لم يكن حكم المحكمة العليا الأمريكية في قضية لويزيانا ضد كالايس مجرد قرار يخص دائرة انتخابية في ولاية جنوبية، بل لحظة رأت فيها صحف ومقالات أمريكية تحولا أوسع في قواعد التمثيل السياسي في الولايات المتحدة.
فالمحكمة لم تُلغِ قانون حقوق التصويت صراحة، لكنها -بحسب هذه القراءات- ضيّقت المساحة التي كان يتيحها للطعن في الخرائط التي تُضعف تمثيل الأقليات، ووسّعت، في المقابل، قدرة الولايات على الاحتماء باعتبارات حزبية عند إعادة رسم الدوائر. ولهذا، لم تعد القضية مقتصرة على ما خسرته لويزيانا، بل اتسعت إلى ما تغيّر في الانتخابات الأمريكية نفسها: قانونا، وسياسة، وخرائط.
بدأت القضية من خريطة انتخابية في لويزيانا أضافت دائرة ثانية ذات أغلبية سوداء، قبل أن تقضي المحكمة العليا بأن هذه الخريطة تمثل تقسيما عنصريا غير دستوري.
وفي ظاهر الأمر، بدا الحكم متعلقا بولاية واحدة ودائرة واحدة. لكن نيويورك تايمز ونيوزويك قرأتا القرار على نحو أوسع، لأن المحكمة لم تُسقط خريطة بعينها فقط، بل أعادت تشكيل الاختبار القانوني الذي تُقاس به مثل هذه القضايا.
وهكذا لم يتغير نص القانون بقدر ما تغيرت شروط الاستناد إليه في المحاكم.
جوهر التحول، كما تلخصه مجلة نيوزويك، أن الطعن في الخرائط لم يعد قائما بالمعنى نفسه على إثبات الأثر، أي أن الخريطة أضعفت فعليا قدرة السود أو الأقليات الأخرى على انتخاب ممثلين من اختيارهم.
فبعد الحكم، صار العبء أثقل: على الطاعنين أن يثبتوا، عمليا، أن الولاية تحركت بدافع عنصري مقصود، لا بدافع حزبي، وأن يقدموا خريطة بديلة تراعي المعايير التقليدية وتحقق الأهداف السياسية "المشروعة" للولاية، مع الفصل بين التصويت العرقي والتصويت الحزبي حين يتداخلان.
وفي لغة أبسط: لم تعد المشكلة في إثبات أن النتيجة مجحفة، بل في إثبات أن نية الولاية نفسها كانت عنصرية على وجه مباشر، وهو ما يراه منتقدو الحكم بابا بالغ الضيق للطعن.
هنا يضع نواه فيلدمان، في مقاله بموقع وكالة بلومبيرغ، إصبعه على العقدة الأساسية. فالحكم، في قراءته، يمنح الولايات مخرجا قانونيا واسعا: تستطيع أن تقول إنها لا تستهدف السود أو اللاتينيين، بل تريد فقط تعظيم حصة الجمهوريين، أو حماية توازن حزبي، أو تعزيز مواقع شاغلي المقاعد.
لكن هذه الذريعة تكتسب ثقلها في ولايات الجنوب تحديدا، حيث يصوت السود، في الغالب، للديمقراطيين، فيما يصوت البيض أكثر للجمهوريين.
وعند هذه النقطة، يغدو التفريق بين "الدافع الحزبي" و"الأثر العنصري" شبه متعذر عمليا، مع أن النتيجة قد تكون واحدة: إضعاف قدرة السود على انتخاب من يمثلهم.
ومن ثم، لا تعود الحزبية مجرد توصيف سياسي، بل تتحول إلى غطاء قانوني يمر من خلاله أثر كان يُعد، في السابق، مساسا مباشرا بحقوق الأقليات.
من أكثر المفاهيم التي استعادت حضورها بعد الحكم ما يسميه فيلدمان تفتيت الكتلة الناخبة. والمقصود به أن تؤخذ كتلة كبيرة من الناخبين السود، كان يمكن أن تشكل أغلبية في دائرة واحدة، ثم توزع على عدة دوائر أخرى، بحيث يتبدد تأثيرها الانتخابي ولا تعود قادرة على ترجيح النتيجة في أي منها.
وهذا الأسلوب كان من صميم ما استهدفه قانون حقوق التصويت أصلا، لأنه يمنح الأقلية حقا شكليا في الإدلاء بالصوت، لكنه يسلبها الأثر السياسي لذلك الصوت.
وما تخشاه القراءات المنتقدة للحكم هو أن تتمكن الولايات من استخدام هذا التفتيت ثم الدفاع عنه بالقول إنه مجرد خيار حزبي، لا خطوة عنصرية.
تلتقي افتتاحية صحيفة نيويورك تايمز مع مقالة بلومبيرغ عند هذه النقطة. فالافتتاحية ترى أن المحكمة تصرفت كأنها مشرّع حزبي استبدل حكمه بإرادة الكونغرس، مع أن هذا الأخير أعاد إقرار القانون قبل عشرين عاما بأغلبية كاسحة ومن الحزبين.
وتقول إن المحكمة أعادت، فعليا، معيار "القصد" الذي كان تعديل عام 1982 قد سعى إلى تجاوزه، حين اكتفى بإثبات أن العملية السياسية لم تعد مفتوحة بالتساوي أمام الأقلية.
أما فيلدمان، فيذهب إلى أن المحكمة المحافظة لم تضعف القانون فحسب، بل وجهت إليه ضربة تكاد تكون قاضية، لأنها جعلت إثبات التمييز أصعب بكثير حين يتداخل العرق بالحزب.
وبين التوصيفين، النتيجة واحدة: القانون لم يسقط رسميا، لكنه خرج من هذا الحكم أضعف بكثير مما كان عليه في قدرته العملية على الحماية.
وبحسب تقرير إخباري في نيويورك تايمز، لم يبق الحكم محصورا في لويزيانا.
ففي فلوريدا، أُقرت خريطة أكثر احمرارا قد تخلق ما يصل إلى أربعة مقاعد تميل إلى الجمهوريين. وفي تينيسي، ظهرت دعوات لإلغاء دائرة ذات أغلبية سوداء في ممفيس، كما صدرت إشارات مشابهة من سياسيين جمهوريين في جورجيا وساوث كارولاينا.
وفي المقابل، بدأ الديمقراطيون التفكير في رد مضاد في ولايات مثل نيويورك وإلينوي. وهذا يعني أن الحكم لم يغلق نزاعا محليا، بل فتح جولة أوسع من حرب الخرائط في أنحاء مختلفة من البلاد.
ليس مرجحا أن يظهر الأثر الكامل للحكم فورا في كل الولايات، لأن الجداول الزمنية للانتخابات التمهيدية، والتصويت المبكر، ومواعيد تسجيل المرشحين، قد تعرقل إعادة رسم فوري لبعض الخرائط هذا العام.
لكن نيويورك تايمز تلفت إلى أن القلق الأعمق لا يتعلق فقط بانتخابات التجديد النصفي القريبة، بل بما قد تفتحه هذه السابقة في عام 2028 وما بعدها.
وتضيف نيوزويك أن الحكم جاء أصلا في لحظة يشهد فيها البلد سباقا على إعادة الترسيم في منتصف العقد، وأن المحكمة لم تبدأ هذا السباق، لكنها غيرت قواعده وجعلت الدفاع عن الخرائط العدوانية باعتبارات حزبية أسهل من قبل.
وإذا بدا أن الانتخابات الأمريكية باتت أقل شبها بالإقناع وأكثر شبها بالكارتوغرافيا، فإن هذه القضية ستكون أحد أبرز الأسباب.
تختلف التقديرات في الحجم، لكنها تتفق في الاتجاه. فيرى تقرير نيويورك تايمز أن الجمهوريين قد يحققون مكاسب متواضعة في المدى القريب، من دون أن يضمن لهم ذلك السيطرة على مجلس النواب.
لكن افتتاحية الصحيفة تذهب أبعد، إذ ترى أن القرار قد يساعد، مع الوقت، على نقل تسعة مقاعد في ولايات جنوبية من الديمقراطيين إلى الجمهوريين، فضلا عن آثار مشابهة في الهيئات التشريعية المحلية.
أما نيوزويك، فتنقل عن خبير قانوني أن نحو 70 دائرة من أصل 435 كانت تتمتع بحماية ما بموجب المادة الثانية من قانون حقوق التصويت، وأن بعض هذه الدوائر بات الآن أكثر عرضة للخطر إذا استطاعت الولايات أن تبرر الخرائط على أسس سياسية لا عرقية.
وفي مجلس نواب قد تُحسم أغلبيته بفارق مقاعد معدودة، لا تبدو هذه مجرد تقديرات تقنية، بل احتمالات فعلية لإعادة توزيع القوة.
تتقاطع القراءات عند خلاصة واحدة: ما جرى أعمق من خلاف قانوني على تفسير مادة قديمة، لأنه يمس معنى التمثيل نفسه. فحين تصبح الحزبية ملاذا قانونيا لتبرير أثر تمييزي، وحين تنتقل الحماية من معيار "النتيجة" إلى معيار "النية" شبه المستحيل إثباتها، وحين تدخل الولايات سباقا مفتوحا لإعادة الرسم كلما سنحت الفرصة، فإن الانتخابات لا تعود مجرد منافسة بين مرشحين، بل صراعا سابقا على شكل المسرح الذي ستجري عليه هذه المنافسة.
ومن هنا، لا تبدو العبارة مجازية حين يقال إن الانتخابات باتت تُرسم في المحكمة: فقبل أن يصل الناخب إلى صندوقه، تكون الخطوط قد رُسمت، والدوائر قد قُسمت، ومجال صوته قد تحدد سلفا. وفي بلد قد تُحسم فيه الأغلبية بمقاعد معدودة، فإن القلم الذي يرسم الخريطة قد يصبح أسبق أثرا من اليد التي تضع الورقة في الصندوق.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة