وقال رئيس الوزراء مصطفى مدبولى، خلال المؤتمر الصحفي لاجتماع الحكومة الأسبوعي الماضي، إن مصر ستعلن قريباً الخطوات التنفيذية لتطبيق نظام الدعم النقدي الجديد، لكنه لم يكشف عن قيمة الدعم أو آليات تطبيقه.
قال مدحت نافع الخبير الاقتصادي، إن الدعم النقدي أكثر كفاءة لتوجيه الدعم للمستحقين، ويقلل فاقد التوزيع، ويتيح مرونة أعلى في تحديد أولويات الإنفاق وفق احتياجات الأسر الفعلية، كما أنه أكثر قابلية للتنبؤ به من جانب الدولة والمستفيد، بما يسمح بالتكيف بصورة أسرع مع تغيرات الأسعار والتضخم، ولكن بشرط وجود قواعد بيانات دقيقة وآليات متابعة فعالة.
وأكد نافع، أنه لا ينبغي إغفال أن أثر التضخم على الفئات الفقيرة لا يُقاس فقط بمعدل التضخم العام، بل بالتضخم داخل المجموعات السلعية، خاصة الغذاء والدواء والطاقة، والتي تشهد أحيانًا زيادات تفوق المتوسط العام، ما يؤدي إلى تآكل سريع في القيمة الحقيقية للدعم إذا لم تتم مراجعته بصورة دورية ومرنة.
وذكر أن بعض الأسر قد تعيد توجيه الدعم إلى احتياجات أكثر إلحاحًا، على حساب جودة الغذاء أو الرعاية الصحية، ولذلك فإن بعض الدول لم تتخل بالكامل عن الدعم العيني، بل احتفظت بمزيج متوازن بين الاثنين، خاصة في السلع الاستراتيجية أو خدمات صحة والتعليم.
وشدد على أنه يجب الانتباه إلى أن أي تدهور في الأمن الغذائي أو الصحة العامة قد يفرض على الدولة لاحقًا تكلفة اقتصادية واجتماعية مضاعفة، سواء في صورة ارتفاع الإنفاق الصحي، أو تراجع الإنتاجية، أو زيادة معدلات الفقر والهشاشة الاجتماعية.
من جهته، يرى فخري الفقي الرئيس السابق للجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، أن الدعم النقدى يضمن وصول الدعم لمستحقيه بصورة أكبر، ويمنح المواطن حرية اختيار السلع، خاصة أن ما يتراوح بين 25 و30% من الدعم فى النظام السلعى الحالى لا تصل إلى مستحقيها، متوقعًا تحديث بيانات المستفيدين بالتزامن مع تطبيق النظام الجديد، موضحًا أن المرحلة المقبلة ستعتمد على الدعم النقدى الكامل دون ربطه بالخبز المدعم أو السلع التموينية.
ورجح الفقي، أن تتراوح قيمة الدعم الشهرى للفرد بين 220 و235 جنيهًا وفقًا للأرقام المعلنة فى الموازنة العامة للدولة للعام المالى المقبل، خاصة أن قيمة الدعم فى الموازنة الجديدة تبلغ 178 مليار جنيه، فيما يصل عدد المستفيدين من الخبز المدعم إلى 68.5 مليون مواطن، ويبلغ عدد المستفيدين من الدعم التموينى نحو 60.5 مليون مواطن، وبمتوسط إجمالى يقارب 65 مليون مستفيد.
وخصصت الحكومة 178.3 مليار جنيه لدعم السلع التموينية في مشروع موازنة العام المالي 2026-2027، بزيادة 11% على أساس سنوي، ليستحوذ وحده على 38% من إجمالي مخصصات الدعم المقدرة بنحو 468 مليار جنيه، ويظل أكبر بنود الدعم في الموازنة الجديدة.
وأكد الفقى، أن تطبيق الدعم النقدى يضع على عاتق وزارة التموين مسئولية مواجهة آثار التضخم من خلال زيادة قيمة الدعم بما يتناسب مع ارتفاع الأسعار، مشيرًا إلى أن انخفاض أعداد المستفيدين تدريجيًا بصورة سنوية قد يوفر فائضًا يمكن استخدامه لتعويض آثار التضخم.
فيما قال الخبير الاقتصادي، هاني توفيق، إن جميع دول العالم ألغت الدعم العيني، بينما مصر تعتبر البلد الوحيدة التي ما زالت تقدم دعما عينيا، ولكنه أكد ضرورة توفير بعض الضوابط أولا قبل تطبيق الدعم النقدي لضمان تحقيق العدالة الاجتماعية، أهمها وجود قاعدة بيانات رقمية دقيقة ومحدثة للمستحقين الفعليين، وأن يتم توجيه الدعم للأم لضمان توظيف هذه الأموال في الاحتياجات الأساسية للأسرة، مثل التعليم، والرعاية الصحية للأطفال.
وأضاف أن أهم تحديات الدعم النقدى أنه قد يصاحبه ارتفاع معدل التضخم نتيجه لتوفر سيولة نقدية مباشرة لدى المواطنين، ولكن يمكن التعامل معها من خلال تقنين المنظومة عبر بطاقات دفع مرتبطة بسلع محددة.
وشدد على ضرورة زيادة قيمة الدعم النقدي سنوياً، بما يتناسب مع معدلات التضخم لحماية القيمة الحقيقية للأموال التي يحصل عليها المواطن، وضمان عدم تآكل قدرته على مواجهة أعباء المعيشة، كما يجب ربط قيمة الدعم بالتعليم والصحة وتحديد كشف دوري على الأطفال.
من جهته، يرى علي الإدريسي، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، أن التحول إلى الدعم النقدي يواجه تحديات كبيرة يجب التعامل معها قبل البدء في تطبيقه، منها تحديد المستحقين بدقة، وضمان توافق قيمة الدعم مع أسعار السلع في السوق لتجنب آثار التضخم، كما يجب وضع سياسات مالية واضحة لضمان عدم تأخر صرف الدعم لأي سبب، خصوصًا في حالات العجز أو الصدمات الاقتصادية، مع ضرورة الفصل بينه وبين الجوانب الأخرى للحماية الاجتماعية مثل التعليم المجاني والتأمين الصحي.
وقال الإدريسى، إن نجاح الدعم النقدي يتطلب تنسيقًا بين عدة جهات حكومية، لضبط أسعار السلع، وضمان استقرار حجم الإنتاج، وتوفير السلع بما يحقق استفادة المستحقين، مشيرًا إلى أن أحد مزايا الدعم العيني كان في خلق منافسة بين التجار وتحقيق توازن في السوق، وهو ما يجب المحافظة عليه عند الانتقال إلى النظام النقدي.
وشدد على ضرورة مواجهة زيادة السيولة النقدية الناتجة عن صرف الدعم النقدي وزيادة الإنفاق، بحيث يحصل المواطن على حاجاته الأساسية دون أن ينعكس ذلك على ارتفاع الأسعار.
في سياق متصل، قال محمد فؤاد، الخبير الاقتصادى، إن الدعم النقدى "نظام كفء"، يضمن كفاءة التوزيع ويقلل الهدر، كما أنه يقلل الفقر الفورى ويحسن نتائج التعليم والصحة ويضع أثر تقدمى على توزيع الدخل، لكنه أكد أنه لا يجوز تطبيقه إلا بآليات جيدة ودراسة وضع الاقتصاد الكلى، خاصة فى حالة ارتفاع معدلات تضخم التى قد يترتب عليها غلاء الأسعار بشكل مستمر للدرجة التى لا تجعل الدعم يفلح معه.
وأوصى فؤاد، بإنشاء مجلس أعلى للدعم يكون مسئولا عن وضع معادلة الاستهداف لتحديد مستحقى الدعم، والاستفادة من بحوث الفقر والإنفاق والتحول التدريجى من الدعم العينى للنقدى، والربط مع الخدمات الاجتماعية.
وأكد فؤاد أنه ينبغى مراجعة قيمة الدعم فى ضوء مؤشرات التضخم وإجراء مراجعة ربع سنوية لتوضيح الحاجة لزيادة الإنفاق حال تأثر السلع المدعومة بالتضخم، مضيفا أن التجارب الدولية تشير إلى أن البرامج النقدية المصممه جيداً يمكن أن توفر حلاً أكثر استدامه لدعم الفئات الضعيفة.
من جهتها، عارضت عالية المهدي العميد الأسبق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، تطبيق هذا النظام، موضحة أن قيمة النقود تتراجع مع معدلات التضخم، فى حين ترتفع قيمة السلع والخدمات، وهو ما يجعل الدعم السلعى أكثر فاعلية وفائدة للمواطن، خاصة للفئات الأكثر تضررًا من موجات ارتفاع الأسعار.
وأضافت أن أبرز التحديات التى تواجه الدعم النقدى مدى قدرته على مواكبة الزيادات المتسارعة فى الأسعار، مؤكدة أن كفاءة هذا النظام ترتبط بسرعة تعديل قيمة الدعم بما يتناسب مع معدلات التضخم، لأن ثبات القيمة النقدية يؤدى بمرور الوقت إلى تراجع القيمة الفعلية للدعم وانخفاض قدرته على تلبية احتياجات المواطنين.
المصدر:
الشروق