دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- عندما اعتذر الشيف الدنماركي رينيه ريدزيبي من موظفيه عن سلوكه السابق وأعلن مغادرته مطعم Noma، الذي يعد أحد أعلى المطاعم تقييمًا في العالم، تصدّر الخبر المفاجئ العناوين.
كان ريدزيبي من أبرز الأسماء في عالم المطاعم الفاخرة. وقد اشتهر بأنه قاد حركة تعتمد على جمع المكونات من الطبيعة في الدنمارك، ثم تحويلها إلى أطباق راقية ودقيقة جدًا، ما أكسبه شهرة عالمية.
لكن في عصر يُحتفى فيه بالطهاة النجوم بسبب شغفهم الجامح ومعاييرهم الصارمة، فإن الكشف عن أن أحدهم قد اتُهم بسلوك مؤذي مع تقرير لصحيفة نيويورك تايمز يزعم أن ريدزيبي كان يضرب موظفيه، سيعزز، بالنسبة للكثيرين، التصورات المسبقة عن الحياة داخل مطابخ حاصلة على نجوم ميشلان .
ومع ذلك، كان رد فعل عالم المطاعم الفاخرة ملحوظًا. إذ وصف بعض الطهاة هذه اللحظة بأنها نقطة تحول محتملة، مواجهة طال انتظارها مع ثقافة طمست لعقود الخط الفاصل بين الانضباط والإيذاء في سبيل تحقيق التميز الطهوي.
ويتوقع البعض بالفعل فترة مقلقة في القطاع مع توجيه الاتهامات إلى طهاة آخرين ذوي سمعة مشكوك فيها. وقد يكون لذلك تداعيات إضافية على صناعة تعاني أصلًا من ضغوط، مع ارتفاع الأسعار التي تلتهم هوامش الربح وتخيف الزبائن.
وقالت الشيف أدريان تشيتهام، المرشحة لجائزة "جيمس بيرد" والمشاركة في تقديم برنامج بودكاست " The Chef’s Cut"، خلال حلقة حديثة: "هذه لحظة فاصلة في صناعتنا، لأننا جميعًا نفكر بهذا الأمر في الوقت الحقيقي"، وأضافت أن مثل هذا السلوك كان "يُكنس تحت السجادة لفترة طويلة".
وتابعت: "هذا يدفع الكثير منا للنظر إلى ما مررنا به، والأشخاص الذين عملنا لديهم، والسلوكيات السابقة. كما أنه سيجعل بعض الناس يعيدون النظر في تصرفاتهم ويتساءلون: هل سيأتي دوري بعد ذلك"؟
بينما لا يقتنع الجميع في القطاع، ظهرت تقارير عن تزايد قلق الطهاة وأصحاب المطاعم من خروج روايات مشابهة، إضافة إلى قصص غير مؤكدة عن شروع بعض المطاعم في فحص الموظفين مسبقًا لرصد مؤشرات سلوكية مقلقة.
وبغض النظر عن العواقب، ترى هاسل أفيليس، المشاركة في تأسيس مجموعة "Not 9 to 5" غير الربحية للدفاع عن قطاع الضيافة والأغذية، أنه من المهم مشاركة هذه القصص.
وتعتقد أفيليس أنه "إذا كنت خائفًا، فهذا يقول الكثير. لماذا لا نريد أن يتقدم الناس ويتحدثون عن تجاربهم الحياتية في هذا المجال؟ المشكلة أن الصمت لا يقودنا إلى أي مكان، ولهذا استمر الوضع هكذا لفترة طويلة".
وقبل ريدزيبي، وُجّهت اتهامات لآخرين أيضًا بخلق بيئات عمل عدائية في المطابخ، ما أدى إلى دعوات متكررة للإصلاح، وأحيانًا إلى عواقب.
وفي العام 2015، نفى الشيف الفرنسي يانيك ألينو مزاعم إساءة معاملة الموظفين في مطعمه بباريس. وفي 2021، أوقف الشيف توم كيتشن اثنين من موظفيه في إدنبرة بعد اتهامات بسلوك "غير مقبول"، ما دفع اتحاد الطهاة البريطاني "Unichef" إلى مطالبة ميشلان بالنظر في سحب النجوم من المطاعم التي تشهد إساءة.
لكن النظام الذي يسمح باستمرار هذا السلوك غالبًا ما لا يُفحص. فهناك قبول ضمني بأن مطابخ ميشلان أماكن تُنتج طعامًا استثنائيًا تحت ضغط استثنائي، حيث يُنظر إلى المعاناة أحيانًا كدليل على التفاني.
وأظهرت دراسة وضعت عام 2022 أن التنمر والإساءة الجسدية غالبًا ما يُنظر إليهما كجزء طبيعي من التطور المهني. بل إن من نجوا من هذه التجارب كانوا يعتبرونها وسام شرف.
قال روبن بورو، أحد معدّي الدراسة: "الطهاة الذين لم يعانوا لم يكن لهم حق حقيقي في الانتماء للمجتمع الطهوي".
ووصف أحد الطهاة تجربة إلقاء الطعام في وجهه عند ارتكاب الأخطاء، مضيفًا أنه كان يعاني من القيء والإسهال قبل بدء العمل، لأن "الجسم يظن أنه ذاهب إلى الحرب".
كما أشار بورو إلى أن مكان العمل يلعب دورًا مهمًا في تشكيل ثقافة التنمر والعنف.
ويعزز هيكل العديد من هذه المطابخ هذه العقلية، إذ يستند إلى نظام "اللواء المطبخي" الصارم الذي وضعه أوغست إسكوفير في القرن التاسع عشر، ما يخلق اختلالًا في السلطة قد يسمح بإساءة معاملة الموظفين من دون عواقب.
وتقول أفيليس: "فكرة هذا النظام تمثلت بإعطاء الأولوية للكفاءة فوق كل شيء، لكنها استُخدمت بطريقة خطيرة.. وهناك طرق أخرى لتنظيم المطابخ المهنية".
ويصر بعض الطهاة على أن العمل في ظروف قاسية خيار ضروري لتحقيق التميز.
وكتب الشيف علي دي دالي على منصة التواصل الاجتماعي "انستغرام": "كانت التجربة صعبة ذهنيًا وجسديًا، لكن كان اختياري أن أكون هناك لأتعلم وأنمو". وأضاف أن "أعلى مستويات التميز نادرًا ما تولد من الراحة، بل من الانضباط والتضحية".
ورغم اعترافه بصحة بعض الشكاوى، رأى أنها لا تعني بالضرورة أن النظام بأكمله معطوب.
كما ساهمت الثقافة الشعبية في ترسيخ صورة الشيف المتقلب والصارم، مثل شخصية الطاهي الشهير غوردون رامزي في برنامج "هيلز كيتشن".
ويقول كريس هول، مؤسس مشروع The Burnt Chef Project، وهي منظمة غير ربحية تركز على الصحة النفسية في قطاع الضيافة: "هذا التصوير الدرامي لطريقة إدارة المطابخ أصبح مقبولًا إلى حد ما، رغم أنه يحدث فعليًا في الواقع".
وهناك مؤشرات على تغير في الصناعة، مع تزايد أصوات العاملين الذين يتحدثون عن تجاربهم.
ويقول هول: "نرى تحولًا واضحًا"، مضيفا أن الناس يدركون أن هذه البيئات غير مستدامة، وغير صحية، ولا حتى مربحة.
بالنسبة لهول، فإن بيئات العمل التي "تعتمد على الخوف وثقافة التعلم من التجارب القاسية" غير مقبولة، "لا سيما عندما يكون لها أثر عميق على البشر داخل هذا القطاع".
يشير هول إلى أن قطاع الضيافة يعاني منذ الجائحة من نقص العمالة وأزمة اقتصادية، ما يدفع الشركات إلى إعادة التفكير في طريقة تعاملها مع الموظفين.
كما ترى أفيليس أن منصات التواصل الاجتماعي لعبت دورًا في هذا التغيير، مضيفة أن الأجيال الشابة أقل تسامحًا مع هذه السلوكيات.
لكنها تؤكد أن الحل لا يكمن فقط في الأفراد، بل في معالجة المشكلة على مستوى الصناعة بأكملها.
ولا يزال مستقبل مطعم Noma غير واضح، خاصة بعد انسحاب بعض الرعاة من مشروعه في لوس أنجلوس.
ويعتبر البعض أن قرار ريدزيبي بالتنحي دليل على التقدم.
يقول هول: "هذه أول مرة نرى شخصًا يعترف ويتخذ إجراءً بناءً على أفعاله".
ورغم بقاء بعض مظاهر الثقافة القديمة، يظل هول متفائلًا: "أعتقد أن الصناعة ككل تتغير، وأن الناس بدأوا يصبحون قادة أفضل ويصونون كرامة الناس الذين يتعاملون معهم ويولوهم الاحترام الذي يستحقونه".
أما أفيليس فتؤكد أن المسؤولية مشتركة، قائلة: "الجميع ساهم في وصولنا إلى هنا.. حتى الزبائن لهم دور، فهم يصوتون بأموالهم".
لكن تبقى مسألة المساءلة قائمة، إذ أنّ الاعتذار وحده لا يعالج الأسباب التي سمحت بحدوث هذه السلوكيات.
المصدر:
سي ان ان