في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

غزة- انحسرت الحرب لكن مدينة جباليا في قطاع غزة لم تخرج منها بعد، ولا تزال عالقة في رمادها. ركام على مدّ البصر، ومدينة بلا ألوان ولا ملامح، بلا شوارع ولا بيوت ولا مستشفيات ولا مدارس.

3 اجتياحات برية شهدتها جباليا خلال الحرب، ترك كل واحد منها طبقة جديدة من الدمار، واليوم يحاول أهلها أن يجدوا موطئ حياة لهم بين الخراب؛ أطفال يتخذون من الركام وأزقة الخيام فسحة للعب، ونساء ورجال يعبرون المكان بحثا عن الماء وما يسد حاجة يومهم.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 أمضى 33 عاما.. تعرف على فلسطيني تحرر من السجن فحاول المستوطنون حرقه
* list 2 of 2 وزير الدفاع الإسرائيلي: قادة حركة حماس في الخارج بقائمة الاستهداف end of list

في حين تبدو الجهة الشرقية مكشوفة للعيان كجبهة حرب مفتوحة، تتربص بها قوات الاحتلال، وتعلو فوق أبراج الرصد والسواتر الرملية كاميرات مراقبة تبقي سكان المنطقة تحت عين الخطر وعلى تخوم الموت، لتُسقط بين الحين والآخر شهداء، وتطلق المزاعم محاولة تبرير جرائمها.

مصدر الصورة أحلام العبسي تواجه صعوبات للحصول على احتياجات أطفالها خاصة مع غياب الخدمات الأساسية في مخيمهم (الجزيرة)

معركة البقاء

على مسافة تقل عن 700 متر من تمركز الاحتلال عند ما يُعرف بـ" الخط الأصفر"، وصلت الجزيرة نت إلى مخيم غوث، حيث تجمعت نحو 130 عائلة من أبناء منطقة الفاخورة في خيام أقيمت إلى جوار ركام منازلهم المدمرة، متمسكين بالبقاء قريبا من المكان الذي يعرفونه ويعرفهم.

استقبلنا شاب مقعد قال إنه مدير المخيم، وحين سألناه عن دافعهم للبقاء على تخوم الموت، أجاب "نحن كالسمكة، إن أُخرجت من البحر تموت، وهذه جباليا بالنسبة لأهلها".

وسط هذا المشهد المخيف تعيش أحلام العبسي وحدها مع طفليها، بعدما فقدت زوجها في الشهر الثاني للحرب الممتدة منذ نحو 3 سنوات، كما فقدت عائلتها كاملة خلال حرب الإبادة.

تقول أحلام للجزيرة نت، بينما راحت تقلب الفراش المهترئ لتطلعنا عما فعلته القوارض بخيمتها "أنا يتيمة منذ الصغر، لكن الحرب لم تحرمني زوجي فقط، بل عائلتي كلها؛ فلم يعد لي أم أو أخ أو أخت أو معيل ألجأ إليه"، لتجد نفسها وحيدة في مواجهة حياة جديدة لم تخترها، بلا بيت يستقبلها، ولا مصدر دخل ثابت لاستئجار آخر.

إعلان

وتضيف أن المساعدات لا تكاد تصل إلى المخيم، وتُرجع ذلك إلى موقعه القريب من الخط الأصفر، موضحة أن المؤسسات التي يُفترض أن تصل إلى السكان تتردد في الوصول إلى المكان لخطورته.

بلا دخل

اعتادت أحلام قسوة الخيمة وتفاصيل العيش فيها، وحاولت أن تتعايش مع شحها وحرمانها، لكن ما ينقصها الآن هو الضوء، فقد كانت تستعين بهاتفها لإنارتها ليلا، حتى تعطل، فأصبحت تنام مع طفليها في الظلام، عاجزة حتى عن رؤية ما قد يتسلل إلى الخيمة من قوارض. لذلك تطالب بكشاف إنارة لتتمكن من رؤية المكان وحماية طفليها وهما نائمان.

تخوض أحلام معارك من أجل الحصول على الماء، حيث تقضي ساعات نهارها الأولى في الوقوف في طابور طويل أمام شاحنة المياه، وتنتظر دورها لتحظى بعد معاناة بجالون يكفي حاجتها، ثم تبحث عن ماء آخر للاستخدام اليومي من إحدى الآبار في المنطقة.

كما أنها لا تملك دخلا ثابتا تنفق منه على أسرتها، وقد تُمضي أشهرا من دون أن تملك نصف دولار أو أقل، وتعتمد على ما يأتيها من صدقات من أهل الخير.

مصدر الصورة علي مسعود وطفلتاه في مخيم غوث بجباليا يتوجس من قدوم الشتاء لوجود ثغرات في قماش خيمته (الجزيرة)

معركة الشتاء

أما النازح علي مسعود فيرى أن معركته العظمى هي قماش الخيمة، التي لم تعد قادرة على منحه وأبنائه الحد الأدنى من الحماية، فقد حصل عليها قبل عام ونصف، وقد أنهكتها مواسم الحر والمطر وتآكل قماشها، وبدت أجزاء منها مفتوحة على ما يأتي به الطقس، ويتساءل "أين سأجلس مع أطفالي إذا اشتدت الأمطار؟".

سؤال بات يُبكيه على أطلال منزله قبل الحرب، الذي كان -بحسب وصفه- جنة آمنة وموطنا حنونا، لذلك بقي قريبا من مكانه، حتى وإن لم يبق منه سوى الركام.

يقضي مسعود نهاره وهو يسعى لتأمين احتياجاته، يبدؤه بالوصول إلى نقطة شحن الهواتف ثم يمشي نحو 5 كيلومترات، وهي المسافة بين خيمته وأقرب سوق بالنسبة إليه، لغياب وسائل النقل والمواصلات في المنطقة والخدمات القريبة. ويقول "لا يوجد مختبر واحد في جباليا ولا مستشفيات مركزية، وجُل ما توفر في المحيط هو نقاط طبية".

أما ابنته فاطمة، فتخرج من خيمتها عند الساعة السادسة صباحا لتقطع الطريق إلى مدرستها في منطقة تل الزعتر، في رحلة محفوفة بالخطر تستغرق نحو ساعة. وحين سُئلت عما تتمناه كطفلة، لم تطلب بيتا ولا غرفة، ولم تتحدث عن العودة إلى حياتها القديمة، قالت ببساطة "نفسي (أتمنى) أن يكون عندنا خيمة جديدة لا تتسلل إليها المياه ولا تطيرها رياح الشتاء".

وفي مكان بلا جدران، ما زالت فاطمة تحمل في ذاكرتها غرفة كاملة مطلية باللون الزهري، مخصصة لها، كان بها سرير وخزانة ومكتب، وغدت اليوم أثرا بعد عين.

مصدر الصورة علي مسعود يحاول الصمود بما يستطيع في مخيم غوث في جباليا رغم الاحتياجات الكبيرة (الجزيرة)

صمود رغم المخاطر

في مخيم غوث، لا يبدو التمسك بالمكان قرارا فرديا، وفق مدير المخيم محمد صالح. بل إن كثيرا من هذه العائلات كانت قد نزحت إلى جنوب القطاع، لكنها لم تستطع التكيف مع ضيق الأماكن وارتفاع الإيجارات وغياب الظروف المناسبة للعيش، فعادت إلى مناطق سكنها السابقة، ونصبت خيامها قرب البيوت التي هُدمت.

إعلان

لذا لم تكن عودتهم -يشرح صالح- بحثا عن بيت لم يعد موجودا، وإنما عن شيء آخر بقي في المكان؛ الجيران والحارة والوجوه التي يعرفها الناس، وإحساس بأنهم ما زالوا في مكان ينتمون إليه، حتى لو اضطروا إلى العيش بين أنقاضه. الأمر الذي جعل التكافل حاضرا دوما بين أبناء المخيم، لكن الحرب وضعته أمام اختبار الاحتياج الجماعي.

ويؤكد صالح أن واقع المخيم لم يقف عند نقص الخدمات، حيث يواجه ساكنوه إطلاق نار وأصوات آليات بصورة متكررة، موضحا أن أجزاء منه تعرضت قبل أيام لشظايا وحروق جراء إطلاق النار على مبان مهدمة ومواقع مجاورة، مشيرا إلى إصابته شخصيا خلال إحدى هذه الحوادث.

يقاطع أهالي المخيم حديث صالح، ويتحدثون عن خوف مضاعف من المليشيات التابعة للاحتلال الإسرائيلي أو قواته الخاصة التي يمكن أن تتقدم لمهمات أمنية. ويقول المواطن (ع. خ) "قبل يومين ثبتت الطائرات المنطقة كاملة لتأمين مليشياتها، كل من كان يتحرك كان يُطلَق عليه النار".

مصدر الصورة نازحون في مخيمات جباليا يتهافتون لتعبئة المياه العذبة من الشاحنة التي تأتي مرة واحدة إلى المنطقة يوميا (الجزيرة)

نواقص وقلة إمكانات

ولا تبدو معاناة سكان مخيم غوث منفصلة عن واقع أوسع تعيشه مخيمات جباليا، فكل ما ينقص الخيمة من ماء وطريق وخدمات يرتبط ببنية تحتية تضررت على امتداد المنطقة، وبمناطق بات الوصول إليها أكثر صعوبة.

ويقول رئيس بلدية جباليا مازن النجار إن المخيمات تعيش ظروفا شديدة الصعوبة، في ظل دمار واسع طال الطرق وشبكات المياه والصرف الصحي، التي تتصدر -إلى جانب إزالة الركام وفتح الطرق وتوفير الطاقة لتشغيل الآبار- قائمة احتياجات السكان ومطالبهم.

ويضيف للجزيرة نت أن البلدية لا تستطيع تقديم الخدمات بالوتيرة المطلوبة؛ إذ تعمل بإمكانات محدودة، في ظل نقص الوقود وقطع الغيار والآليات الثقيلة.

ولا تقف العزلة التي يعيشها سكان هذه المناطق عند البعد عن الأسواق والمرافق الطبية -وفق النجار- بل أصبحت أيضا عزلة خدمية، بعدما أدى دمار الطرق والبنية التحتية وصعوبة التنقل والقيود الأمنية إلى تعقيد حركة السكان ووصول الخدمات إليهم.

اختبار جديد

وبحسب البلدية، عاد نحو 134 ألف شخص إلى نطاق نفوذها، سواء إلى ما تبقى من منازل مدمرة أو إلى مناطق الإيواء. وفي مخيمات يعيش سكانها أصلا تحت خيام أنهكها الصيف، يقترب الشتاء بوصفه اختبارا جديدا.

وعن ذلك، يقول رئيس بلدية جباليا إن هناك 14 نقطة معرضة للغرق في المناطق المتبقية من نفوذ البلدية داخل الخط الأصفر، وإن طواقمها تعمل على فتح المسارات وتنظيف المناهل ومصارف المياه، لكن حجم الأضرار يفوق الإمكانات المتاحة، ويجعل الحاجة قائمة إلى مضخات وآليات شفط ومعدات ثقيلة ووقود ومواد للصيانة.

ولهذا، يؤكد النجار أن الاستعداد للشتاء لا ينبغي أن يبدأ بعد هطل الأمطار بل قبلها، في حين تحتاج مخيمات جباليا إلى إعادة ربطها بالخدمات الأساسية والحياة اليومية.

في مخيمات جباليا حيث اختار الناس البقاء قريبا من بيوتهم المهدمة، لا تزال الحياة معلقة بين ركام لم يُرفع، وخدمات لم تعد بعد، وشتاء يقترب، وخطر محدق، وإصرار -رغم كل هذا- على البقاء.