر فى معادلات القوة الدولية.
وأكد الدكتور مصطفى الفقى أن زيارة الرئيس الصينى إلى مصر، مهما جرى التأكيد على طابعها الاقتصادى والتنموى والاستثمارى، لا يمكن فصلها عن دلالاتها وآثارها السياسية، مشيرًا إلى أن الصين تمثل إحدى أهم القوى المؤثرة فى النظام الدولى المعاصر.
وقال «الفقى» لـ«المصرى اليوم» إن الصين تملك ثانى أكبر اقتصاد فى العالم، كما أنها كانت الدولة الأكبر من حيث عدد السكان لعقود طويلة قبل أن تتفوق عليها الهند، وهو ما يجعلها تمثل ثقلًا دوليًا كبيرًا فى ميزان العلاقات الدولية، فضلًا عن امتلاكها مقومات دولة عظمى على المستويات الاقتصادية والصناعية والسياسية، والعلاقات المصرية- الصينية تتمتع بجذور تاريخية عميقة، موضحًا أن مصر كانت أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين عام 1956، وهو ما يعكس خصوصية العلاقات بين البلدين وامتدادها التاريخى.
وأشار «الفقى» إلى أن مصر دعمت حصول الصين على مقعدها فى الأمم المتحدة، لتستعيد مكانتها باعتبارها إحدى الدول الخمس الكبرى صاحبة العضوية الدائمة وحق النقض فى مجلس الأمن، مؤكدًا أن العلاقات بين القاهرة وبكين لم تكن وليدة التطورات الراهنة، وإنما قامت على أساس من التفاهم والتقارب السياسى الممتد.
وتابع: «نتذكر أيضًا العلاقات التى جمعت بين الرئيس جمال عبدالناصر والقيادة الصينية، وفى مقدمتها رئيس الوزراء الصينى فى خمسينيات ومطلع ستينيات القرن الماضى، كما أن الصين كانت دائمًا متعاطفة مع المواقف المصرية والقضايا العربية».
وأكد «الفقى» أن الصين تمثل «قوة ثقيلة فى العالم المعاصر»، وتبدو فى كثير من الأحيان بعيدة عن صخب العديد من الأحداث والصراعات، بينما تركز على بناء قوتها الداخلية، والتصنيع، وتطوير اقتصادها، وترسيخ مقومات الدولة العظمى.
وأوضح أن الزيارة تحمل دلالات مهمة بشأن مكانة القاهرة السياسية والاقتصادية، ولا يمكن التقليل من أهميتها أو من رمزيتها، مشددًا على أن هذه الرمزية تعبر عن مكانة مصر عربيًا وأفريقيًا، ولاسيما فى ظل الأوضاع المعقدة التى تشهدها منطقة الشرق الأوسط وتصاعد الصراعات المحتدمة فى الإقليم، مشددًا على أن الصين تنظر إلى مصر باعتبارها قوة شرق أوسطية «عاقلة ومتزنة»، وداعمة للوصول إلى تسوية عاجلة للصراعات والأزمات بما يحقق مصالح مختلف الأطراف، مؤكدًا أن القاهرة لا تنتمى إلى محور محدد أو حلف بعينه، وإنما تتحرك انطلاقًا من رؤيتها لأهمية تحقيق الأمن والاستقرار والسلام فى المنطقة.
وأضاف «الفقى» أن مصر كانت دائمًا فى مقدمة الدول الساعية إلى دعم الأمن والسلم الدوليين، وخصوصًا فى منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يمنحها أهمية خاصة فى الرؤية الصينية للتعامل مع أزمات المنطقة.
وأكد اللواء أركان حرب دكتور محمد الشهاوى، زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، رئيس أركان الحرب الكيميائية الأسبق، أن زيارة الرئيس الصينى شى جين بينج إلى القاهرة لا يمكن فصلها عن أجواء التدريب الجوى المصرى- الصينى المشترك «نسور الحضارة 2026»، مشيرًا إلى أن تزامن الزيارة مع انطلاق التدريب، بمشاركة مقاتلات J-16 الصينية إلى جانب مقاتلات الرافال المصرية، يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز الإطار البروتوكولى للزيارة والعلاقات الثنائية بين البلدين.
وقال «الشهاوى» لـ«المصرى اليوم»: «إن أولى الرسائل التى يحملها التدريب تتمثل فى نجاح مصر فى تحويل سياسة تنويع مصادر التسليح والتدريب إلى واقع عملى»، موضحًا أن مشاركة مقاتلات صينية إلى جانب مقاتلات غربية متطورة فى تدريب مشترك تعكس امتلاك القوات المسلحة المصرية القدرة على التعامل مع منظومات ومدارس عسكرية مختلفة.
وأضاف «الشهاوى» أن هذا التنوع لا يتعلق فقط بامتلاك منصات تسليح متعددة، وإنما بالقدرة على استيعاب أنماط مختلفة من التشغيل والتكتيكات والتعامل معها ضمن منظومة واحدة، بما يعزز جاهزية القوات المسلحة ويدعم متطلبات الأمن القومى المصرى، مشيرًا إلى أن «نسور الحضارة 2026» تعكس كذلك تطور طبيعة الشراكة المصرية- الصينية، مؤكدًا أن العلاقات بين القاهرة وبكين لم تعد تقتصر على مجالات الاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية، وإنما تشهد اتساعًا فى مجالات التعاون الدفاعى والتدريب العسكرى.
وقال «الشهاوى» إن تنامى العلاقات المصرية- الصينية لا يعنى التخلى عن الشراكات الاستراتيجية القائمة مع الدول الغربية، وإنما يعكس توجهًا مصريًا نحو تنويع الشراكات ومصادر التسليح والتدريب، بما يمنح الدولة قدرًا أكبر من الخيارات وهامشًا أوسع للمناورة، ويحافظ على استقلالية القرار الوطنى، مؤكدًا أن «نسور الحضارة 2026» ليست مجرد تدريب عسكرى، وإنما تحمل رسالة مفادها أن قوة مصر لا تقاس فقط بحجم ونوعية ما تمتلكه من أسلحة ومقاتلات، وإنما أيضًا بقدرتها على إدارة علاقات وشراكات متعددة، والاستفادة من خبرات عسكرية متنوعة بما يخدم أهدافها الدفاعية.
وأكد «الشهاوى» على أن وجود مقاتلات من مدارس تسليح مختلفة فى تدريبات مشتركة داخل الأجواء المصرية يعكس تنامى قدرات القوات المسلحة المصرية على استيعاب منظومات متنوعة، ويؤكد فى الوقت نفسه الدور المحورى لمصر فى معادلات الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمى والدولى.
وقال اللواء الدكتور رضا فرحات، نائب رئيس حزب المؤتمر، أستاذ العلوم السياسية، إن زيارة الرئيس الصينى إلى مصر وما شهدته من مباحثات موسعة مع الرئيس السيسى، تمثل محطة فارقة فى مسار العلاقات المصرية- الصينية، وتكتسب أهمية مضاعفة لتزامنها مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بما يعكس عمق الشراكة السياسية والاستراتيجية التى تجاوزت على مدار العقود حدود العلاقات الثنائية إلى التنسيق حول قضايا إقليمية ودولية بالغة الأهمية.
وأوضح «فرحات» أن ما جاء فى مباحثات الرئيسين يعكس إدراكًا مشتركًا لطبيعة التحولات التى يشهدها النظام الدولى، ورغبة مصر والصين فى تعزيز التنسيق بما يخدم مصالح البلدين والدول النامية، مشيرًا إلى أن تأكيد القاهرة وبكين على الحلول الدبلوماسية وخفض التصعيد وتسوية النزاعات بالطرق السلمية يعكس تقاربًا فى الرؤية تجاه ضرورة بناء نظام دولى أكثر توازنًا، تكون فيه للدول النامية مساحة أكبر فى صياغة القرارات التى تؤثر فى مستقبلها.
وأشار نائب رئيس حزب المؤتمر إلى أن الإعلان عن تدشين المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية المصرية- الصينية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يمثل أحد أبرز المخرجات العملية للزيارة، لأنه ينقل الشراكة من مستوى التفاهمات السياسية إلى مشروعات إنتاجية واستثمارية مباشرة، خاصة فى قطاعات الطاقة المتجددة وصناعة السيارات والنسيج والألياف الكيماوية، بما يدعم توجه الدولة المصرية نحو توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وزيادة القيمة المضافة للاقتصاد الوطنى.
المصدر:
المصري اليوم