تحل اليوم، 11 شباط/فبراير 2026، الذكرى الـ47 لانتصار "الثورة الإسلامية" في إيران ، الحدث الذي أسقط نظام الشاه محمد رضا بهلوي وفتح فصلا جديدا في علاقة إيران بالعالم العربي، فصلا لم يكن عنوانه الخلاف السياسي فقط، بل إعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي والطائفي في المنطقة بأكملها، وصولا إلى اللحظة الراهنة حيث يعود شبح الحرب على إيران ليخيّم على الشرق الأوسط، وسط مخاوف عربية واسعة من تداعياتها.
قبل عام 1979، لم يكن يُنظر إلى إيران في العالم العربي بوصفها تهديدا أيديولوجيا أو طائفيا. ورغم أن نظام الشاه كان شيعيا في بلد ذي غالبية شيعية، لم يشكّل هذا المعطى يوما مصدر قلق لدى الدول العربية، ولم يكن جزءا من الخطاب السياسي أو الإعلامي. العلاقات كانت تُدار بمنطق الدولة والمصالح والتوازنات الإقليمية، لا بمنطق الهوية أو العقيدة.
في تلك المرحلة، كانت إيران الشاه حليفا وثيقا للولايات المتحدة، وتؤدي دور "شرطي الخليج" في إطار الاستراتيجية الأميركية سواء في حماية طرق النفط أو في احتواء النفوذ السوفياتي. هذا الدور، على الرغم من التحفظات السياسية لبعض العواصم العربية عليه، لم يكن يُنظر إليه كتهديد مباشر لاستقرار الأنظمة العربية أو كمشروع لتفكيك مجتمعاتها من الداخل.
حتى في ذروة الخلاف مع العراق، بقي الصراع ضمن هذا الإطار. النزاع الحدودي الطويل انتهى بتوقيع اتفاق الجزائر عام 1975، الذي وقّعه صدام حسين بنفسه بصفته نائبا للرئيس العراقي آنذاك.
كذلك، كانت علاقة إيران الشاه بإسرائيل علنية ورسمية، تجسدت بوجود سفارة إسرائيلية في طهران وتمثيل دبلوماسي متبادل، في سياق اصطفافات إقليمية معروفة آنذاك. ورغم حساسية هذه العلاقة عربيا، فإنها لم تتحول إلى عنوان مواجهة مباشرة مع الدول العربية، ولم تكن سببا في صدام عربي–إيراني.
منذ اللحظة الأولى، طرحت إيران نفسها كدولة تحمل مشروعا سياسيا وأيديولوجيا يتجاوز حدودها، يتحدث عن "نصرة المستضعفين" ويدعو إلى تصدير الثورة. هذا التحول لم يُفهم في كثير من العواصم العربية بوصفه مجرد تغيير في السياسة الخارجية، بل تهديدا مباشرا لاستقرار الأنظمة القائمة.
هذا التحول منح إيران زخما شعبيا واسعا في الشارع العربي، لكنه في المقابل عمّق مخاوف أنظمة عربية رأت أن الصراع مع إسرائيل بات يُدار من زاوية ثورية إيرانية، لا ضمن حسابات سياسية تقليدية مضبوطة.
في السنوات الأولى بعد الثورة، بدأ يتبلور في العالم العربي هاجس "تصدير الثورة". لم يكن الخوف مرتبطا بالمذهب بقدر ما كان مرتبطا بإمكانية انتقال نموذج إسقاط الأنظمة. ومع تصاعد الخطاب الثوري، بدأ جزء من العرب، وخصوصا على مستوى الأنظمة، ينظر إلى إيران بوصفها التهديد الأول، متقدمة على إسرائيل في سلم الأولويات.
في هذا السياق، جرى توظيف البعد الطائفي كأداة سياسية في الصراع مع طهران، سواء لاحتواء نفوذها أو لمواجهته. وهنا بدأت الطائفية تدخل بقوة إلى المشهد الإقليمي.
في 22 أيلول/سبتمبر 1980، اندلعت حرب الخليج الأولى مع الهجوم العراقي على إيران. لم تكن الحرب مجرد نزاع حدودي، بل مواجهة إقليمية شاملة مع إيران الثورة. كان صدام حسين رأس الحربة في هذا الصراع، مدعوما بأسلحة أميركية وأموال خليجية، رغم كونه أحد موقعي اتفاق الجزائر قبل سنوات قليلة.
الحرب التي استمرت حتى 8 آب/أغسطس 1988 خلّفت مآسي إنسانية هائلة ورسّخت شعورا إيرانيا عميقا بالحصار، ودفعا باتجاه البحث عن أدوات قوة وردع تتجاوز منطق الدولة التقليدية.
بانتهاء حرب الخليج الأولى، لم تدخل المنطقة مرحلة استقرار. على العكس، شهدت حرب الخليج الثانية عام 1991، ثم سنوات الحصار الطويلة على العراق، قبل أن تأتي اللحظة المفصلية مع غزو العراق عام 2003. هذه الحروب المتعاقبة أضعفت دولا مركزية وفتحت فراغات سياسية وأمنية واسعة، شكّلت البيئة التي تمدد فيها النفوذ الإيراني لاحقا.
في هذه المرحلة، لم تعد المواجهة بين إيران والعالم العربي مباشرة، بل تحولت إلى صراع نفوذ عبر ساحات متعددة. تكررت الاتهامات لطهران بالتدخل في الشؤون الداخلية لدول عربية، ولا سيما في العراق ولبنان والسعودية والبحرين. في المقابل، حاولت بعض الدول العربية إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، إدراكا منها أن الصدام المفتوح مع إيران يحمل كلفة إقليمية باهظة، وهنا برز دور سلطنة عمان كوسيط دائم.
في مطلع الثمانينيات، عكست السياسة الإيرانية ذهنية ثورية صدامية لا تفصل بين الرمزية والسياسة. بعد اغتيال الرئيس المصري أنور السادات عام 1981 على يد خالد الإسلامبولي، تعاملت إيران مع الحدث من زاوية ثورية بحتة، باعتباره استهدافا لرمز عربي وقّع اتفاق سلام مع إسرائيل.
ضمن هذه الذهنية، أُطلق اسم الإسلامبولي على أحد شوارع طهران، في رسالة سياسية تعبّر عن موقف إيران آنذاك من مسار التسوية. لاحقا، ومع تبدل الظروف وتحوّل إيران إلى مقاربة أكثر براغماتية في علاقاتها العربية، عاد هذا الملف إلى الواجهة، ليُنظر إلى تغيير اسم الشارع في مرحلة لاحقة كجزء من محاولات إيرانية لتقديم بادرة حسن نية تجاه العرب، لا كتفصيل إداري معزول.
منذ سنوات الثورة الأولى، أعلنت إيران دعمها للفصائل الفلسطينية، ولا سيما حركتي حماس والجهاد الإسلامي. هذا الدعم كان مبكرا وعلنيا، لكنه لم يكن جزءا من إطار إقليمي متكامل.
في لبنان، بدأ التحول الأبرز عام 1982 مع الاجتياح الإسرائيلي ووصول القوات الإسرائيلية إلى بيروت. في تلك المرحلة، بدأ حزب الله يبرز تدريجيا بدعم إيراني مباشر، مستفيدا من الفراغ الأمني والسياسي، قبل أن يتحول في السنوات اللاحقة إلى تنظيم عسكري منظم، ثم إلى لاعب سياسي مركزي في المعادلة اللبنانية.
التحول النوعي الأوسع جاء لاحقا، وخصوصا بعد الغزو الأميركي العراق عام 2003. سقوط نظام صدام حسين فتح أمام إيران ساحة استراتيجية جديدة، وأتاح لها الانتقال من دعم أطراف متفرقة إلى بناء شبكة نفوذ مترابطة. في العراق، بدأت تتشكل قوى سياسية حليفة لطهران، فيما كان حزب الله قد رسّخ موقعه كلاعب إقليمي فاعل.
أما في سوريا، فكان التحالف مع إيران قائما منذ زمن، إذ وقف حافظ الأسد إلى جانب طهران خلال حربها مع العراق في الثمانينيات، في خطوة شكّلت أحد أعمدة التقارب الاستراتيجي بين الطرفين. هذا التحالف التاريخي وفّر لإيران منفذا سياسيا وجغرافيا مهما إلى المشرق العربي، ومهّد لدور أوسع لاحقا.
مع اندلاع الحرب الأهلية في سوريا عام 2011، دخلت إيران بشكل مباشر لحماية نظام بشار الأسد، معتبرة أن سقوط دمشق سيشكل ضربة مركزية لموقعها الإقليمي. في هذه المرحلة، لم يعد النفوذ الإيراني محصورا بساحات منفصلة، بل أخذ طابعا مترابطا ومفتوحا على أكثر من جبهة.
لاحقا، ومع تصاعد دور الحوثيين في اليمن بدعم إيراني، ودخول صنعاء إلى دائرة الصراع الإقليمي، اكتمل الامتداد الجغرافي لهذا النفوذ. عند هذه النقطة، تبلورت بنية إقليمية مترابطة تمتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء وغزة، ليتشكل ما بات يُعرف بـ"محور المقاومة".
في قلب هذا المحور، برز اسم الجنرال الإيراني قاسم سليماني كمهندس ميداني وسياسي للتنسيق بين هذه الساحات، رابطا بين الأدوار العسكرية والسياسية، ومشرفا على إدارة الصراعات خارج حدود إيران. وقد بلغ هذا المحور ذروة قوته، قبل أن يشكّل اغتيال سليماني في كانون الثاني/يناير 2020 أول ضربة قوية له.
أعادت عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 القضية الفلسطينية إلى واجهة الصراع الإقليمي، غير أن الحرب التي تلتها، في غزة ولبنان والضربات القاسية التي تلقاها حزب الله الحليف الأبرز لطهران، كشفت حجم الضغط الذي تعرضت له إيران.
ومع اتساع دائرة المواجهة وتعدد ساحاتها وصلت النار إلى قلب إيران فاندلعت "حرب الأيام الاثني عشر"، لتشكل أول مواجهة بهذا المستوى بين إيران من جهة، وتل أبيب وواشنطن من جهة أخرى. ورغم أن هذه الحرب بقيت محدودة زمنيا ولم تنزلق إلى صدام شامل، إلا أنها حملت دلالات خطيرة، أبرزها كسر الخطوط الحمراء التقليدية، ورفع مستوى الاحتكاك إلى حد غير مسبوق، ما جعل احتمالات المواجهة الواسعة أقرب من أي وقت مضى.
بعد سبعة وأربعين عاما على انتصار الثورة الإسلامية، تبدو المفارقة واضحة. دول عربية كانت على عداء حاد مع إيران، وخاضت معها صراعات مباشرة وغير مباشرة، باتت اليوم تنظر بقلق بالغ إلى احتمال اندلاع حرب عليها. هذا القلق لا ينبع من تبدد الخلافات أو تراجع الشكوك، بل من إدراك عميق لكلفة أي مواجهة عسكرية حين تصل النار إلى قلب دولة بحجم إيران.
فأي حرب على إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها، بل ستتمدد سريعا إلى الإقليم كله، مهددة أمن الخليج والممرات البحرية وأسواق الطاقة، ومهددة أيضا الاستقرار الداخلي لدول الجوار، فضلا عن المخاطر البيئية الكبرى في حال استهداف المنشآت النووية. هنا، تصبح الجغرافيا أقوى من السياسة، ويصبح الخوف من الانفجار الشامل عاملا ضاغطا حتى على خصوم طهران.
بهذا المعنى، لم تكن الثورة الإسلامية مجرد ذكرى تاريخية، بل لحظة مفصلية ما زالت آثارها ترسم علاقة إيران بالعالم العربي حتى اليوم، وتفرض نفسها على كل نقاش حول مستقبل المنطقة، وحدود الصراع، وإمكانات الحرب والسلام.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة