تمّ يومي السابع والثامن من أيلول تقديم قوائم الترشيحات للجنة الانتخابات المركزية للكنيست الاسرائيلي. وهو الاجراء الملزم والذي على أساسه تقوم اللجنة بمعاينة القوائم اجرائيا ووفقا للقانون وذلك لاعتمادها رسميا ولغاية السابع والعشرين من الشهر الجاري، ليتاح بعدها تقديم طلبات الشطب التي من المتوقع ان تستهدف القائمتين العربيتين او مرشحين من ضمنهما، حيث يملك الائتلاف الحاكم الغالبية فيها، لتُحال قرارات الشطب في حال اعتُمدت ضمن التماس المتضررين الى المحكمة العليا الإسرائيلية والتي تم إضعاف استقلاليتها الذاتية.
قُدِّمَ الى لجنة الانتخابات المركزية 38 قائمة، وتشمل معظم القوائم والأحزاب الممثلة في الكنيست بالإضافة الى أحزاب جديدة تنتمي الى معسكر اقصى اليمين. فيما تخوض أحزاب المعارضة الصهيونية الانتخابات بثلاث كتل انتخابية تشكلت خلال العامين الماضيين وهي حزب "يشار" برئاسة ايزنكوت والتي تدرجها الاستطلاعات لحد الان في موقع الحزب الأكبر وتدرج رئيسها في الموقع الأول في الملاءمة لرئاسة الحكومة وبفارق كبير عن نتنياهو (47% مقابل 34%).
تجتمع كتلة اليمين الأقصى حول شخصية نتنياهو والأمر محسوم داخل الكتلة. فيما أحزاب المعارضة لا تزال غير متوافقة رسميا على من سيرأس الحكومة البديلة في حال حسمت الانتخابات بهذا الاتجاه، ويدور النقاش او الصراع حول هل يكون صاحب الحزب الأكبر ام صاحب الحظوظ الأكبر لتشكيل ائتلاف حاكم جديد، وهنا أيضا تختلف الآراء هل يكون المسعى حكومة وحدة قومية بما فيه مع الليكود من دون نتنياهو في حال خسر، ام حكومة تسعى لتكون بديلا للحكومة الحالية في قضايا مختلفة.
انقلب “سحر” نتنياهو عليه
ما يميز اصطفاف القوى هو أن كتلة أقصى اليمين تزداد يمينيةً لكن تبدو أكثر هشاشة مما أراد نتنياهو، حيث عمقت الانتخابات التمهيدية لقائمة الليكود الصراعات داخل الحزب الحاكم لدرجة انفصال النائب طالي غوتلب وانضمامها مرشحة ثانية في حزب بن غفير الذي يسعى للتنافس مع حزب شاس الحريدي الشرقي على قاعدته الانتخابية؛ فيما أن تحالف سموتريتش مع موشي فيغلين يجعل حزب الصهيونية الدينية ينحو باتجاه الكهانية الدموية تجاه كل الوجود الفلسطيني في غزة والضفة والقدس والداخل؛ فيما يشكل حزب "عمخا يسرائيل" برئاسة الجنرال عوفر فنتر من اتباع عقيدة الصهيونية الدينية تحديا قد يعصف بحزب سموتريتش. في المقابل فإن هذا الحزب الجديد الذي ينتمي عقائديا وسياسيا الى معسكر نتنياهو، فيما يقوم خطابه على واجب تنحّي كل من له علاقة بإخفاق 7 اكتوبر 2023، ويقصد الحكومة الحالية. لكن ورغما عما يبدو صراعا مع نتنياهو الا ان الأخير قد يرى بأن وظيفة هذا الحزب مزدوجة، أولا النجاح ليشكل ضمانة وفقا لحسابات نتنياهو كي يبقى في الحكم، فيما وظيفته الثانية تكون في اضعاف حظوظ المعارضة وحصريا ايزنكوت من استمالة الغاضبين على سياسة نتنياهو والذين ينوون الانتقال لدعم المعارضة، ليبدو حزب فينتر مقبولا عليهم ويحول الى إبقاء أصواتهم في كتلة اليمين حتى ولو ذهبت هدرا ولم ينجح هذا الحزب في تجاوز عتبة التمثيل البرلماني (نسبة الحسم). وإذ نجح لغاية الانتخابات السابقة 2022 في هندسة التحالفات داخل كتلة اليمين والحرديم، وهو ما درج الاعلام الإسرائيلي على وصفه "بالساحر"، الا أنه يبدو مخفقا لحد الان.
نقطة الضعف الأكبر كما تتبدّى في حال نتنياهو، تكمن في تراجع قناعة الجمهور بقدراته القيادية، فيما خاض معركة كبيرة داخل حزب الليكود من اجل توسيع نفوذه في السيطرة على القائمة الانتخابية من خلال منحه صلاحية مل يسمى تحصين نحو عشرة مواقع متقدمة فيها لمرشحين معني بهم، سعيا لإظهار القائمة بأنها تخاطب اليمين الوسط وليس فقط أقصى اليمين الذي بات طاغيا على هوية الليكود بعد ان قام نتنياهو وبشكل منهجي خلال العقدين الأخيرين باستبعاد كافة شخوص التيار اللبرالي التاريخي في الليكود. اللافت في تقديم قائمة الليكود هو أن نتنياهو أخفق في مهمته، وأن العديد من الوجوه الأمنية والسياسية والاقتصادية التي كان ينوي ضمها الى قائمة حزبه، قد ردّت توجهه. لتكون المحصلة أن قائمة الليكود جاءت بخلاف ما سعى اليه، وبات حزبه أكثر يمينيةً وارتفع منسوب تيار الصهيونية الدينية فيه.
إخفاق نتنياهو الذي يبان حاليا، لا يعني ان المعركة الانتخابية قي حسمت، بل من الوهم حاليا اعتقاد ذلك. هناك مؤشرات لاحتمالية سقوطه لكن مع احتداد المعركة الانتخابية لغاية 27 أكتوبر واحتمال ان تكون عنيفة وتشهد استخداما مغرضا لتقنيات الذكاء الاصطناعي واحتمالية نشر الفوضى باعتبارها بيئة لعدم الاعتراف بنتائج الانتخابات في حال أخفق بفارق بسيط أي بعشرات الاف الأصوات، فيما تبقى الاحتمالية الحقيقية لارجاء الانتخابات بذريعة تصعيد أمني مفتعل.
تبقى قوة الأحزاب الحريدية ووجهتها قد تكون حاسمة في حال تفكك الشراكة التاريخية مع الليكود او انزياح أوساط منها لصالح ايزنكوت التي تبدو قائمته الانتخابية تخاطب أوساط شعبية واسعة سعيا للسلطة.
الأحزاب العربية قد تحسم في اية حكومة لا تريدها
انسحب حزب "لكلنا مكان" العربي اليهودي المناهض للاحتلال والعنصرية من المعركة الانتخابية. جاء القرار الجدير بناء على تقديرات الحزب بحصوله على عشرات الاف الأصوات لكن دون تجاوز العتبة الانتخابية مما يعني هدرها. فيما قدّم كل من القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة لوائح الترشيحات الى لجنة الانتخابات.
في حال إخفاق مساعي اليمين بالشطب أي منع حزب او اكثر او مرشحين شخصيا من الترشح، وقد يكون مدعوما من بعض اطراف المعارضة، فقد تحصل القائمتان مجتمعتين لغاية أربعة عشرة مقعدا. في مثل هذه الحالة سيكون من الممكن ان يحسم الصوت العربي الانتخابات، وأن يحدد بالأساس أية حكومة لا يريد أكثر من القدرة على تحديد سياسات اية حكومة بديلة، كما بإمكانها ان تحدد أية حكومة أسهل مواجهتها وأقلّ وطأة، دون القدرة على تحديد سياستها.
قضية فلسطين في واجهة الانتخابات
تزامنت ثلاثة تطورات سياسية تفرض جدول اعمال انتخابي لا يستطيع نتنياهو تجاهله وكذلك قادة المعارضة؛ جولة السفير الأمريكي في بلدة ترمسعيا في الضفة وتحميله المسؤولية على حكومة إسرائيل في توفير الحماية والأمان للفلسطينيين ورفضه لاعتبار اعتداءات المليشيات الإرهابية الإسرائيلية بأنها مجموعات خارجة عن القانون بل حمل الحكومة مسؤولية ايقافها، ثم جاء الضغط الرسمي الأمريكي ونتبجته أصدر أوامره للجيش في اخلاء 15 بؤرة استيطانية جددية ضمن المئات التي أقيمت، وهو ما يثير التوتر بينه نتنياهو وحلفئه من الصهيونية الدينية؛ فيما جاء الموقف البريطاني ومعها أحدى عشرة دولة أوروبية وغربية بما فيها فرنسا واسبانيا وكندا بفرض حظرعلى التعامل مع المشروع الاستيطاني ومنتوجاته واعتبار إسرائيل ترتكب تطهيرا عرقيا، وتسعى بتطبيقه الى منع قيام دولة فلسطينية ضمن حل الدولتين، بينما زاد القلق الإسرائيلي من عدم الاعتراض أمريكيا على القرارات المذكورة، بل يسود الاعتقاد بالتناسق بين الموقفين الأوروبي والامريكي؛ فيما جاءت الضربة الثالثة وغير المتوقعة لنتنياهو شخصيا وسياسيا مما نشر عن التحذيرات الإماراتية لنتنياهو مباشرةً بمخططات حماس قبل السابع من أكتوبر 2023 ولم يبلّغ الجيش او مجلس الامن القومي بذلك، مما يعيد مطلب لجنة تحقيق رسمية الى الواجهة ويزعزع رواية نتنياهو التي يحمّل فيها الجيش والشاباك مسؤولية الإخفاق الأكبر في تاريخ إسرائيل. قد تحسم هذه المسألة نتائج الانتخابات.
بخلاف ملفات لبنان وايران فإن تصدر قضية فلسطين لجدول الاعمال الانتخابي، لن يصبّ في صالح نتنياهو، وقد لا يصبّ في صالح المعارضة اذا توقف نقدها له عند مسألة الإخفاق دونما بديل سياسي حتى ولو من باب التصريح بتسوية سياسية. في مثل هذه الحالة قد تنقذ المعارضة نتنياهو.
فعليا فإن خطوة بريطانيا والدول الغربية قد تجعل الاحتلال والاستيطان مكلفين لإسرائيل دولةً ومجتمعا، لكنها تبقى محدودة ما لم تبلغ مستوى إعادة النظر في اتفاقات الشراكة. اعلامياً تم التوقف عند القلق الذي يجتاح حكومة نتنياهو باعتبار الموقف الدولي يشهد سناريو كرة الثلج المتدحرجة او حجارة الدومينو، فيما اعتبرتها القناة 12 "7 أكتوبر دبلوماسي" كون الدولة ووزارة الخارجية والموساد لم يتوقعوا هذه الخطوات. فيما اعتبرها وزير الخارجية الإسرائيلية تدخّلاً في انتخابات الكنيست وفعليا تناقض مسعى الحكومة الى فرض صدام مباشر مع الفلسطينيين في الضفة الغربية ينوايا التهجير. فيما قد الخطوة الأوروبية الغربية الى انتقام إسرائيل من الشعب الفلسطيني
في الخلاصة؛ يدخل التنافس الانتخابي الإسرائيلي مرحلة متقدّمة ولا تزال الأمور غير محسومة بتاتا ولا مكان للأوهام في هذا الصدد. بخلاف الفترة السابقة تبدو المعارضة أكثر تناسقا من كتلة الليكود - اقصى اليمين، وقد يؤثر الامر على قطاعات من المصوتين.
قوة الصوت العربي في حال الارتفاع الكبير في نسبة التصويت، قد تكون هي الحاسمة في منع بقاء نتنياهو وائتلافه في الحكم. ودونما القدرة على تحديد السياسة العامة لأية حكومة قادمة، كما لا يوجد توافق في هذا الصدد. فيما أن اتفاق فائض أصوات بين المشتركة والموحدة ضروري، فالصراع الجوهري هو مع الفاشية الكهانيّة الإبادية الحاكمة والتي تضعنا جماهيرَ وشعباً في حالة من الخطر الوجودي.
موقف الولايات المتحدة ودول أوروبا بصدد الضفة الغربية مؤخرا قد يحسم في غير صالح اليمين الا اذا قامت أنقذته المعارضة. فيما تعود قضية فلسطين وتتصدر المعركة الانتخابية ما يعزز أهمية البرنامج السياسي في الانتخابات. كما أن الصمود الفلسطيني ورفض التهجير وترسيخ مقومات البقاء قد يقوض هذا مشروع أقصى اليمين وخطة الحسم برمتها.
المصدر:
كل العرب