في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
انحسرت مياه البحر لدرجة يبدو معها وكأنه اختفى، هذا المشهد الذي فوجىء به سكان الأرجنتين مؤخرا وتجول في وسائل التواصل العلمية والعربية، لا يبدو غريبا في حد ذاته، إذ تكرر في بلدان كثيرة، لكن حدوثه في شهر أغسطس/آب، الذي شهد كثيرا من الهزات الأرضية في مناطق متفرقة من العالم، جعل بعض الناس يعتقدون أنهم على مقربة من استقبال تسونامي في المنطقة.
والانحسار المفاجئ لمياه البحر قد يكون إحدى العلامات التي تسبق بعض موجات التسونامي، لكن سجلات الزلازل الرسمية في الأرجنتين لم تشر إلى وقوع زلزال قوي متزامن مع ظاهرة انحسار المياه التي شهدتها سواحل "مار دل بلاتا" في شهر أغسطس، وهو ما دفع الخبراء لاستبعاد هذا السبب، والتركيز على الأسباب التقليدية لهذا المشهد.
ويقول الدكتور أحمد رضوان، أستاذ الفيزياء البحرية بالمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد في مصر للجزيرة نت، إن الأسباب التقليدية التي يمكن أن تؤدي إلى انحسار مياه البحر، هي المد والجزر، والضغط الجوي، والرياح. ويختلف حجم الانحسار من حالة إلى أخرى بحسب تزامن وقوة هذه العوامل الثلاثة.
ويصف أحمد المد والجزر، بأنه العامل الأساسي في هذه العملية، إذ تشهد السواحل دورة منتظمة يرتفع خلالها مستوى المياه فيما يعرف بـ"المد"، ثم يتراجع مرة أخرى خلال مرحلة "الجزر"، وتنتج هذه الحركة أساسا عن تأثير جاذبية القمر والشمس، إلى جانب دوران الأرض.
ويوضح أنه "لا يكون مقدار الارتفاع والانخفاض متساويا كل يوم، إذ تتغير قوة المد والجزر وفقا لمواقع القمر والشمس بالنسبة إلى الأرض، فعندما تصطف الشمس والقمر والأرض تقريبا خلال فترتي البدر والمحاق، تتضافر قوى الجاذبية ويزداد الفرق بين أعلى مد وأدنى جزر، فيما يعرف بـ"المد الربيعي"، أما خلال التربيعين الأول والثالث للقمر، فتضعف الفروق بين المد والجزر".
ويضيف أنه "عند حدوث الجزر، ينخفض مستوى سطح البحر بصورة طبيعية، وقد تنكشف أجزاء من الشاطئ أو الصخور والتكوينات الموجودة أسفل سطح المياه".
وتكتسب هذه الآلية التي شرحها أحمد أهمية خاصة في حالة ساحل "مار دل بلاتا" في الأرجنتين، لأن المنطقة تتميز بمد وجزر مختلط شبه يومي، بمتوسط مدى يبلغ نحو 1.74 متر، وذلك وفق دراسة حللت التغيرات الساحلية في المنطقة، ونشرت بدورية "ووتر" (Water).
ويضيف أحمد أن الانخفاض الذي يحدثه الجزر، يصبح أكثر وضوحا عندما يتزامن مع عوامل أخرى، مثل ارتفاع الضغط الجوي أو رياح تدفع المياه بعيدا عن الساحل.
ويوصف عامل "الضغط الجوي"، بأنه الأقل وضوحا للعين، لكنه مهم جدا.
ويقول أحمد إنه "عندما يرتفع الضغط الجوي فوق سطح البحر، يزداد الضغط الذي يمارسه عمود الهواء على المياه، مما يؤدي إلى انخفاض نسبي في مستوى سطح البحر، وفي المقابل، يؤدي انخفاض الضغط الجوي إلى ارتفاع مستوى المياه نسبيا".
ويشير إلى قاعدة تقريبية لتقدير هذا التأثير، مفادها أن "ارتفاع الضغط الجوي بمقدار هكتوباسكال واحد يمكن أن يخفض مستوى سطح البحر بنحو سنتيمتر واحد".
ويؤكد أحمد أن "هذه الآلية تكتسب أهمية خاصة عندما يتزامن ارتفاع الضغط مع مرحلة الجزر، ففي هذه الحالة يعمل العاملان في الاتجاه نفسه، إذ يخفض الجزر مستوى المياه بصورة طبيعية، بينما يضيف الضغط الجوي المرتفع انخفاضا آخر".
وتكشف البيانات المتاحة من محطة الأرصاد في مطار "مار دل بلاتا" عن تسجيل ضغوط جوية تراوحت تقريبا بين 1014 و1017 هكتوباسكالا خلال جزء من الفترة التي شهدت فيها المنطقة انحسار البحر في أغسطس، وتزامنت هذه الفترة مع مرحلة جزر صباحية، مما يعني أن الظروف كانت مواتية من حيث المبدأ لتضافر انخفاض مستوى المياه الناتج عن الجزر مع التأثير الخافض للضغط الجوي.
ويزداد التأثير الذي يؤدي إلى انحسار المياه عندما يتزامن مع دور مهم تؤديه الرياح في توزيع المياه قرب الساحل.
ويقول أحمد إنه "عندما تهب الرياح بصورة مستمرة في اتجاه مناسب، فإن احتكاكها بسطح البحر ينقل جزءا من طاقتها إلى المياه، مما قد يدفع كتلة من المياه نحو الساحل أو بعيدا عنه".
ويوضح أنه "عندما تدفع الرياح المياه باتجاه اليابسة، يمكن أن يتراكم الماء على الساحل ويرتفع مستواه، وهي الظاهرة المعروفة باسم "ارتفاع مستوى المياه بفعل الرياح"، أما إذا دفعت المياه بعيدا عن الساحل، فقد ينخفض مستوى سطح البحر محليا، فيما يعرف بـ"انحسار المياه بفعل الرياح".
وتشير البيانات المتاحة إلى أن الرياح تحولت في 5 أغسطس/آب إلى الشمال الغربي بسرعة 9.7 كم/ساعة ، ثم أصبحت غربية في 7 أغسطس/آب بسرعة 17.7 كم/ساعة، وهما اتجاهان يمكن أن يدفعا المياه السطحية بعيدا عن ساحل "مار دل بلاتا".
وعلى ذلك، فإن المشهد على ساحل "مار دل بلاتا" في الأرجنتين، تقف خلفه ثلاثة عوامل تضافرت معا في دفع المياه إلى الخلف، وهو نفس التأثير الذي رصدته العديد من الدراسات في سواحل أخرى.
وتقدم دراسة علمية أجريت على نظام فيورد كيتيمات في كندا (وهو نظام من الممرات والخلجان البحرية العميقة التي نحتتها الأنهار الجليدية في الساحل الكندي)، نموذجا مهما لفهم التغيرات المفاجئة في مستوى مياه البحر، بعدما بحثت تأثير المد والجزر والضغط الجوي والرياح باستخدام بيانات من أجهزة رصد المد والجزر ونموذج محاكاة ثلاثي الأبعاد لحركة المياه.
وأظهرت النتائج المنشورة في دورية "إستشوارين كوستال أند شلف ساينس" (Estuarine, Coastal and Shelf Science)، أن المد والجزر كان مسؤولا وحده عن نحو 79% من التغير في مستوى سطح البحر، وعند عزل تأثير المد والجزر، تبين أن تغيرات الضغط الجوي فسرت نحو 59% من التغيرات في مستوى المياه، في حين ساهمت الرياح في تفسير نحو 54% من الاختلافات.
وتشير الدراسة إلى أن هذه العوامل لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل يمكن أن تتضافر لتغيير مستوى المياه بصورة ملحوظة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة