لعل الرعب الأقصى الذي يمكن أن يواجهه الكائن البشري لا يكمن في فناء الجسد أو تحلله في التراب، فتلك سنة كونية وسيرورة طبيعية، بل إن الرعب، كل الرعب، يكمن في تلك اللحظة الميتافيزيقية التي يكتشف فيها المرء أنه حي وحيد وسط محيط هادر من الأموات الذين يتحركون، يأكلون، يتناسلون، ويملأون الفضاء ضجيجا، دون أن تسكنهم روح أو ينبض فيهم معنى. هذه هي التيمة المركزية، أو الصرخة الوجودية التي يطلقها عبد الرحيم كمال في سرديته الممتعة رواية موت العالم: "المعروفة شعبيا بمذكرات محمود غزالة"، وهو نص لا يكتفي بالسرد الحكائي، بل يتحول إلى وثيقة إدانة لعصرنا الحديث، عصر الحياة الميتة واغتراب الروح. إننا أمام عمل يتجاوز تصنيف الرواية التقليدية ليدخل في حيز البيان الفلسفي الممزوج بنفحات صوفية، حيث يحاول الكاتب إعادة تعريف الحياة لا كمعطى بيولوجي، بل كحالة من اليقظة والدهشة والحب التي إن فُقدت، تحول البشر إلى دمى متحركة، أو بتعبير الرواية: "أرواح مستعملة".
تبدأ رحلة التلقي من العتبة النصية الماكرة، حيث يضعنا عبد الرحيم كمال أمام بنية دائرية مربكة في فصل "السجين". نحن بإزاء سجين في زنزانة معتمة، يجد مخطوطا بلا غلاف، بلا بداية ولا نهاية، ليصبح هذا المخطوط هو عالمه البديل. هذه الاستهلالية ليست مجرد حيلة سردية، بل هي إشارة سيميائية كثيفة الدلالة إلى أن عالمنا الدنيوي ما هو إلا نص مبتور، ونحن شخصيات تائهة فيه، نبحث عن المؤلف أو عن النهاية فلا نجد سوى الصفحات المتتالية التي نعيشها. إن السجين الذي يقرأ تلك الرواية غير المكتملة للمرة الثانية والسبعين، متوهما في كل مرة أنه نسي الأحداث ليعيد اكتشاف الدهشة، هو الرمز الأول للإنسان الذي يحاول خلق المعنى في عالم العبث. هذا السجين يمثل القارئ النموذجي للوجود، الذي يدرك أن القيمة ليست في الغلاف أو العنوان، بل في النور الذي ينبعث من السطور ليضيء عتمة الزنزانة/العالم. وهنا يتجلى الملمح الصوفي الأول: العالم سجن، والمعرفة (أو الرواية) هي النافذة التي نطل منها على الحقيقة، أو كما يقول السجين: "كانت تلك الرواية جنته وناره".
ومن ظلمات السجن، ينقلنا السرد إلى "محمود غزالة"، بطل الرواية وإشكاليتها الكبرى. غزالة ليس مجرد موظف تقليدي تعرض لحادث، بل هو العارف الذي رُفع عنه الحجاب فجأة في صباح شتوي ضبابي. مشهد تصادم السيارات في الضباب ليس مجرد حادث مروري، بل هو لحظة التنوير القاسية. حين يخرج غزالة من سيارته ويصرخ في الناس: "إنتو أموات! مفيش روح جواكم!"، هو لا يهذى، بل يقرر حقيقة وجودية يراها بعين البصيرة لا بعين البصر. إنه يرى الموت الكامن خلف الأقنعة الاجتماعية، يرى الآلية التي تحكم حركات البشر وردود أفعالهم. هؤلاء الذين يتشاجرون ويسبون ليسوا إلا أصداء لأرواح غادرت منذ زمن. فلسفة غزالة هنا تقترب من الوجودية المؤمنة إن صح التعبير؛ فالإنسان هو المعنى، وبسقوط الإنسان في فخ التكرار والنمطية، يسقط العالم كله في العدم. يقول غزالة في مذكراته: "كنت أظن قديما أن الرعب كل الرعب أن تُدفن حيا بين الأموات، لأكتشف الآن.. أن الرعب الحقيقي أن تعيش حيا بين الأموات". هذه الجملة هي مفتاح الرواية، وهي تقلب مفهوم الموت رأساً على عقب؛ فالموت ليس توقف القلب، بل توقف الدهشة.
يتجلى هذا المفهوم بشكل صادم في علاقة غزالة بجاره "سمير أسعد". في العرف القانوني والاجتماعي، ما فعله غزالة هو جريمة قتل مع سبق الإصرار، لكن في شريعة غزالة، ما فعله كان فعل تحرير. سمير أسعد، الموظف والزوج النمطي، كان يمثل الموت السريري للروح. غزالة يرى أن سمير كان "ميتا من الأول"، وأن طعنات السكين لم تكن إلا محاولة لمطابقة الظاهر مع الباطن، أو استجابة لنداء الاستغاثة الصامت الذي كان يطلقه سمير بعينيه: "أرجوك ريحني! افصل عني الحياة الميتة دي!". هنا يضعنا الكاتب أمام معضلة أخلاقية شائكة: هل يحق للحي (المستبصر) أن ينهي معاناة الميت (الغافل)؟ غزالة لا يرى نفسه قاتلا، بل منقذا، وكأنه يمارس نوعا من القتل الرحيم الروحي. الحوار الذي يدور بينهما قبل الجريمة، واستسلام سمير للسكين بابتسامة، يشير إلى أن سمير كان يدرك في أعماقه عبثية حياته الميتة ويرغب في الخلاص.
تتعمق الرؤية الفلسفية للرواية حين ننتقل إلى داخل السجن، وتحديدا في عنبر الموتى الأحياء. المشهد الذي يعترف فيه المساجين بلحظة موتهم هو من أكثر مشاهد الرواية عبقرية وتكثيفا. كل سجين يتذكر التكة أو الفصلة التي حدثت له في لحظة ما من حياته، اللحظة التي انطفأ فيها الشغف وتحول بعدها إلى جسم على كرسي. "حسن جلال طه" الذي قتل عائلته بدم بارد، يحكي عن تلك "الفصلة" في المترو، حين أدرك أنه فقد روحه وصار يكمل الحياة كأداء تمثيلي. هذا الاعتراف الجماعي يؤكد نظرية غزالة: العالم سجن كبير مكتظ بجثث تتحرك بذاكرة أوتوماتيكية. غزالة هنا يظهر كوليّ وسط مجاذيب فقدوا الطريق، يضطر للكذب واختلاق قصة عن موته لينجو من حسد الأموات، لأن الحي وسط الأموات غريب ومنبوذ، ووجوده يمثل استفزازاً لجمودهم، تماما كما تستفز الشعلة المضيئة ظلام الكهف.
وفي مقابل هذا العدم الطاغي، ينسج الكاتب خيطا نورانيا صوفيا من خلال شخصية "صباح"، الممرضة في مستشفى السجن. صباح هي الأيقونة المقابلة لغزالة، هي الأنثى الحية التي لم تلوثها لوثة الموت العام. اللقاء بينهما ليس لقاء رومانسيا مبتذلا، بل هو تعارف أرواح في عالم التناكر. القبلة التي جمعتهما، والتي يصفها السرد بأنها "استهلكت دقات القلب وشغف الروح"، كانت لحظة قيامة صغرى. إنها تمثل الحياة بالحق في مواجهة الحياة بالعادة. نظرات الممرضين الموتى (نبيهة وعزمي) إليهما كانت نظرات حسد من لا يشعرون لمن يشعرون. في العرف الصوفي، الحب هو أعلى درجات الحياة، ومن لا يحب لا يعيش. صباح وغزالة، بقبلتهم الحزينة، كانا يعلنان انتصار النبض على التحنط، ويثبتان أن الحياة الحقيقية ممكنة حتى داخل أسوار السجن/المقبرة، شريطة أن تجد الروح المكملة.
يطرح غزالة في مذكراته مفهوما مبتكرا هو الأرواح المستعملة. هذه النظرية تفسر التحول التدريجي للبشر إلى أموات. الروح المستعملة هي التي تركت نفسها للآخرين لينهكوها في صراعات تافهة، أو يستخدموها كجسر أو مخدة أو سماعة. هذا الشيوع الروحي هو الذي يفقد الروح بكارتها وقوتها، ويجعلها مهترئة، شبه ميتة. غزالة، في تجربته مع الإضراب عن الطعام، يكتشف قانونا صوفيا عميقا: كلما اقتربت من الموت (بالمعنى الجسدي)، اقتربت من الحياة (بالمعنى الروحي). التخلي والزهد والانسحاب من سوق الأرواح المستعملة هو السبيل الوحيد لاستعادة نضارة الروح. مشهد شفاء المريض "فهمي أنور" بفضل تركيز غزالة الروحي يؤكد قدرة الحي على بث الحياة في المحتضرين إذا ما امتلك اليقين. إنها دعوة للعودة إلى الذات، وتنظيف الروح من غبار الآخرين لتستعيد اتصالها بمصدر الحياة الحي القيوم.
تنتقل الرواية في مستواها الثاني إلى نقد الحداثة السائلة وعالم ما بعد الإنسانية من خلال خط "سعد بهاء" وشخصياته الافتراضية. "سعد"، الكاتب والموظف في الرقابة، يمثل الخالق الدنيوي الذي يهرب من واقعه البائس بصناعة عالم وهمي (بيت الوهم). شخصية "أحمد حسن" وجروب "أعداء الحياة" تمثل التجسيد المرعب لموت العالم الرقمي. هؤلاء الشباب الذين قرروا إدارة العالم من غرفهم المغلقة، محتقرين الحياة الطبيعية المباشرة، هم الموتى الجدد. إنهم يرفضون الشمس واللمس والمواجهة، ويستبدلون بها الشاشات والكيبورد والرموز التعبيرية. الكاتب هنا يقرع ناقوس الخطر: التكنولوجيا لم تعد وسيلة تواصل، بل وسيلة عزل وإماتة. تحول البشر إلى كائنات سيبرانية هو المرحلة الأخيرة من "موت العالم"، حيث يصبح الواقع افتراضياً والوهم حقيقة. وموت هؤلاء الشباب في النهاية نتيجة صراعهم الوهمي هو دليل على هشاشة هذا العالم البديل؛ فهو عالم بلا دم حقيقي، وحين يسيل الدم فيه، يكون دليلا على الانهيار التام.
نصل إلى ذروة العمل في مشهد المحاكمة، الذي يتحول إلى محاكمة للحضارة لا لشخص. وقوف غزالة في القفص وصراخه: "الحي هو اللي يقدر على تكاليف الحياة" هو بيان البراءة والإدانة في آن. هو بريء من القتل بمفهومه الجنائي، ومدين للمجتمع بالموت بمفهومه الروحي. طلبه بأن يُحاكم أمام قضاة أحياء وشهود أحياء هو تعجيز للعالم، لأنه يدرك ندرة الأحياء. وحين تأتي لحظة الإعدام، يكسر الكاتب أفق التوقع بقفزة غرائبية ذات دلالة صوفية صافية. جسد غزالة لا يسقط إلى الأسفل حين تنفتح الطبلية، بل يصعد إلى أعلى، وينفتح سقف الغرفة. هذا العروج هو الانتصار النهائي للروح. قانون الجاذبية الأرضية يسري على الأجسام الميتة/الثقيلة، أما الأرواح الحية/الخفيفة فقانونها هو الصعود إلى أصلها السماوي. غزالة لم يُعدم، بل تخفف من كثافة العالم الميت ولحق بالملأ الأعلى. إنها لحظة الفناء الصوفي التي يعقبها البقاء الأبدي.
ولا يمكننا إغفال الشخصيات الأخرى التي تمثل أطياف الموت والحياة. "مريم" زوجة غزالة، النموذج الصارخ للتبلد، التي تستقبل الموت والطلاق والزواج ببرود الروبوت، وتعيش حياتها وفق كتالوج اجتماعي صارم. "أحمد عبد الحميد"، الزميل الذي نجا باختياره الجنون والتشرد والمجاذبة عند الحسين، مدركا أن "الشارع أدفا من حضن الحبايب الكدابين". "الصول رشدي"، الحارس البسيط الذي يمثل الفطرة السليمة التي تلتقط الحقيقة بقلبها، ويتحول إلى حوارى لغزالة، يحمل "إنجيله" (المذكرات) ويبشر به. حتى القاضي "طارق العمري"، الذي يمثل السلطة والعقل، تهتز ثوابته أمام منطق غزالة، ويرى الكوابيس التي تخبره بحقيقة موته، ليحكم عليه في النهاية حكما مخففا وكأنه يحكم على جزء من نفسه.
أما "سعد بهاء"، الكاتب داخل الرواية، فيمثل المفاجأة الميتا-سردية. اكتشافه في النهاية أنه هو نفسه "عيسى" (الشخصية التي اختلقها)، وأن "سوزان" التي أحبها هي زوجته المنسية "فوزية"، يغلق الدائرة ببراعة. إنه يكتشف أنه كان يبحث عن الحياة في الخيال بينما كانت بجانبه طوال الوقت ولم يرها. نسيانه لنفسه في حفل التوقيع وسؤاله لغزالة (الذي خرج من الرواية ليقابله!): "أنا مين؟"، ورد غزالة: "إنت شخص من أشخاص العالم القديم"، يشي بتداخل العوالم: الواقع، الخيال، والبرزخ. الجميع شخصيات في رواية كبرى يكتبها "الحي القيوم"، والجميع يبحث عن توقيع يؤكد وجوده.
إن رواية "موت العالم" لعبد الرحيم كمال هي "مانيفستو" ضد التشيؤ. هي صرخة تحذير من أننا نتحول تدريجياً إلى أشياء في عالم يقدس المادة والسرعة والصورة. الكاتب يدعونا، عبر شخصية غزالة، إلى إعادة اختراع الحياة؛ أن نلمس، أن نشعر، أن نتألم بصدق، أن نحب بجنون، أن نكسر رتابة التكرار. الرسالة التي يتركها غزالة في كتابه هي الوصفة السحرية للبعث: "أنقذوا الناس من الموت عبر التواصل والصدق والحب.. اغفروا زلاتهم.. لا تعاتبوا أرواحا أجهدها الاستعمال". إنها دعوة للتراحم الكوني، لأننا جميعا مشاريع أموات نحاول النجاة. وكما صعد غزالة إلى السماء تاركا حبل المشنقة فارغا، تتركنا الرواية معلقين بين الأرض والسماء، نتلمس قلوبنا لنتأكد: هل ما زالت تنبض بالحياة، أم أنها مجرد مضخات دماء في أجساد باردة؟
إن "موت العالم" ليست نعيا للكون، بقدر ما هي دعوة للحياة، دعوة لأن نتحسس أرواحنا قبل أن نتحول إلى أرشيف في ذاكرة العدم. الحي هو الذي يقدر على تكاليف الحياة، وتكاليف الحياة باهظة، عملتها الصدق والحب والألم النبيل، فمن لا يملك الثمن، فليفسح الطريق للأحياء، أو فليمت بصمت.
أن تعيش حيا بين الأموات في رواية "موت العالم"
وليد خيري
لعل الرعب الأقصى الذي يمكن أن يواجهه الكائن البشري لا يكمن في فناء الجسد أو تحلله في التراب، فتلك سنة كونية وسيرورة طبيعية، بل إن الرعب، كل الرعب، يكمن في تلك اللحظة الميتافيزيقية التي يكتشف فيها المرء أنه حي وحيد وسط محيط هادر من الأموات الذين يتحركون، يأكلون، يتناسلون، ويملأون الفضاء ضجيجا، دون أن تسكنهم روح أو ينبض فيهم معنى. هذه هي التيمة المركزية، أو الصرخة الوجودية التي يطلقها عبد الرحيم كمال في سرديته الممتعة رواية موت العالم: "المعروفة شعبيا بمذكرات محمود غزالة"، وهو نص لا يكتفي بالسرد الحكائي، بل يتحول إلى وثيقة إدانة لعصرنا الحديث، عصر الحياة الميتة واغتراب الروح. إننا أمام عمل يتجاوز تصنيف الرواية التقليدية ليدخل في حيز البيان الفلسفي الممزوج بنفحات صوفية، حيث يحاول الكاتب إعادة تعريف الحياة لا كمعطى بيولوجي، بل كحالة من اليقظة والدهشة والحب التي إن فُقدت، تحول البشر إلى دمى متحركة، أو بتعبير الرواية: "أرواح مستعملة".
تبدأ رحلة التلقي من العتبة النصية الماكرة، حيث يضعنا عبد الرحيم كمال أمام بنية دائرية مربكة في فصل "السجين". نحن بإزاء سجين في زنزانة معتمة، يجد مخطوطا بلا غلاف، بلا بداية ولا نهاية، ليصبح هذا المخطوط هو عالمه البديل. هذه الاستهلالية ليست مجرد حيلة سردية، بل هي إشارة سيميائية كثيفة الدلالة إلى أن عالمنا الدنيوي ما هو إلا نص مبتور، ونحن شخصيات تائهة فيه، نبحث عن المؤلف أو عن النهاية فلا نجد سوى الصفحات المتتالية التي نعيشها. إن السجين الذي يقرأ تلك الرواية غير المكتملة للمرة الثانية والسبعين، متوهما في كل مرة أنه نسي الأحداث ليعيد اكتشاف الدهشة، هو الرمز الأول للإنسان الذي يحاول خلق المعنى في عالم العبث. هذا السجين يمثل القارئ النموذجي للوجود، الذي يدرك أن القيمة ليست في الغلاف أو العنوان، بل في النور الذي ينبعث من السطور ليضيء عتمة الزنزانة/العالم. وهنا يتجلى الملمح الصوفي الأول: العالم سجن، والمعرفة (أو الرواية) هي النافذة التي نطل منها على الحقيقة، أو كما يقول السجين: "كانت تلك الرواية جنته وناره".
ومن ظلمات السجن، ينقلنا السرد إلى "محمود غزالة"، بطل الرواية وإشكاليتها الكبرى. غزالة ليس مجرد موظف تقليدي تعرض لحادث، بل هو العارف الذي رُفع عنه الحجاب فجأة في صباح شتوي ضبابي. مشهد تصادم السيارات في الضباب ليس مجرد حادث مروري، بل هو لحظة التنوير القاسية. حين يخرج غزالة من سيارته ويصرخ في الناس: "إنتو أموات! مفيش روح جواكم!"، هو لا يهذى، بل يقرر حقيقة وجودية يراها بعين البصيرة لا بعين البصر. إنه يرى الموت الكامن خلف الأقنعة الاجتماعية، يرى الآلية التي تحكم حركات البشر وردود أفعالهم. هؤلاء الذين يتشاجرون ويسبون ليسوا إلا أصداء لأرواح غادرت منذ زمن. فلسفة غزالة هنا تقترب من الوجودية المؤمنة إن صح التعبير؛ فالإنسان هو المعنى، وبسقوط الإنسان في فخ التكرار والنمطية، يسقط العالم كله في العدم. يقول غزالة في مذكراته: "كنت أظن قديما أن الرعب كل الرعب أن تُدفن حيا بين الأموات، لأكتشف الآن.. أن الرعب الحقيقي أن تعيش حيا بين الأموات". هذه الجملة هي مفتاح الرواية، وهي تقلب مفهوم الموت رأساً على عقب؛ فالموت ليس توقف القلب، بل توقف الدهشة.
يتجلى هذا المفهوم بشكل صادم في علاقة غزالة بجاره "سمير أسعد". في العرف القانوني والاجتماعي، ما فعله غزالة هو جريمة قتل مع سبق الإصرار، لكن في شريعة غزالة، ما فعله كان فعل تحرير. سمير أسعد، الموظف والزوج النمطي، كان يمثل الموت السريري للروح. غزالة يرى أن سمير كان "ميتا من الأول"، وأن طعنات السكين لم تكن إلا محاولة لمطابقة الظاهر مع الباطن، أو استجابة لنداء الاستغاثة الصامت الذي كان يطلقه سمير بعينيه: "أرجوك ريحني! افصل عني الحياة الميتة دي!". هنا يضعنا الكاتب أمام معضلة أخلاقية شائكة: هل يحق للحي (المستبصر) أن ينهي معاناة الميت (الغافل)؟ غزالة لا يرى نفسه قاتلا، بل منقذا، وكأنه يمارس نوعا من القتل الرحيم الروحي. الحوار الذي يدور بينهما قبل الجريمة، واستسلام سمير للسكين بابتسامة، يشير إلى أن سمير كان يدرك في أعماقه عبثية حياته الميتة ويرغب في الخلاص.
تتعمق الرؤية الفلسفية للرواية حين ننتقل إلى داخل السجن، وتحديدا في عنبر الموتى الأحياء. المشهد الذي يعترف فيه المساجين بلحظة موتهم هو من أكثر مشاهد الرواية عبقرية وتكثيفا. كل سجين يتذكر التكة أو الفصلة التي حدثت له في لحظة ما من حياته، اللحظة التي انطفأ فيها الشغف وتحول بعدها إلى جسم على كرسي. "حسن جلال طه" الذي قتل عائلته بدم بارد، يحكي عن تلك "الفصلة" في المترو، حين أدرك أنه فقد روحه وصار يكمل الحياة كأداء تمثيلي. هذا الاعتراف الجماعي يؤكد نظرية غزالة: العالم سجن كبير مكتظ بجثث تتحرك بذاكرة أوتوماتيكية. غزالة هنا يظهر كوليّ وسط مجاذيب فقدوا الطريق، يضطر للكذب واختلاق قصة عن موته لينجو من حسد الأموات، لأن الحي وسط الأموات غريب ومنبوذ، ووجوده يمثل استفزازاً لجمودهم، تماما كما تستفز الشعلة المضيئة ظلام الكهف.
وفي مقابل هذا العدم الطاغي، ينسج الكاتب خيطا نورانيا صوفيا من خلال شخصية "صباح"، الممرضة في مستشفى السجن. صباح هي الأيقونة المقابلة لغزالة، هي الأنثى الحية التي لم تلوثها لوثة الموت العام. اللقاء بينهما ليس لقاء رومانسيا مبتذلا، بل هو تعارف أرواح في عالم التناكر. القبلة التي جمعتهما، والتي يصفها السرد بأنها "استهلكت دقات القلب وشغف الروح"، كانت لحظة قيامة صغرى. إنها تمثل الحياة بالحق في مواجهة الحياة بالعادة. نظرات الممرضين الموتى (نبيهة وعزمي) إليهما كانت نظرات حسد من لا يشعرون لمن يشعرون. في العرف الصوفي، الحب هو أعلى درجات الحياة، ومن لا يحب لا يعيش. صباح وغزالة، بقبلتهم الحزينة، كانا يعلنان انتصار النبض على التحنط، ويثبتان أن الحياة الحقيقية ممكنة حتى داخل أسوار السجن/المقبرة، شريطة أن تجد الروح المكملة.
يطرح غزالة في مذكراته مفهوما مبتكرا هو الأرواح المستعملة. هذه النظرية تفسر التحول التدريجي للبشر إلى أموات. الروح المستعملة هي التي تركت نفسها للآخرين لينهكوها في صراعات تافهة، أو يستخدموها كجسر أو مخدة أو سماعة. هذا الشيوع الروحي هو الذي يفقد الروح بكارتها وقوتها، ويجعلها مهترئة، شبه ميتة. غزالة، في تجربته مع الإضراب عن الطعام، يكتشف قانونا صوفيا عميقا: كلما اقتربت من الموت (بالمعنى الجسدي)، اقتربت من الحياة (بالمعنى الروحي). التخلي والزهد والانسحاب من سوق الأرواح المستعملة هو السبيل الوحيد لاستعادة نضارة الروح. مشهد شفاء المريض "فهمي أنور" بفضل تركيز غزالة الروحي يؤكد قدرة الحي على بث الحياة في المحتضرين إذا ما امتلك اليقين. إنها دعوة للعودة إلى الذات، وتنظيف الروح من غبار الآخرين لتستعيد اتصالها بمصدر الحياة الحي القيوم.
تنتقل الرواية في مستواها الثاني إلى نقد الحداثة السائلة وعالم ما بعد الإنسانية من خلال خط "سعد بهاء" وشخصياته الافتراضية. "سعد"، الكاتب والموظف في الرقابة، يمثل الخالق الدنيوي الذي يهرب من واقعه البائس بصناعة عالم وهمي (بيت الوهم). شخصية "أحمد حسن" وجروب "أعداء الحياة" تمثل التجسيد المرعب لموت العالم الرقمي. هؤلاء الشباب الذين قرروا إدارة العالم من غرفهم المغلقة، محتقرين الحياة الطبيعية المباشرة، هم الموتى الجدد. إنهم يرفضون الشمس واللمس والمواجهة، ويستبدلون بها الشاشات والكيبورد والرموز التعبيرية. الكاتب هنا يقرع ناقوس الخطر: التكنولوجيا لم تعد وسيلة تواصل، بل وسيلة عزل وإماتة. تحول البشر إلى كائنات سيبرانية هو المرحلة الأخيرة من "موت العالم"، حيث يصبح الواقع افتراضياً والوهم حقيقة. وموت هؤلاء الشباب في النهاية نتيجة صراعهم الوهمي هو دليل على هشاشة هذا العالم البديل؛ فهو عالم بلا دم حقيقي، وحين يسيل الدم فيه، يكون دليلا على الانهيار التام.
نصل إلى ذروة العمل في مشهد المحاكمة، الذي يتحول إلى محاكمة للحضارة لا لشخص. وقوف غزالة في القفص وصراخه: "الحي هو اللي يقدر على تكاليف الحياة" هو بيان البراءة والإدانة في آن. هو بريء من القتل بمفهومه الجنائي، ومدين للمجتمع بالموت بمفهومه الروحي. طلبه بأن يُحاكم أمام قضاة أحياء وشهود أحياء هو تعجيز للعالم، لأنه يدرك ندرة الأحياء. وحين تأتي لحظة الإعدام، يكسر الكاتب أفق التوقع بقفزة غرائبية ذات دلالة صوفية صافية. جسد غزالة لا يسقط إلى الأسفل حين تنفتح الطبلية، بل يصعد إلى أعلى، وينفتح سقف الغرفة. هذا العروج هو الانتصار النهائي للروح. قانون الجاذبية الأرضية يسري على الأجسام الميتة/الثقيلة، أما الأرواح الحية/الخفيفة فقانونها هو الصعود إلى أصلها السماوي. غزالة لم يُعدم، بل تخفف من كثافة العالم الميت ولحق بالملأ الأعلى. إنها لحظة الفناء الصوفي التي يعقبها البقاء الأبدي.
ولا يمكننا إغفال الشخصيات الأخرى التي تمثل أطياف الموت والحياة. "مريم" زوجة غزالة، النموذج الصارخ للتبلد، التي تستقبل الموت والطلاق والزواج ببرود الروبوت، وتعيش حياتها وفق كتالوج اجتماعي صارم. "أحمد عبد الحميد"، الزميل الذي نجا باختياره الجنون والتشرد والمجاذبة عند الحسين، مدركا أن "الشارع أدفا من حضن الحبايب الكدابين". "الصول رشدي"، الحارس البسيط الذي يمثل الفطرة السليمة التي تلتقط الحقيقة بقلبها، ويتحول إلى حوارى لغزالة، يحمل "إنجيله" (المذكرات) ويبشر به. حتى القاضي "طارق العمري"، الذي يمثل السلطة والعقل، تهتز ثوابته أمام منطق غزالة، ويرى الكوابيس التي تخبره بحقيقة موته، ليحكم عليه في النهاية حكما مخففا وكأنه يحكم على جزء من نفسه.
أما "سعد بهاء"، الكاتب داخل الرواية، فيمثل المفاجأة الميتا-سردية. اكتشافه في النهاية أنه هو نفسه "عيسى" (الشخصية التي اختلقها)، وأن "سوزان" التي أحبها هي زوجته المنسية "فوزية"، يغلق الدائرة ببراعة. إنه يكتشف أنه كان يبحث عن الحياة في الخيال بينما كانت بجانبه طوال الوقت ولم يرها. نسيانه لنفسه في حفل التوقيع وسؤاله لغزالة (الذي خرج من الرواية ليقابله!): "أنا مين؟"، ورد غزالة: "إنت شخص من أشخاص العالم القديم"، يشي بتداخل العوالم: الواقع، الخيال، والبرزخ. الجميع شخصيات في رواية كبرى يكتبها "الحي القيوم"، والجميع يبحث عن توقيع يؤكد وجوده.
إن رواية "موت العالم" لعبد الرحيم كمال هي "مانيفستو" ضد التشيؤ. هي صرخة تحذير من أننا نتحول تدريجياً إلى أشياء في عالم يقدس المادة والسرعة والصورة. الكاتب يدعونا، عبر شخصية غزالة، إلى إعادة اختراع الحياة؛ أن نلمس، أن نشعر، أن نتألم بصدق، أن نحب بجنون، أن نكسر رتابة التكرار. الرسالة التي يتركها غزالة في كتابه هي الوصفة السحرية للبعث: "أنقذوا الناس من الموت عبر التواصل والصدق والحب.. اغفروا زلاتهم.. لا تعاتبوا أرواحا أجهدها الاستعمال". إنها دعوة للتراحم الكوني، لأننا جميعا مشاريع أموات نحاول النجاة. وكما صعد غزالة إلى السماء تاركا حبل المشنقة فارغا، تتركنا الرواية معلقين بين الأرض والسماء، نتلمس قلوبنا لنتأكد: هل ما زالت تنبض بالحياة، أم أنها مجرد مضخات دماء في أجساد باردة؟
إن "موت العالم" ليست نعيا للكون، بقدر ما هي دعوة للحياة، دعوة لأن نتحسس أرواحنا قبل أن نتحول إلى أرشيف في ذاكرة العدم. الحي هو الذي يقدر على تكاليف الحياة، وتكاليف الحياة باهظة، عملتها الصدق والحب والألم النبيل، فمن لا يملك الثمن، فليفسح الطريق للأحياء، أو فليمت بصمت.
المصدر:
الوطن