في مجتمعنا، لم تعد الأعراس في كثير من الأحيان مناسبة للفرح ولمّ شمل الأهل والأصدقاء فحسب، بل تحولت عند البعض إلى ميدان للتباهي والمنافسة والمباهاة، حتى أصبح العرس عبئا ماليا واجتماعيا كبيرا على العائلات، وأصبح بعض الناس ينفقون أموالا طائلة لا لشيء إلا ليقال: فلان أقام عرسا كبيرا، وفلان دعا الآلاف، وفلان قدّم كذا وكذا.
ومن هنا، فإن الطريقة التي اختارها الشيخ رائد صلاح للاحتفال بزفاف ابنه تستحق التوقف عندها والتأمل فيها. فقد اختار أن يكون الاحتفال محدودا، وأن يدعو عددا قليلا من الأهل والأصدقاء إلى مطعم، بعيدا عن مظاهر البذخ والإسراف.
والسؤال الذي يطرح نفسه: لو أراد الشيخ رائد أن يدعو دعوة عامة، أليس من الممكن أن يحضر عرس ابنه عشرات الآلاف؟ بالتأكيد كان ذلك ممكنا، ولكنه اختار الاختصار والبساطة، وكأن الرسالة التي يبعث بها إلى مجتمعنا هي أن الفرح لا يحتاج إلى آلاف المدعوين، ولا إلى إنفاق الأموال الطائلة، ولا إلى استعراض أمام الناس.
فلماذا لا يكون عرس ابن الشيخ رائد صلاح قدوة لأبنائنا وعائلاتنا؟
لماذا لا نعود إلى البساطة التي تجعل العرس مناسبة للفرح بدل أن يتحول إلى مشروع مالي يرهق العريس ووالده وأسرته؟ لماذا أصبح البعض يبيع قطعة من أرضه، أو يستدين، أو ينفق كل ما جمعه طوال سنوات، حتى يقيم عرسا يتحدث عنه الناس أياما ثم ينتهي كل شيء؟
ماذا نريد أن نثبت للناس عندما ندعو آلاف المدعوين؟ هل قيمة العريس بعدد الذين حضروا؟ وهل قيمة العائلة بما أنفقته على الطعام والقاعة والزينة؟ وهل أصبح نجاح العرس يقاس بحجم المصاريف وعدد السيارات والذبائح والضيوف؟
إن من المؤسف أن يصل الأمر ببعض العائلات إلى أن تتحمل ديونا لسنوات من أجل ساعات قليلة من الاحتفال. وقد يكون العريس في بداية حياته، فيحتاج إلى المال لبناء بيت، أو تأمين مستقبله، أو مساعدة أسرته، فإذا به يبدأ حياته الزوجية مثقلا بالديون بسبب عرس أراد من خلاله إرضاء الناس.
والدين الإسلامي واضح في التحذير من الإسراف والتبذير، قال تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾. فالفرح مشروع، وإكرام الضيف جميل، واجتماع الأهل والأصدقاء أمر محمود، ولكن عندما يتحول ذلك إلى مبالغة وتفاخر وإرهاق للناس، فإننا نكون قد ابتعدنا عن الهدف الحقيقي من الزواج.
يا أبناء مجتمعنا، العرس يوم واحد، أما الحياة الزوجية فعمر طويل. فلا تجعلوا يوما واحدا يبتلع مدخرات سنوات، ولا تجعلوا كلام الناس يتحكم في قراراتكم.
ويا آباء العرسان، لا تجعلوا أبناءكم يبدأون حياتهم بالديون من أجل إرضاء الآخرين. دعوا الناس يقولون ما يشاؤون؛ فالناس تتحدث أياما، أما الدين فيبقى على كاهل صاحبه سنوات.
إن العرس الناجح ليس العرس الذي يحضر فيه أكبر عدد من الناس، وإنما العرس الذي يبدأ بعده الزوجان حياتهما بأمان وراحة وكرامة، بعيدا عن الديون والضغوط. ولعل عرس ابن الشيخ رائد صلاح، ببساطته واختصاره، يكون رسالة عملية إلى مجتمعنا كله: نستطيع أن نفرح من دون إسراف، وأن نكرم ضيوفنا من دون تبذير، وأن نحتفل بأبنائنا من دون أن نرهق أنفسنا وأبناءنا بالديون.
لقد آن الأوان أن نغيّر مفهومنا عن الأعراس. نريد أعراسا للفرح، لا للمباهاة؛ للتقارب، لا للمنافسة؛ ولإسعاد العروسين، لا لإرضاء كلام الناس. فليكن عرس ابن الشيخ رائد صلاح قدوة، ولنجعل البساطة قيمة اجتماعية نفتخر بها، لا شيئًا نخجل منه.
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com
المصدر:
كل العرب