منذ عودته إلى البيت الأبيض، لايزال الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مادة دائمة للنقاش السياسى والقانونى فى الولايات المتحدة؛ فالرئيس الذى أثار الكثير من الجدل بسبب قراراته المفاجئة والسياسات التى ينتهجها فى التعامل داخليا وخارجيا - خاصة منذ بدأ ولايته الثانية- تثير أيضا أسئلة حول حدود سلطته ومستقبل المؤسسات الأمريكية واحترام القانون والديمقراطية التى طالما كانت الولايات المتحدة تقدم بها نفسها إلى العالم باعتبارها نموذجا لها.
وفى كتابه الصادر حديثا Liar’s Kingdom: How to Stop Trump›s Deceit and Save America «مملكة الكاذب.. كيف نوقف خداع ترامب وننقذ أمريكا»، يطلق أندرو وايزمان، المدعى الفيدرالى السابق والمحلل القانونى فى شبكة MS NOW الأمريكية دعوة للوقوف أمام استمرار الأكاذيب السياسية فى أمريكا، ومنع شخصية مثل دونالد ترامب من الظهور مرة أخرى.
يعد مؤلف كتاب «مملكة الكاذب» أندرو وايزمان، إحدى الشخصيات القانونية الشهيرة فى الولايات المتحدة ويعرف بأنه من الواقفين على الجانب الآخر من سياسات الرئيس ترامب خاصة أنه كان عضوا بارزا فى لجنة مولر التى تشكلت برئاسة روبرت مولر المدعى الخاص ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالى السابق؛ لبحث التدخل الروسى فى الانتخابات الرئاسية لعام 2016 وعلاقات ترامب بموسكو.
فى كتابه، يركز وايزمان على أكاذيب ترامب والتى بدأها حينما قال: «انتخابات 2020 شهدت تزويرا كاملا، لقد فزت بالتصويت الشعبى إذا استثنينا ملايين الأشخاص الذين صوتوا بشكل غير قانونى، ومن المستحيل أن يحصل بايدن على 80 مليون صوت» وهى الأكاذيب التى يجد الكاتب أنها أطلقت شرارة انتفاضة يناير التاريخية والتى تهدف -تبعا للكاتب- إلى إسقاط الديمقراطية وتقويض ثقة الشعب فى الانتخابات فى الوقت نفسه دفعت سياسيين آخرين إلى إطلاق أكاذيبهم الخاصة والترويج لها على المستوى العام بعد أن رأوا أن كذب ترامب السياسى نجح وحقق أهدافه.
ويؤكد أندرو وايزمان أن ضعف المشهد العام أمام أكاذيب السياسيين بسبب خلل فى النظام القانونى الأمريكى، وهو خلل قابل للإصلاح، لكن ذلك يتطلب شجاعة وإبداعا واستعدادا للنظر إلى تجارب الدول الأخرى لمنع سياسيين مثل ترامب من تولى مناصب فى المستقبل.
بدأ وايزمان الفصل الأول من كتاب بجملة «نحن أمة غارقة فى الأكاذيب»؛ وهو فى ذلك لا يستثنى أحدا ممن يعدون قادة المجتمع؛ فبالنسبة له جميع القادة يكذبون لكن أكثرهم براعة فى قلب الحقائق هو ترامب الذى أثار العنصرية وأشعل حالة من الكراهية ضد الأجانب والمهاجرين، وكذب فيما يتعلق بأصول باراك أوباما الرئيس الأمريكى الأسبق، وخلال فترة ولايته الأولى احتفظت صحيفة واشنطن بوست بـ30 ألف خطاب رئاسى رصدت فيهم معلومات كاذبة أو مضللة بمعدل 20.9 كذبة كل يوم، وهو يعتقد أن واشنطن بوست توقفت عن انتقاد ترامب فى ولايته الثانية بسبب علاقة مالكها مع الرئيس الأمريكى وليس بسبب توقفه عن إطلاق الأكاذيب.
ويجد وايزمان أن المشكلة الأكبر أن الشعب الأمريكى يتعامل مع تلك الأكاذيب باعتبارها حقائق وهو ما يظهر فى استطلاعات الرأى التى أظهر أحدهم على سبيل المثال أن 69٪ من الناخبين الجمهوريين يعتقدون فى حدوث تزوير فى نتائج انتخابات 2020 وذلك نتيجة للادعاءات التى يطلقها ترامب بدون دليل رغم قوله إنه سيعقد مؤتمرا صحفيا يكشف فيه عن الوثائق التى تدعم ما يقول لكنه عاد ليعلن أن مستشاريه نصحوه بعدم فعل ذلك ولم يقدم حتى الآن دليلا على صدق ادعاءاته، مشيرا إلى أنه رغم وجود العديد من القوانين الأمريكية التى تعاقب أشكالا متعددة من الكذب، مثل الاحتيال وشهادة الزور والإدلاء ببيانات كاذبة للسلطات، لكن لا توجد آلية أو قانون لمحاسبة السياسيين الذين يروجون أكاذيب تضر بالعملية الديمقراطية أو لمنعهم من الوصول إلى المناصب العامة.
واستعرض الكاتب فى «مملكة الكاذب» قصص شخصيات شهيرة فى عالم الجريمة المنظمة من بينهم جون جوتى، المعروف باسم «الرجل الأنيق»، وهو أحد أشهر زعماء المافيا الأمريكية فى نيويورك واشتهر بمظهره الأنيق وظهوره الإعلامى اللافت، وفى عام 1992 أُدين بجرائم عديدة منها القتل والابتزاز، وتوفى فى السجن عام 2002، أيضا فنسنت جيجانتى زعيم عائلة جينوفيز الإجرامية، والمعروف بلقب «الأب الغريب»؛ فقد تظاهر لسنوات بأنه يعانى من اضطرابات عقلية شديدة، فكان يتجول فى الشوارع بملابس النوم ويتحدث إلى نفسه، وهو ما ساعده على تجنب الملاحقة القضائية وإقناع البعض بأنه غير مؤهل للمحاكمة حتى أثبت المدعون الفيدراليون- ومنهم وايزمان نفسه- صحته العقلية وحصلوا على إدانته.
ويجد وايزمان أنه ليس بالضرورة أن يكون الشخص زعيم عصابة لتتم ملاحقته فى قضايا الكذب؛ لكن مزاعم ترامب العلنية بتزوير الانتخابات الرئاسية عام 2020 هى التى مهدت الطريق لانتفاضة 6 يناير، خاصة وأنه لم يتراجع عن تلك الأكاذيب على الرغم من أن لجنة التحقيقات فى تلك الأحداث بالكونجرس توصلت إلى أن ترامب كان على علم تام بأنه لم يحدث أى تزوير فى الانتخابات من خلال أطراف مختلفة منهم مستشاريه وأشخاص مسؤولون عن الإبلاغ عن الانتهاكات الانتخابية فى حملته، ورغم ذلك فحتى الآن لم يتم محاكمة ترامب أو إثبات إدانته وهو ما يعتبره الكاتب قصورا كبيرا وتواطؤا من البعض فى تحقيق العدالة وحماية الديمقراطية الأمريكية.
وفى الفصل الثانى الذى حمل اسم «الديمقراطية على المحك» يقول وايزمان إن عدم محاكمة ترامب دفعة لخوض الانتخابات بل والحصول على الولاية ثانية، والتى فى بدايتها تم قلب الحقائق والإفراج عن 1500 من مقتحمى مبنى الكابيتول بعد أن أصبح اسمهم سجناء سياسيين، والأسوأ أنه تمت الإطاحة بكل من عمل على هذه القضية، واستبعاد كل من وجه نقدا إلى ترامب من منصبه السياسى، فضلا عن إلغاء التصاريح الأمنية لشخصيات من بينهم بايدن وهيلارى كلينتون وكامالا هاريس وليز تشينى وهى التصاريح التى كانت تمنحهم حق الوصول إلى المعلومات بحكم مناصبهم السابقة أو كمستشارين فى الأمن القومى.
ويقول وايزمان أيضا أنه فى الولاية الثانية لترامب: «يبدو أن المؤهل الأساسى الذى نراه فى كثير من المرشحين للوصول إلى مناصب بالغة الأهمية هو الولاء، وليس الخبرة. لقد عملت فى وزارة العدل، وعملت فى مكتب التحقيقات الفيدرالى، ولا أعتقد أن أحدا يستطيع القول إن كاش باتيل- مدير مكتب التحقيقات الفيدرالى الحالى- كان الشخص الأنسب على الإطلاق لمنصب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالى».
ويؤكد الكاتب الأمريكى على ضرورة محاسبة السياسيين إذا أضرت أكاذيبهم بالديمقراطية، مقدما مقترحا لتشديد الرقابة التشريعية على التلاعب بالانتخابات، وإدخال إصلاحات هيكلية شاملة، وهو لا يجد فى ذلك خروجا عن الأعراف الدولية، بل يؤكد أنه يمكن للولايات المتحدة النظر إلى تجارب الدول الأخرى فى المحاسبة، مشيرا إلى حماية الدول لانتخاباتها كما حدث فى البرازيل حيث أدانت المحكمة العليا فى البرازيل بأغلبية أعضائها الرئيس السابق جايير بولسونارو، بالسجن لمدة 27 عاما وثلاثة أشهر، بتهمة التخطيط لتنفيذ انقلاب للبقاء فى السلطة عقب خسارته فى انتخابات الرئاسة عام 2022.
ورغم حدة الانتقادات التى وجهها الكاتب لترامب، يحاول وايزمان أن يقدم نفسه فى الكتاب باعتباره مدافعا عن المؤسسات أكثر من كونه خصما سياسيا للرئيس الأمريكي؛ فهو يكرر فى أكثر من مناسبة أن المحاكم الأمريكية لا تزال تمثل إحدى المؤسسات القادرة على حماية الإجراءات القانونية والبحث عن الحقيقة، مستشهدا بالأحكام القضائية التى رفضت الطعون المقدمة لإلغاء نتائج انتخابات 2020.
ويؤكد وايزمان فى كتاب «مملكة الكاذب» على ضرورة التفرقة بين حرية التعبير وتجريم الأكاذيب فيقول: «إن الحجة الرئيسية ضد تشديد الرقابة على الأكاذيب الانتخابية هى أنها تقيد حرية التعبير» وهو ما يجد أنه غير صحيح مضيفا: «لنأخذ موقع ومحطة MS Now كمثال.. لدينا قسم للمعايير نلتزم به، ولا يمكن اعتبار ذلك تقييدا للخطاب، بمعنى أنهم يراجعون المقالات للتأكد من صحة جميع الأدلة، وما إذا كانت تستوفى المعايير المطلوبة، والتأكد من صحة موقفنا، حتى لا يتعرض الموقع للتقاضى، وبالطبع لا يمكن أن يقول أحد إن تلك الخطوة مقيدة لحرية التعبير».
ويقترح الكاتب تشريع قوانين جديدة تجرم الأكاذيب المماثلة فى الحملات السياسية وأثناء تولى المناصب العامة، ويستشهد بأمثلة من أوروبا وأمريكا اللاتينية، حيث نجحت هذه الإجراءات القانونية فى وقف - أو على الأقل إبطاء - انتشار الأكاذيب المدمرة.
وفى مقال نشره أندر وايزمان نهاية الشهر الماضى فى نيويورك تايمز أكد فيه على رؤيته لأهمية المحاسبة للسياسيين وذلك حماية للديمقراطية الأمريكية، مشيرا إلى أن ولاية الرئيس ترامب الثانية، شهدت توجيه وزارة العدل اتهامات ضعيفة ضد شخصيات بارزة، من بينهم جيمس كومى، المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالى، وليتيشيا جيمس، المدعية العامة لولاية نيويورك، والقاسم المشترك بين هذه القضايا هو أنها تتعلق بمن يعتبرون خصوم ترامب، وأنها- رغم استيفائها للمعايير المتدنية للغاية لتقديم تهم جنائية أمام هيئة محلفين كبرى- فمن المستبعد جدا أن تستوفى المعايير الأعلى بكثير للإدانة فى المحاكمة لاحقا.
«مملكة الكاذب» يعد من الكتب الأكثر مبيعا طبقا لقائمة نيويورك تايمز وكذلك US Today وهو الكتاب الثالث لاندرو وايزمان الذى سبق وقدم كتاب «Where Law Ends: Inside the Mueller Investigation» عام 2020 وهو الكتاب الذى قدم رواية من الداخل عن لجنة مولر وكواليس التحقيق والتحديات القانونية والسياسية التى واجهها الفريق، كما شارك الكاتبة وأستاذة القانون ميليسا موراى فى تأليف كتاب «The Trump Indictments: The Historic Charging Documents with Commentary» عام 2024 والذى يجمع لوائح الاتهام الجنائية التاريخية الموجهة إلى الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب، مع شروح وتعليقات قانونية تساعد القارئ على فهم خلفياتها وأهميتها الدستورية والسياسية.
المصدر:
المصري اليوم