صدر حديثا عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان الديوان الشعري الجديد "ورود يوم القيامة" للشاعر والصحافي الأردني حسين جلعاد، وذلك في عمل ينهض من قلب المأساة الفلسطينية، وهو لا يكتب غزة كخبر عابر، وإنما بوصفها جرحا مفتوحا في اللغة والذاكرة والوجدان.
"ورود يوم القيامة" ديوان عن غزة، يبدأ يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، ويسكن في تلك اللحظة الفاصلة التي وقف فيها التاريخ على حافة النفق. لكنه ليس ديوان حرب بمعناها الخطابي، بل هو ديوان اليومي المحترق، هناك حيث طفل يضحك عند باب السماء، وجدّ يعقد يديه خلف ظهره ويمشي تحت ظلال الوقت، وأمّ تحمل في أكياس سوداء ما تبقى من صلاتها وأشلاء أطفالها، ورسائل حب تكتبها قلوب لا تجد مكانا يعرفها فيه أحد.
ويكشف إهداء الديوان منذ صفحاته الأولى وجهته العاطفية والرمزية، إذ يتجه مباشرة إلى غزة وأهلها، بما يضع القارئ منذ البداية في مناخ شعري مشحون بالفقد والمحبة والوفاء.
يأتي الديوان في أجواء شعرية كثيفة، تتجاور فيها صور الخراب مع عناد الحياة، وتتكرر فيه مفردات الأم، والطفل، والشهيد، والبيت، والورد، في بناء لغوي يجعل القصيدة شاهدا على زمن الإبادة، وفي الوقت نفسه مساحة لحماية المعنى الإنساني من التبدد. ومن خلال هذا التوتر بين القسوة والرهافة، لا يكتفي جلعاد بتسجيل الألم، بل يحاول أن يمنح المأساة صوتا داخليا، وأن يلتقط ما يبقى من الإنسان حين تحاصره النار والغياب.
"ورود يوم القيامة" ليس ديوان مناسبات كتب تحت ضغط الحدث، وإنما عمل يشتغل على تحويل اليومي المفجوع إلى شعر، وعلى رفع التفاصيل الصغيرة من تحت الركام إلى مستوى الرمز: الأمهات، الوجوه، الأزقة، البيوت، الانتظار، وذاكرة الذين رحلوا أو تركوا في القلب أثرهم الأخير. لذلك يتحرك الديوان بين المرثية والتأمل، وبين الغضب الخافت والحنين الموجوع، من غير أن يفقد نبرته الشعرية أو يسقط في المباشرة التقريرية.
واحد.. اثنان.. ثلاثة
كنت أتعلم العدّ…
أخي وزوجته الشابة يحضران الأمتعة سريعا
ليلحقا بمواعيد المعبر
ابنة الجيران تلمّ جديلتها
قبل الوقوف للصلاة.
وجدي يعقد يديه خلف ظهره
ويمشي تحت ظلال الوقت.
أبي أعرفه من وقع الأقدام
دائما يعود متأخرا بعد المغيب…
خسرنا الأمتعة
والجديلة
وظلال الوقت
وخطوات أبي.
"كل ذلك سنجده في الجنة"
قالت أمي
ونحن نعبر جسر الأبد.
"ورود يوم القيامة" ليس ديوانا عن غزة بالمعنى التوثيقي أو الخطابي، وإنما هو محاولة للسكن داخل لحظة الكارثة كما يعيشها الإنسان العادي في يومياته المحترقة. يبدأ الديوان من 7 أكتوبر/تشرين الأول حين "وقف التاريخ على حافة النفق"، ثم يتركك تمشي معه في شوارع غزة لا من فوق الغيوم، بل من الداخل المحاصر، فتبصر الطائرات الخفية التي تفرغ خزائن الثياب، وتمشي عند ثلاجة الموتى التي تضيء وجوه الكائنات الصغيرة بلمعة عيونهم في الظلام.
ما يميز هذا الديوان هو وفاؤه للتفاصيل الحميمة في مواجهة الفناء الجماعي: مسبحة الجدة، وشال الأم على سرير الزواج القديم، وخارطة حيفا المرسومة بأصابع أخ صغير، وأكياس سوداء تحمل "ما تبقى من صلاة الأم وأشلاء أطفالها". هذا الانتباه الشعري للمفردة المنزلية يجعل الديوان يقف في المسافة الحساسة بين الرثاء والتأريخ، دون أن يقع في فخ أي منهما.
ومع التقدم في الديوان يظهر صوت آخر مواز، إنه صوت المحب الذي يكتب رسائله لمن لن يعود، ويعترف لربه أنه لم يعد قادرا على الصلاة فقلبه لا ينبض. ثم تتسع الدائرة لتشمل العالم المتفرج الذي "يحتسي الشاي الإنجليزي بينما تتقلب حرباه الأولى والثانية"، وتتصاعد حتى يصل الشاعر إلى مشهد قياموي بامتياز، حيث القاتل والمقتول يسيران في شارع واحد، وحين يصلان إلى المنعطف تظهر الملائكة ويبقى القتيل وحده سائرا إلى آخر الطريق.
ينتهي الديوان بصفحته الأخيرة على صورة سينمائية مكثفة، حيث رجل نام فوق ظله، ورأى جنازة تسير بلا نعش، وقال للريح "احملي ما تبقى مني"، فيما الأعداء يتهامسون في دهشة: كيف انتصر رجل بعصا؟ ثم تجيء الخاتمة الهادئة الرهيبة: "من هنا مر نبي العصا، من هنا مر يحيى". إن استحضار يحيى بن زكريا في نهاية ديوان مهدى لغزة ليس مجرد إيحاء ديني، ولكنه تأسيس لرؤية الشاعر الكاملة وفحواها أن الشهادة ليست نهاية، وأن العصا تنتصر على الجيوش، والقصيدة – كما قال في أولى صفحاته – تبدأ ولا تنتهي.
والآن
ها أنتَ ذهبتَ
ذهبتْ طاقيتكَ
رداءُ الطبيب
ضحكتكَ وأنتَ تضع الهاتف بين الأذن والكتف ويداكَ مشغولتان.
ذهب الشاطئ
ذهبتْ غزة
وجاءت غزالة
لتقف على باب "الشفاء".
لن يعرف أحدٌ قصتنا
سوف تظلّ سرّي الصغير.
تتنوع أشكال القصائد بين الومضة الحادة والقصيدة النثرية المتوسطة والرسالة الغزلية المأزومة، وتجمعها كلها لغة مقطرة، صافية حد الجرح، لا تصرخ ولا تؤدلج، بل تلتقط كما يلتقط مصور سينمائي التفاصيل التي تحمل كل شيء: الأحذية التي سقطت تحت ركام المنازل، وخارطة حيفا المرسومة بأصابع الأخ الصغير، وشجرة الليمون التي أراد أب أن يزرعها ولم يعد ثمة بيت.
تتنقل قصائد الديوان بين تفاصيل الحرب اليومية وبين التأملات الوجودية في ماهية الموت والبقاء. فبينما "تزن الطائرات الخفية فوق السطح" وتهوي خزائن الثياب تحت الركام، يجد الشاعر في الكلام ملاذا أخيرا ليدفع عنه غول الموت. هو لا يكتفي برصد الدمار المادي من فقدان "النوافذ والأبواب وأحواض النعناع"، بل ينفذ إلى العمق النفسي للمأساة عبر شخصيات عائلية وحميمية مثل الأخ وزوجته الشابة، والجد الذي يمشي تحت "ظلال الوقت".
والملاحظ في هذا الديوان أنه لا يحمل عناوين لقصائده، وهو اختيار بنائي واع يكشف عن رؤية شعرية متكاملة. فبدلا من العنوان التقليدي الذي يخبر القارئ مسبقا بما سيشعر أو يفهم، فقد اختار جلعاد أن تكون الكلمة الأولى من كل قصيدة – المكتوبة بخط عريض – هي العتبة والعنوان في آن واحد. فالكلمة الأولى لا تسمي التجربة، بل ترمي بك في قلبها مباشرة، تضرب ثم تكمل.
وهذا الفاصل التقني البسيط بين القصائد لا يعمل قطيعة بينها، بل هو أشبه بتنفس قصير، أو توقف خفيف قبل أن يستأنف النص نبضه. ما يعني في نهاية المطاف أن الديوان مصمم ليقرأ كنص واحد متصل لا كمجموعة قصائد مستقلة، إنه يخبرنا أن الديوان قصيدة طويلة تمشي دون أن تعلن عن نفسها في كل خطوة. وهذا ينسجم انسجاما تاما مع جملته الافتتاحية التي تقول إن القصيدة هنا تبدأ ولا تنتهي.
كأنها لفرط العنفوان لا تلامس الأرض.
الفرس التي ورثتني عن أبي
وعلمتني أن أقفز مثل قلب العروس.
تشمّك الأنثى مثلما تفعل المرأة
وتطمئن إلى طعم السكّر في يديك
ورائحة التفاح.
تأكل من راحتك مثل أمان الدنيا
وتلوي العنق على كتفك إذا نويت الرّواح.
وتبكي عليها
مثل طفل صغير
إذا مرّ صاروخ العدوّ
وانفصل العنق عن الكتف.
في هذا الكتاب، يواصل حسين جلعاد انحيازه إلى الشعر بوصفه شكلا من أشكال المقاومة الإنسانية، وإلى اللغة بوصفها بيتا أخيرا لمن فقدوا بيوتهم. ولهذا تبدو قصائد الديوان كأنها محاولة لإعادة تسمية ما تعجز الأخبار عن حمله، مثل الفقد حين يصير يوميا، والحداد حين يصير هواء عاما، والورد حين يخرج، على نحو مفارق ومؤلم، من تربة اليوم الأخير.
يعد حسين جلعاد واحدا من الأصوات الأدبية والصحفية العربية المعروفة، وهو شاعر وقاص وصحفي وناقد ثقافي أردني، صدرت له أعمال في الشعر والسرد والكتابة الثقافية، وعرف بحضوره في المشهد الصحفي العربي وبكتاباته التي تمزج الحس الأدبي بالنظر النقدي والإنساني. ويأتي ديوانه الجديد "ورود يوم القيامة" امتدادا لهذا المسار، لكن بنبرة أكثر التصاقا بالمصاب الإنساني الفلسطيني، وأكثر إصغاء إلى هشاشة الإنسان في زمن الحرب.
وجلعاد من مواليد عام 1970، وهو شاعر وقاص وصحفي أردني، عمل في أهم الصحف والمواقع العربية والأردنية منها موقع الجزيرة نت وجريدتا "الرأي" و"العرب اليوم" الأردنيتان، وكتب في أهم الصحف العربية مثل "القدس العربي"، و"النهار"، وهو عضو في رابطة الكتاب الأردنيين، وشغل عضوية هيئتها الإدارية (2004-2005) وهو عضو اتحاد الكتاب والأدباء العرب.
اختير حسين جلعاد عام 2006 سفيرا للشعر الأردني لدى حركة شعراء العالم، وهي منظمة أدبية مقرها في تشيلي وتضم في عضويتها آلاف الشعراء، كما اختارته مؤسسة "هاي فِسْتِيفَل" (Hay Festival) بالتعاون مع اليونسكو ووزارة الثقافة اللبنانية ضمن أفضل 39 كاتبا شابا في العالم العربي والمهجر (جائزة بيروت 39) بمناسبة اختيار بيروت عاصمة عالمية للكتاب عام 2009.
وصدر له في الأدب "العالي يصلب دائما" (شعر، دار أزمنة، عمان، 1999)، و"كما يخسر الأنبياء" (شعر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2007)، و"عيون الغرقى" (قصص قصيرة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2023)، و"شرفة آدم" (نقد أدبي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2025)، و"ورود يوم القيامة" (شعر، الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، 2026).
كما صدر لجلعاد منشورات فكرية وسياسية هي:
– "الخرافة والبندقية.. أثر العولمة في الفكر السياسي الصهيوني" – 1999
– "المسألة الكردية وحزب العمال الكردستاني" – 1997
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة