في خطوة غير مسبوقة فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حظرا على تصدير نموذجين متقدمين للذكاء الاصطناعي طورتهما شركة أنثروبيك، الأمر الذي وجه رسالة لشركات التكنولوجيا بإمكانية تدخل الإدارة الأمريكية في نشاطها، وأثار مخاوف حلفاء واشنطن من أنها تمتلك "مفتاح الإيقاف" لهذه التكنولوجيا في أي وقت.
وأفادت وكالة بلومبيرغ بأن وزارة التجارة الأمريكية منعت تصدير نموذجي "ميثوس" و"فايبل" لشركة أنثروبيك بعد أن اكتشف باحثون ثغرات أمنية في النموذجين المتطورين الذين طرحتهما الشركة في الأسواق قبل أيام من قرار حظر التصدير.
وانتقدت شركة أنثروبيك قرار الإدارة الأمريكية ووصفته بأنه "غير متناسب"، في إشارة إلى أنها ترى أن ما تحدثت عنه الإدارة من ثغرات لا يستدعي منع تصدير نموذجيها بالكامل.
وحذرت أنثروبيك من أن هذا النهج من قبل الإدارة الأمريكية "قد يوقف تطوير مختلف النماذج" في مختلف الشركات. وسارعت أنثروبيك بتعليق استخدام نموذجي "ميثوس" و"فايبل" في كل الأسواق، مما يعني أنه تم تجميد استخدام النموذجين لفترة غير محددة لجميع العملاء.
وأوضحت وكالة بلومبيرغ أن المسؤولين بشركة أنثروبيك يجرون مباحثات مع الإدارة الأمريكية بشأن قرارها، وذلك نقلا عن مصادر مطلعة تحدثت مع بلومبيرغ بشرط عدم ذكر اسمها.
وأضافت أن إحدى الشخصيات الرئيسية التي يتم بحث الأمر معها في الإدارة الأمريكية وزير الخزانة سكوت بيسنت، حيث سبق أن حذر بورصة وول ستريت من مخاطر النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي، مثل نموذج "ميثوس".
وأشارت بلومبيرغ إلى أن المخاوف من نموذج "ميثوس" ترتبط بقدرته، من الناحية النظرية، على اكتشاف الثغرات الأمنية في برامج الحاسوب، واستغلالها بشكل أسرع من القدرة البشرية على القيام بذلك.
وأوضحت صحيفة فايننشال تايمز أن باحثين من شركة أمازون كشفوا ثغرة أمنية في نموذجي "فايبل" و"ميثوس"، بعد أن طلبت منهم الإدارة الأمريكية دراسة الأمر، ووجدوا أنه يمكن تجاوز ضوابط الحماية واستخراج معلومات حول الثغرات الأمنية في برامج الكمبيوتر.
وناقش آندي جاسي، الرئيس التنفيذي لشركة أمازون، التي استثمرت في أنثروبيك نحو 13 مليار دولار، وفق فايننشال تايمز، هذه الثغرات مع مسؤولين أمريكيين الجمعة، وفقًا لمصادر مطلعة، وبعدها اتخذت الإدارة الأمريكية قرارها بحظر تصدير النموذجين، وهو ما يمثل ضغطا كبيرا على مدير أنثروبيك والمؤسس المشارك لها داريو أمودي.
لكن قيام إدارة ترمب بحظر تصدير نموذجيها المتقدمين قد يؤثر على خططها المستقبلية للتوسع، إذ كان هناك إقبال على النموذجين في الأسواق الخارجية، ومنها الاتحاد الأوروبي وبريطانيا.
وأشارت بلومبيرغ إلى أن "الضوابط المفاجئة" التي استخدمتها إدارة ترمب لمنع تصدير منتجات الذكاء الاصطناعي حفاظا على الأمن القومي، تمثل سابقة يمكن تكرارها مستقبلا، ورسالة لشركات الذكاء الاصطناعي الأخرى، مثل "أوبن آيه آي" و"الفابيت" المالكة لغوغل، أن الحكومة الأمريكية قادرة على التدخل في نشاطها في أي وقت.
ونقلت بلومبيرغ عن غاري تان، مدير المحافظ الاستثمارية بشركة "أولسبرينغ غلوبال" للاستثمار أن نماذج الذكاء الاصطناعي ينظر إليها بشكل متزايد على أنها "أصول إستراتيجية"، حيث يتم تقييد الوصول إليها حسب اعتبارات الأمن القومي الأمريكي.
وتبدو الصين حاضرة بقوة في طريقة تعامل الإدارة الأمريكية مع شركات التكنولوجيا، خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي الذي يتطور بسرعة كبيرة.
ودخلت الشركات الصينية، مثل مجموعة "علي بابا" وشركة "ديب سيك "، في منافسة محمومة مع الشركات الأمريكية على السبق في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وهو ما يزيد الضغوط على الإدارة الأمريكية لحماية النماذج المتقدمة في هذا المجال.
وأثار قرار الإدارة الأمريكية حظر تصدير نموذجي أنثروبيك المتقدمين للذكاء الاصطناعي قلق حلفاء واشنطن، ومنهم بريطانيا والاتحاد الأوروبي، من أن إدارة ترمب لديها "مفتاح الإيقاف" لكل خدمات الذكاء الاصطناعي التي يعتمدون عليها، وفق وصف صحيفة تلغراف البريطانية.
وأضافت تلغراف أنه على الرغم من أن قرار إدارة ترمب يستهدف منع الصين من الوصول لنماذج الذكاء الاصطناعي الأمريكية المتقدمة، لكنه يثير أيضا المخاوف لدى دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا التي تعتمد على التكنولوجيا الأمريكية.
ونقلت تلغراف عن مصادر مقربة من البيت الأبيض أن ترمب لن يقبل استثناء بريطانيا من الحظر المفروض على تصدير نموذجي أنثروبيك إذا طلب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مثل هذا الاستثناء.
وفي السياق ذاته قالت المفوضية الأوروبية، التي حصلت مؤخراً على أحدث نماذج أنثروبيك، إنها تقوم بتقييم آثار قرار حظر التصدير على دولها ومواطنيها.
وأشار موقع "فورتشن" إلى دعوة الكثير من السياسيين في أوروبا إلى ما يصفونه "بالسيادة على الذكاء الاصطناعي"، بمعنى أن تتمتع الدول الأوروبية بالسيطرة على أدوات ونماذج الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها، والبنية الأساسية لهذه الأدوات، مثل مراكز البيانات، لكي لا تخضع لقرارات الدول المالكة لهذه الأدوات.
وتتضح أهمية مخاوف أوروبا في هذا السياق بالنظر لاعتمادها على دول خارجها، خاصة الولايات المتحدة والصين، لإمدادها بنحو 80% من خدمات التكنولوجيا، ونحو 70% من خدمات التخزين السحابي على الإنترنت، وفق بيانات المفوضية الأوروبية.
وتسيطر الولايات المتحدة والصين على نحو 90% من البنية الأساسية لأدوات وتقنيات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في أوروبا، وفق ما ذكره موقع "فورتشن" نقلا عن شركة "أيبوتش" لأبحاث الذكاء الاصطناعي، مما يعني اعتماد أوروبا بشكل شبه كامل على بكين وواشنطن في هذه التقنيات الهامة التي تتطور بسرعة.
وباستثناء شركة ميسترال الفرنسية للذكاء الاصطناعي، التي لا تزال نماذجها متأخرة عن نظيراتها الأمريكية، وفق وصف موقع "فورتشن"، تفتقر أوروبا إلى شركات رائدة في هذا المجال.
كما أن بناء مراكز البيانات، وهي أساسية لعمل أدوات الذكاء الاصطناعي في أوروبا يواجه عدة مشكلات، منها ارتفاع تكلفة الطاقة، إذ إن هذه المراكز كثيفة الاستخدام لها، والقيود التنظيمية.
وتسعى شركة "ميسترال"، التي تحظى بدعم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى جمع تمويل بقيمة 3.5 مليار دولار للتوسع في أعمالها، وذلك لرفع قيمتها السوقية لنحو 23 مليار دولار. ورغم أنها الأكبر أوروبيا، إلا أن قيمتها السوقية تقل كثيرا عن قيمة الشركات الأمريكية الرائدة في الذكاء الاصطناعي مثل أنثروبيك و"أوبن آيه آي".
وتبقى دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا أمام تحديات كبيرة لتحقيق ما تتطلع إليه من "سيادة تكنولوجية"، حيث أوضح الصدام الأخير بين إدارة ترمب وشركة أنثروبيك أن أوروبا لا زالت بعيدة كثيرا عن تحقيق هذه السيادة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة