آخر الأخبار

“الألفة قد تعمي الأبصار والمطابقة تلغي المستقبل”.. عبد الله إبراهيم واستنطاق الذاكرة السردية

شارك

بعيدا عن الضيق وهشاشة التحيزات، يحفر الناقد العراقي وخبير "السردية العربية " الدكتور عبد الله إبراهيم في البنية العميقة للسرديات وعلومها، مقدما رؤية مغايرة تُفكك أزمات العقل العربي وتناقضاته.
في هذا الحوار، يتجاوز إبراهيم سطح القراءات التقليدية ليغوص في مفاهيم "المطابقة " والانشقاق الثقافي، محذرا من تحول الهوية إلى استنساخ أعمى للماضي أو استيراد مشوه للآخر، ومؤسسا لقواعد منهجية صارمة تحمي الباحث من الانزلاق في فخاخ "الألفة " و "التعميم " و "الاختزال ".

آلية "المطابقة " ونتائج "الامتثال "


* تُشير مؤلفاتك إلى "الامتثال " بوصفه بنية ثقافية خفية تُسائل الوعي من الداخل. هل تجد في هذا الامتثال خطراً يتخفى في صورة "وفاء للماضي " أو "انفتاح على الآخر "؟

كأنك تريد أن تُجري استبدالا لمفهوم "المطابقة " الذي اعتمدتُه في مؤلفاتي بمفهوم "الامتثال ". لقد تحاشيتُ استخدام مصطلح الامتثال إلا في وصف "نتائج المطابقة ". في مشروعي (المطابقة والاختلاف)، قصدتُ بالمطابقة: التطابق مع الماضي بمفاهيمه ونموذجه الإرشادي من جهة، والتطابق مع "الآخر " (الغرب) في رؤيته ومفاهيمه من جهة أخرى. ولا أحسب فائدة تُرتجى من التطابق في الحالتين؛ فهو نوع من الاقتراض السلبي الذي يلوذ بالماضي زمانيا وبالآخر مكانيا، ليعجز عن ابتكار زمانه ومكانه واقتراح أسئلته.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 روبوتات تحت الركام.. طلاب غزة يتحدون الحصار بالبرمجة
* list 2 of 2 حين تتحدث الحفارات لغة الضاد.. كيف عبر “المهندس العجيب” من براغ إلى أطفال العرب؟ end of list

التطابق مع الماضي حينما يتحول من استلهام نقدي إلى تماثل جامد، يُفضي إلى تعطيل الفاعلية التاريخية؛ لأنه يجعل الهوية رهينة سردية مكتملة لا تقبل المراجعة. أما التطابق مع الآخر بدافع الشعور بالنقص أو بضغط الهيمنة، فيؤدي إلى انحلال المرجعيات الذاتية واستعارة نماذج جاهزة من خارج سياقها.

"الهوية لا تتكون من استنساخ الماضي، ولا من استيراد الآخر، بل من الجسارة في إعادة تأويل التراث واستيعاب المنجز الإنساني ضمن شروط واعية. وحين يغيب التوازن، تتكون هوية محاكاتية: إما منغلقة تخشى العالم، أو مقلِّدة تفقد ذاتها. "

مصدر الصورة أغلفة مشروع «المطابقة والاختلاف».. دراسة نقدية تفكك مأزق التطابق مع التراث أو الاستعارة من الغرب (الجزيرة)

الانشقاق الثقافي ومجتمعات "مكفوفة اليد "


* أين تكمن إخفاقات النخب الثقافية العربية؟ هل لأنها لم تمارس النقد أم لأنها مارسته بلا مساءلة لذاتها وتاريخها؟
إعلان

لا يقتصر الأمر على النخب الثقافية وحدها، بل يمتد إلى سياقات ثقافية موروثة أو مستعارة أفرزت إشكالية عميقة تتحكم بالمجتمعات العربية منذ "عصر النهضة "؛ فجراء تشقق القيم التقليدية، انشطر التفكير إلى تيارين متناحرين: أحدهما يتمسك بالموروث بوصفه المقوم الأصلي للهوية، وثانيهما يدعو لهجره والانخراط في مدار الثقافات الإنسانية الحديثة.

تضاعف هذا الانشقاق ليضرب بنية المجتمعات ذاتها؛ فانشقت بين قائل بلزوم المكوث في دائرة "علوم الدين " من عقيدة وفقه وأحكام سلطانية، وقائل بلزوم الانتقال لـ "علوم الدنيا " وقوانينها الوضعية (خصوصا بعد التجربة الاستعمارية وظهور الدولة الحديثة).

وما زالت هذه المجتمعات تضع رجلا في دولة القوانين الوضعية، ورجلا في نطاق الشرائع الموروثة، ولم تحسم أمرها في الضمير الجماعي؛ فشلّ ذلك إرادتها، وجعلها لا تعرف إلى أين تمضي، ولا تقبل البقاء حيث هي.

وفي ضوء ذلك، تكاد الثقافة العربية تكون "مكفوفة اليد " في العالم المعاصر. هذا التوتر المضاعف خيّم على علاقة أغلب المسلمين بماضيهم، نتيجة انقطاعهم عن قيم فقدت جدواها في حاضرهم؛ فلم يعودوا قادرين على استعادتها لانقضاء أمرها، ولم يستطيعوا اقتراح غيرها، وصعب عليهم إيداعها في أرشيف الذاكرة، فانتهوا حَمَلة لمأثور أثقل كاهلهم ولا يلبي مطلوبهم.

"العودة إلى الماضي أو الانفصال عنه أمران في غاية الخطورة؛ وحبس النفس في سجن الماضي لا يقل خطرا عن إطلاقها في سراب الأوهام. "

الحوار مع الآخر ورفض "الهويات المستعارة "


* إذن هل الذات لا تستطيع تحقيق وجودها إلا بالحوار مع الآخر؟ وكيف يمكن إقامة هذا الحوار دون السقوط في عزلة ثقافية أو نزعة تطهيرية للهوية؟

لستُ من المدافعين عن الهويات التقليدية دفاع الأعمى، وإن كانت تصون الأمم من التلاشي. لكنني بالقطع لست من دعاة الإتيان بهويات مستعارة وإرغام الأمم على الأخذ بها؛ فذلك ضرب من التغيير العنيف المؤقت الذي يبتر الأمة عن تاريخها، ويحشو ذاكرتها بأفعال مزورة لم تختمر في وجدانها، فتُصاب بفقدان الذاكرة ولا يتم استيعابها من الطرف الآخر.

الأفضل للأمم الأخذ بتغييرات داخلية تنمو بالتدرج وتستفيد من تجارب الآخرين دون إكراه. لقد تباعدت المسافات اليوم بين الأنا والآخر لأن العلاقة شُحنت بمطامع الاستئثار والهيمنة، وغاب التوازن الذي يوفر فرصة لقاء حقيقي يتفاعل فيه الطرفان.

الماضي كعبء تأويلي


* متى يغدو الماضي عبئاً تأويلياً لا تراثاً؟ وهل تكمن الإشكالية في "الماضي " ذاته أم في تحويله إلى سردية ناجزة تُبرر الحاضر؟

يتحول الماضي من خبرة تاريخية إلى مرجعية مطلقة، فيغدو عبئاً يثقل الوعي الجمعي ويعطل قدرته على الفهم الخلاّق للحاضر. العلاقة السوية مع الماضي تقوم على إدراكه بوصفه "سياقاً منقضياً " يُستعاد لفهم تحولات الزمن.

أما حين يُستدعى كنموذج مكتمل صالح لكل الأزمنة، فإنه يتحول إلى معيار تقويمي يُقاس به الحاضر وليس موضوعا للمعاينة، فتكون النتيجة اختزال الحاضر في صورة تكرار ناقص لماضٍ مثالي، مما يعطل الخيال التاريخي؛ لتصبح الهوية مستمدة من تبجيل السلف بدل مساءلة الواقع.

منطق السرد وتاريخ الأفكار عند ميشيل فوكو


* بالانتقال إلى البنية الفلسفية للسرد، وكيفية انفصال الخطابات عن سياقاتها، كيف يمكن البناء على مقولات ميشيل فوكو في "تاريخ الأفكار " لفهم هذه التحولات السردية؟
إعلان

خلافاً لمنطق الأفكار (الذي تأتي نتائجه عن مقدماته في خط قابل للوصف الدقيق)، فإن منطق الخيال السردي متعرج؛ يتقدم متعجلا ويتراجع مسرعا وربما ينقض مقدماته.
لقد ذهب فوكو إلى أن حقل الخطابات ثنائي القيمة: فكل عنصر هو إما "مستحدث " (مولّد لصيغ جديدة ويُنظر إليه كإبداع أصيل) أو "مُعاد " (يجتر ما قيل وهو مرذول ومبتذل). لقد خلع تاريخ الأفكار الذي اقترحه فوكو نعوتاً عليا على الإبداعات والتغييرات، وشحّ في الثناء على الأخرى، ورسم للتاريخ صورة ساكنة بما هو تراكم بطيء لوقائع الماضي. ولم يغب عن التحليل أمر التحولات البطيئة التي تُحل نماذج جديدة محل القديمة، ثم وقوع الأصيل في شباك المُكرّر، ومعاودة السابق للظهور من جديد.

النقد الثقافي.. تفكيك السلطة الرمزية


* هل ترى أن "النقد الثقافي " معنيٌّ بتفكيك "سلطة السرد " أم بتصحيح محتواه وتناقضاته؟

لا يُختزل "النقد الثقافي " في وظيفة واحدة، ولا ينحصر في تصحيح المضمون، بل يتجاوز ذلك لمساءلة الشروط الثقافية التي تُنتج السرد وتمنحه شرعيته. السرد ليس بنية جمالية بريئة، بل هو نظام تمثيل يُضمر رؤى ويعيد إنتاج أنساق ثقافية مهيمنة. النقد الثقافي ليس تصحيحا أخلاقيا للمضمون، بل هو تفكيك للمرجعيات الحاملة للأقوال السردية، وإبراز للتوتر بين ظاهرها ومضمرها.

"كل سردية تميل إلى بناء مركز معنوي وتشييد نظام مغلق يدّعي الاكتمال، ومهمة الناقد تكمن في زعزعة هذا المركز ذاته، وليس في إحلال سردية مركزية محل أخرى. "

مصدر الصورة شهادة جائزة الملك فيصل العالمية في اللغة العربية والأدب لعام 2014، والتي تُوج بها الدكتور عبد الله إبراهيم تقديراً لجهوده الموسوعية في دراسة وتحليل السردية العربية (الجزيرة)

محاذير الباحث: سيف "الألفة " ومزالق "التعميم والاختزال "


* كيف يتعين على الناقد مقاربة موضوعه دون السقوط في فخ الانحياز؟

للخوض في ظاهرة إشكالية كالسردية، يحتاج الباحث إلى "الألفة " مع موضوعه؛ وهي حالة تتيح له الاقتراب من الظاهرة وفهم تفاصيلها الدقيقة دون استنكار. لكن، من الناحية المنهجية، تمثل الألفة حالة حرجة ومزدوجة؛ فهي تفتح أبواب الفهم العميق، لكنها تهدد بفقدان "المسافة النقدية ". فحين يغرق الباحث في موضوعه، قد يتحول إلى محامٍ عنه، وتتلاشى الحدود بين التحليل والتسويغ، فيغدو البحث إعادة إنتاج لما يعرفه مسبقا.

ومثلما تشكل الألفة الزائدة خطراً يمحو المسافة النقدية، فإن "الجفوة " والنفور من الموضوع لا يحققان أي فائدة معرفية؛ فهما نابعان من الجهل أو الأحكام الجاهزة المسبقة التي تُسقط على الموضوع قبل الخوض فيه.

إلى جانب ذلك، يواجه الباحث في الظواهر الكبرى خطرين: "التعميم " و "الاختزال ". التعميم مفيد لتقديم صورة إجمالية، لكن الإفراط فيه يُفقر الظاهرة ويُهمل الفوارق الدقيقة. والاختزال يتيح التركيز على البنى الرئيسة، لكنه قد ينتهي بتجريد مفرغ من مضمونه. قيمتهما المنهجية تكمن في الاعتدال والتوازن والضبط.

نحو استقلالية "السردية العربية "


* أنت من أبرز المدافعين عن لزوم اقتران المفاهيم النقدية بظواهرها الحاملة لها، ماذا تروم من ذلك في مشروع "السردية العربية "؟

لقد انتهيتُ إلى أن المفاهيم لا تحقق غايتها ما لم تكن متصلة بالظواهر الحاملة لها؛ فالظواهر الثقافية هي التي تغذي المفاهيم بدلالاتها. ولا تُحمد استعارة أفكار من خارج البيئة التي نشأت فيها الظاهرة.

من هنا جاء عملي على مفهوم "السردية العربية ". السردية كأداة إجرائية لا هوية دينية أو عرقية لها في ذاتها، بل تكتسب هويتها بما تُعبأ به من محتوى (ديني، اجتماعي، تاريخي). المحتوى لا يمنح السردية اسمها فحسب، بل يتدخل في صياغة بنيتها وترتيب وقائعها وتوزيع أدوار شخصياتها.

مصدر الصورة مجلدات "موسوعة السرد العربي".. الأرشيف النقدي والأستكشافي الشامل لتاريخ المرويات العربية (الجزيرة)

لا ضير من الانتفاع بمفاهيم من ثقافات أخرى لبيان وجوه الاختلاف، لكن تكبيل مفهوم السرد بقيود ثقافة بعينها (كالمركزية الغربية) وإرغام السردية العربية على الامتثال لشروطه، هو أمر غير صحيح منهجيا. السردية العربية نجحت في تمثيل الأحوال الاجتماعية والتاريخية والدينية التي عرفها العرب، وهي -لذاتها- جديرة بأن تكون موضوعا للبحث والتحليل والاستنطاق بأدوات ومفاهيم تنبع من رحمها.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار