يدفع اتساع العجز التجاري مع الصين الاتحاد الأوروبي الى اتخاذ إجراءات حمائية في كل القطاعات تقريبا، من المركبات الكهربائية إلى منصات التجارة الإلكترونية، ما يزيد المخاوف من نشوب حرب تجارية بين اثنتين من كبرى القوى الاقتصادية في العالم.
ودعت بكين إلى الحوار مع أوروبا، لكنها حذّرت في الوقت ذاته من أنها قد تردّ على السياسات الحمائية الأوروبية.
وحظيت العلاقة مع الصين باهتمام قمة مجموعة الدول الصناعية السبع المنعقدة في فرنسا، حيث يناقش قادة المجموعة كيفية إعادة التوازن إلى التجارة العالمية ومعالجة "المنافسة الاحتكارية"، وخاصة من الصين.
وتلخص فرنسا هذه الاختلالات، وفق ماذكرته رويترز، في أن الصين تنتج أكثر مما ينبغي، وأن الولايات المتحدة تستهلك أكثر من اللازم، في حين يستثمر الأوروبيون أقل من المطلوب.
ويتزايد القلق في أوروبا إزاء الفائض التجاري القياسي للصين، فيما يصفه محللون "بصدمة صينية ثانية" بعد هيمنتها على الصناعات ذات القيمة المنخفضة في العقد الأول من الألفية الثانية.
وهذه أهم أبعاد العلاقة التجارية بين الاتحاد الأوروبي والصين، والتي يرى قادة الاتحاد أنها تميل بشدة لصالح بكين، ولابد من إجراءات لتصحيحها.
رأت المفوضية الأوروبية في مايو/أيار الماضي أن العجز التجاري للتكتل مع الصين أصبح "غير قابل للاستمرار".
ففي شهر أبريل/نيسان وحده، بلغت قيمة العجز 31.9 مليار يورو (37 مليار دولار)، وفق مكتب الاحصاء الأوروبي "يوروستات".
وقال مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش هذا الأسبوع، حسب ماذكرته وكالة الأنباء الفرنسية، "لقد بلغت علاقتنا التجارية مع الصين نقطة تتطلب إعادة ضبط"، مشددا على أن المطلوب "ليس مواجهة، بل إعادة توازن".
وكان سفير الصين لدى الاتحاد الأوروبي تساي رن أكد في مايو/أيار تفهّم بكين لمخاوف الاتحاد الأوروبي، لافتا الى أنها "لم تسعَ أبدا عمدا لتحقيق فائض تجاري"، وتبقى مستعدة "لمعالجة هذه المسألة".
وقال إن الصين اتخذت إجراءات عملية مثل تعزيز بلوغ المنتجات الزراعية الأوروبية أسواقها، وإلغاء التخفيضات الضريبية لمصدّري منتجات الطاقة الشمسية الصينيين، وفرض قيود على صادرات السيارات الكهربائية الصينية.
وترفض الصين الانتقادات الغربية التي ترى أن نجاح شركاتها في الخارج يعود إلى الدعم الحكومي الضخم المتوافر لها، وتعزو تفوّقها إلى الابتكار ونظم الانتاج الاقتصادي وقاعدتها الصناعية.
تدهورت العلاقات بين الطرفين هذه السنة مع سعي الاتحاد الأوروبي إلى تصليب تشريعاته في مواجهة بكين.
ويخشى الاتحاد من أن هيمنة الشركات الصينية في قطاعات هامة، مثل السيارات الكهربائية والكيميائيات والتكنولوجيا الصديقة للبيئة، قد يلحق ضررا بالغا بالصناعات الأوروبية.
كما يطالب بمزيد من الوصول إلى السوق الصينية، متذرعا بأن بكين لا تعامل الشركات الأوروبية بمثل معاملة الأوروبيين للشركات الصينية.
وحذّرت بكين من أنها ستتخذ "إجراءات مضادة" إذا مضى الاتحاد قدما في مشروع قانون "التسريع الصناعي" الذي يستبعد بعض المنتجات المصنّعة خارجه من عمليات الشراء العام، ويقيّد الاستحواذ على الشركات الأوروبية.
وراجعت المفوضية الأوروبية قواعدها للأمن السيبراني بهدف استبعاد المورّدين الذين يُعتبرون من ذوي المخاطر العالية، مثل شركة "هواوي" الصينية، من شبكات الاتصالات.
ومنذ عام 2024، تواجه السيارات الكهربائية الصينية المصدّرة إلى أوروبا رسوما جمركية إضافية.
يرى شو دينغبو، الأستاذ في كلية الصين وأوروبا الدولية للأعمال في مدينة شنغهاي أن "خطر نشوب حرب تجارية بين الاتحاد الأوروبي والصين فعلي".
رغم ذلك، يرى تشو تيان، الخبير الاقتصادي في الكلية ذاتها، أن للطرفين مصلحة في التوصّل إلى تسوية. ويقول "لا يستفيد أي من الطرفين من التصعيد: فستواجه أوروبا تكاليف أعلى وانتقالا بيئيا أبطأ، بينما ستفقد الصين الوصول إلى سوق رئيسية".
في المقابل، تعتبر إلفير فابري المتخصّصة في جغرافية التجارة السياسية في معهد جاك دولور للبحوث، أنه "من الضروري أن يُظهر الأوروبيون تصميمهم وأن يرسوا توازنا للقوى".
يرى تشو تيان أنه "يمكن للصين أن تردّ بتحقيقات لمكافحة الإغراق، وتشديد رقابي، وقيود في قطاعات مختارة، أو الضغط على منتجات أوروبية تعتبر حساسة في المجال السياسي".
وسبق لبكين أن فرضت رسوما على مشروبات كحولية أوروبية، وأجرت تحقيقات بحق منتجات لحم الخنزير والألبان من التكتّل، وذلك في إطار خطوات لمكافحة الإغراق. ويخشى الاتحاد هذه المرة أن تقيّد الصين صادراته من المعادن النادرة اللازمة للصناعات عالية التقنية.
ويرجح تشو أن "تتصرف الصين بطريقة محسوبة" أيا كان ردّها، وأن توازن بين "توجيه رسالة مفادها أن لإجراءات الاتحاد الأوروبي كلفة، لكن دون أن يصل الأمر إلى حدّ انهيار العلاقة برمّتها".
يعد الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر شريك تجاري للصين. وترى الباحثة فابري إن الصين "تحتاج إلى الوصول إلى السوق الأوروبية" في ظلّ القيود الأميركية.
ويعتبر تشو أن زيادة الاستثمارات الصينية في أوروبا قد تكون وسيلة لخلق فرص عمل وطمأنة صانعي القرار الأوروبيين بأن "الصين تأخذ المخاوف الأوروبية على محمل الجد".
وأضاف "يمكن للصين أن تساهم عبر انفتاح إضافي لأسواقها وتشجيع المزيد من الواردات والاستثمارات، لكن على أوروبا أيضا أن تعزّز قدرتها التنافسية".
ويرى يورغ ووتكه، الرئيس السابق لغرفة التجارة التابعة للاتحاد الأوروبي في الصين أن في إمكان بكين أن تتجنّب حربا تجارية، لكن ذلك سيتطلب أن تكون "منفتحة بالفعل لا أن تتظاهر بذلك فقط".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة