"بين أروقة الموت" رواية تسير في ممرات الدم، وتطل من نوافذ الخيام، وتقتفي أثر العائدين إلى ما تبقى من وطن. حكاية تنبض بالحقيقة، وتستنطق الصمت، وتكتب وجع غزة كما لم يُكتب من قبل.
هنا لا تُروى الأحداث من خلف الشاشات، بل من بين الركام، من صدر أم مكلومة، ومن عين طفل لا يفهم لماذا لا يعود أبوه من الحرب؟ هنا، لكل حجر قصة، ولكل شهقة اسم، ولكل وداع مقام.
استحضرت كثيرا من الأيام التي عشتها تحت هدير الطائرات وأزيز المدافع والقذائف؛ فقدي لزوجي، شهيد قلبي
تقول صاحبة الرواية، ريهام الزعلان، للجزيرة نت: "بين أروقة الموت ليست مجرد عمل أدبي، بل هي ميلادي الجديد من رحم تلك الحرب اللعينة التي قلبت الموازين، وكسرت إيقاع الحياة، ودفعتني إلى الكتابة بوصفها محاولة لفهم الفقد، وتوثيق الألم، وحفظ أصوات الذين ابتلعتهم الحرب.
لم تكن الرواية مجرد حكاية، بل شهادة على زمن قاس، وعلى بشر وجدوا أنفسهم عالقين بين الخوف والأمل، بين الحياة والموت، وبين ما كانوا عليه وما أجبرتهم الحرب على أن يكونوه".
وأضافت: "في هذه الرواية استحضرت كثيرا من الأيام التي عشتها تحت هدير الطائرات وأزيز المدافع والقذائف؛ فقدي لزوجي، شهيد قلبي، في وطن أثقلته أوضاع النزوح والدمار، والخوف الذي يلاحق الصغار قبل الكبار. رأيت المجاعة بعيني، ولمست معنى العجز حين يصبح الخبز حلما، والمأوى أمنية، والحياة سؤالا مفتوحا على الألم".
وتابعت: "كتبت لأقاوم الانكسار، ولأمنح الذاكرة صوتا لا يموت، ولأقول إن وراء كل رقم في الأخبار حكاية إنسان، ووجعا لا يُروى، وأملا صغيرا يُصر على البقاء رغم كل شيء. في غزة، الألم لا يُلغي الأمل، بل يصقله".
تروي قصصا ومواقف عاشها الفلسطينيون، من أم عبرت الفقد والجوع بصمت يشبه الإيمان، إلى رجل واجه أهوال الحرب دون أن تنكسر روحه
وأوضحت الزعلان أن الرواية نبعت من تجربة شخصية مؤلمة عاشتها في ظروف الحرب القاسية، وأن الكتابة كانت ملاذها بعد انهيار حياتها. وتقول إن روايتها كانت رد فعل وجدانيا على معاناتها ومعاناة كل امرأة فلسطينية فقدت بيتها أو زوجها أو أحد أفراد عائلتها، لكنها بقيت صابرة، تبحث عن الأمل وسط الدمار، وتبني من فتاته حياة جديدة.
وتركز الرواية على التجربة الإنسانية في الحرب، وتروي قصصا ومواقف عاشها الفلسطينيون، من أم عبرت الفقد والجوع بصمت يشبه الإيمان، إلى رجل واجه أهوال الحرب دون أن تنكسر روحه، وبقي شامخا كأرضه. كما ترصد سيرة الصمود الإنساني، وتكشف كيف يمكن للروح أن تعيد تشكيل نفسها رغم الخراب، وأن تنهض من قلب الدمار لتعلن بداية جديدة للحياة.
وفي السياق، رأت الكاتبة نهيل مهنا أن الرواية تمثل شهادة أدبية حية على واحدة من أقسى مراحل التاريخ الفلسطيني الحديث، حيث تمتزج الذاكرة الفردية بالجماعية لتوثق الإبادة لا بوصفها أرقاما، بل وجوها وحكايات.
وقالت للجزيرة نت: "لا تكتفي الكاتبة بسرد الوقائع، بل تحول الألم إلى نص نابض". مؤكدة أن الرواية ترصد تفاصيل الحياة اليومية في الخيام، من حر الصيف إلى برد الشتاء، ومن الجوع إلى النزوح، ومشيرة إلى أن الكاتبة نجحت في منح شخصياتها صوتا واعيا، يتجاوز صورة الضحية الصامتة، ويضع الألم في سياقه الإنساني والوطني.
وأوضحت مهنا أن الكاتبة اعتمدت لغة شفيفة ومكثفة، تمزج بين السرد التوثيقي والنفس الشعري، ما جعل النص أقرب إلى شهادة وجدانية تتجاوز حدود التجربة الفردية، وتلامس الوجع الجمعي.
تميل الكاتبة لاستخدام تقنية الراوي العليم والصوت الواحد في نقل كل تلك المشاهد عن ألسنة أصحابها
وأضافت: "تكمن أهمية الرواية في قدرتها على تحويل الكتابة إلى فعل بقاء، وإلى مساحة لترميم الذات المنكسرة، لأنها ليست مجرد توثيق لمرحلة دامية، بل محاولة لانتزاع المعنى من قلب العتمة، وإثبات أن الأدب يمكن أن يكون شكلا من أشكال المقاومة".
وتصور الزعلان رحلة العبور عبر حاجز نتساريم بوصفها رحلة على تخوم الموت، حيث يصبح المرور اختبارا فاصلا بين الحياة والعدم. فكتبت: "حين بدأت الأقدام تخطو في ممر نتساريم، بدا المشهد أشبه بفصل من الجحيم. كانت الخطى ثقيلة، والوجوه شاحبة، والعائلات تحمل البطانيات والحقائب الصغيرة، وأجسادهم منهكة، وأطفالهم نائمون على أكتافهم من شدة الجوع والخوف".
وفي هذا الجانب يرى الكاتب والأديب ناصر رباح أن كتابة الزعلان تندرج ضمن الإطار الذي يصور التفاصيل الكارثية في مواجهة ويلات الحرب كاملة، وتصف عذاباتها سواء بالحياة المرعبة تحت نيران القصف أو النزوح والتشتت والفقد، مع تصوير كامل للحياة اليومية القاسية في الخيام وتحت ظروف المجاعة وانعدام المقومات.
ليست مجرد سرد لمعاناة، بل هي شكل من أشكال الصراخ الإيجابي؛ الذي يحاول أن يلامس ضمائر العالم وقلوبه
وقال للجزيرة نت: "تميل الكاتبة لاستخدام تقنية الراوي العليم والصوت الواحد في نقل كل تلك المشاهد عن ألسنة أصحابها، وتتنقل ما بين أم الشهيد وزوجة الفقيد، بين الصحفي والمسعف وتركز على دور الأسرة خاصة النساء في البقاء والصمود وبث روح الأمل في الصغار، والإشادة بروح غزة العنقاء والتي ترفض الموت والاستسلام".
وأضاف: "تمثل الرواية رحلة إنسانية مريرة بين يوميات النزوح والدمار وهيستيريا الاحتلال، بين لحظات اليأس والأمل، حيث تتأرجح الأحداث بين لحظات يأس خانقة وبصيص أمل يرفض الانطفاء".
واعتبر رباح أنها ليست مجرد سرد لمعاناة، بل هي شكل من أشكال الصراخ الإيجابي؛ الذي يحاول أن يبلغ أقصى مداه، ليلامس ضمائر العالم وقلوبه.
بين أروقة الموت ليست مجرد رواية عن الحرب، بل هي مرآة لوطن ينزف، وشهادة حياة عن فقد وأمل، وعن ألم وإنسانية، وعن درس في الثبات والتحدي، تقدم صورة مؤلمة وملهمة في آن واحد وتخلد تجارب إنسانية جديرة بأن يقرأها كل من يسعى لفهم أثر الحرب على النفس البشرية.
في رواية بين أروقة الموت، لا تكون الحرب مجرد خلفية للأحداث، بل تتحول إلى قوة نفسية ضاغطة تعيد تشكيل وعي الشخصيات وعلاقتها بالحياة والموت والهوية. ويمكن قراءتها بوصفها سردية صدمة جمعية تكشف كيف يعيش الأفراد تحت تهديد دائم، ويبتكرون آليات دفاع تحميهم من الانهيار.
وحول ذلك، أوضحت الكاتبة والمترجمة الأدبية نجوى جمعة أن الرواية تخلق حالة من "اليقظة المفرطة"، حيث يعيش الإنسان في استعداد دائم للخطر. ويظهر ذلك في الأرق، والارتجاف، والخوف من الفقد، مما يعكس انهيار الإحساس بالأمان وتحول التهديد إلى جزء من الحياة اليومية.
وقالت للجزيرة نت "تكشف الرواية قدرة الشخصيات على تحويل النقص إلى معنى؛ فرغم حضور الموت الكثيف، لا تستسلم الشخصيات لليأس، بل تُظهر مرونة نفسية تقوم على التعايش مع الألم وتوليد معنى من داخله".
وأضافت "تقدم الرواية دراسة عميقة في الصدمة والصمود، وتكشف كيف تتحول الأسرة، والإيمان، والذاكرة، والتفاصيل الصغيرة إلى مصادر قوة داخلية. فهي لا تكتب عن الموت بوصفه نهاية، بل عن الحياة بوصفها مقاومة مستمرة، وعن قدرة الإنسان على التشبث بالمعنى حتى في أحلك الظروف".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة