في عام 2004 أطلقت ناسا مرصدا فضائيا حمل اسم عالم الفيزياء الفلكية "نيل غيرلز سويفت"، ليصبح خلال أكثر من عقدين من أهم العيون التي تراقب أعنف الانفجارات في الكون. واليوم يقترب هذا المرصد من نهاية مختلفة تماما؛ إذ يتراجع مداره حول الأرض تدريجيا، بعد أن فشلت محاولة تجارية لإنقاذه ورفعه إلى مدار أعلى.
صمم مرصد "نيل غيرلز سويفت" لرصد انفجارات أشعة غاما، وهي من أكثر الظواهر عنفا وطاقة في الكون، إضافة إلى مجموعة واسعة من الأحداث الفلكية المتغيرة. ويحمل المرصد ثلاثة أجهزة رئيسية تعمل في نطاقات مختلفة من الضوء، مما يسمح للعلماء بدراسة الحدث الكوني نفسه من أكثر من زاوية.
وكان سويفت مصمما في الأصل لمهمة أساسية مدتها عامان، لكنه واصل العمل العلمي أكثر من 21 عاما، وسجل خلال مسيرته بيانات مهمة عن انفجارات أشعة غاما وغيرها من الظواهر الكونية.
لكن بقاء المرصد كل هذه المدة جعل مشكلة مداره أكثر إلحاحا. فسويفت موجود في مدار أرضي منخفض ولا يملك نظام دفع يسمح له برفع مداره بنفسه. ومع ازدياد النشاط الشمسي، ارتفعت كثافة الغلاف الجوي العلوي بدرجة زادت مقاومة الهواء التي يتعرض لها، فأخذ المدار يتدهور بوتيرة أسرع. وعندما ينخفض ارتفاع أي جسم مداري إلى مستويات معينة، يصبح احتكاكه بالغلاف الجوي أكبر، مما يؤدي إلى تسارع هبوطه.
في سبتمبر/أيلول 2025 تعاقدت ناسا مع شركة "كاتاليست سبيس تكنولوجيز" لتنفيذ محاولة غير مسبوقة لرفع مدار سويفت. وصممت الشركة مركبة روبوتية صغيرة باسم "لينك" (LINK) تقترب من المرصد، ثم تمسك به وترفعه إلى مدار أعلى، في أول محاولة من نوعها لإنقاذ مركبة علمية تابعة لناسا لم تصمم أصلا للخدمة في الفضاء. وأطلقت "لينك" في 3 يوليو/تموز 2026 على متن صاروخ "بيغاسوس إكس إل" بعد أن صممتها الشركة وبنتها واختبرتها خلال أقل من عام.
لكن المهمة واجهت مشكلة في نظام التحكم في اتجاه "لينك"، مما تسبب في دوران المركبة وفقدان جزء من قدرتها على المناورة. وأظهرت الاختبارات أن اثنتين من عجلات الرد الثلاث لم تعودا تعملان، إضافة إلى فقدان جزء من أداء نظام الدفع بالغاز البارد.
وبعد محاولات لتثبيت المركبة وتحديث برمجياتها، أعلنت ناسا وكاتاليست في 19 أغسطس/آب التخلي عن محاولة الإمساك بسويفت ورفع مداره. وقال غونهي لي الرئيس التنفيذي لشركة كاتاليست، إن المشروع كان "مهمة طموحة عالية الأخطار والنتائج"، مشيرا إلى أن الشركة صممت وبنت وأطلقت روبوتا فضائيا خلال 9 أشهر.
بعد فشل عملية الإنقاذ، سيواصل سويفت هبوطه نحو الغلاف الجوي في عملية عودة غير موجهة، ولا تتوقع ناسا حدوثها قبل أكتوبر/تشرين الأول 2026. ولا يمكن حاليا تحديد اليوم أو المكان الذي ستحدث فيه العودة بدقة، لأن ذلك يعتمد على تطور المدار والنشاط الشمسي والغلاف الجوي.
ووفقا لناسا، فمن المتوقع أن تحترق معظم كتلة المرصد البالغة 613 كيلوغراما أثناء المرور بالغلاف الجوي، لكن بعض المكونات قد تنجو من الحرارة الشديدة.
ويملك سويفت ميلا مداريا يبلغ 21 درجة، مما يعني أن منطقة العودة المحتملة تمتد جغرافيا بين خطي عرض 21 درجة شمالا و21 درجة جنوبا. ويرى دارن ماكنايت الزميل التقني الأول في شركة "ليو لابس" أن بنية المرصد وأجهزته ستتفكك بدرجة كبيرة بما يقلل خطر إحداث أضرار على الأرض، لكنه أشار إلى أن بعض المكونات، مثل العدسات البصرية وخزانات التيتانيوم، قد تكون أكثر قدرة على البقاء.
أما إيوان رايت الباحث في الدراسات المتعددة التخصصات بجامعة كولومبيا البريطانية والزميل في معهد الفضاء الخارجي، فيرجح أن يسقط معظم الحطام في البحر، مع بقاء احتمال ضئيل لوصول بعضه إلى منطقة مأهولة.
قد يبدو سقوط سويفت نهاية حزينة لمرصد خدم العلم أكثر من عقدين، لكنه يكشف في الوقت نفسه قيمة الاستكشاف العلمي. فقد قدم المرصد بيانات عن الكون لا تمكن استعادتها بعد فقدانه، بينما أتاحت محاولة إنقاذه اختبار فكرة جديدة: هل تستطيع الروبوتات التجارية مستقبلا إصلاح الأقمار الصناعية أو تغيير مداراتها وإطالة أعمارها بدلا من تركها تسقط؟
ولهذا ستواصل "لينك" محاولة الاقتراب من سويفت وتنفيذ عمليات تجاور مداري، حتى بعد التخلي عن رفعه، لاختبار تقنيات يمكن أن تصبح جزءا من مستقبل صيانة المركبات في الفضاء.
وفي هذا المعنى، لا يمثل سويفت مجرد تلسكوب يوشك على العودة إلى الأرض، بل تجربة علمية وتكنولوجية متراكمة: أكثر من 21 عاما من الرصد، ثم محاولة جريئة لإنقاذه، ودروس جديدة في كيفية التعامل مع المركبات التي تتقادم في المدار.
فالعلم لا يقاس فقط بالمهمات التي تنجح، وإنما أيضا بما تتعلمه البشرية من المهمات التي تصل إلى حدودها، وما تتركه من معرفة تمهد الطريق للاستكشاف التالي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة